حقوق الإنسان والديمقراطية والإرهاب

، بقلم عادل عامر

تعتبر التحولات السياسية، ونهاية الحرب الباردة، والاستقطاب الإيديولوجي أحد نتائج الصعود المتواصل لأجندة جديدة في الدول المتقدمة وفي العلاقات الدولية. فمنذ عقد الستينيات على الأقل بدأت عملية إحلال قائمة الاهتمامات التقليدية في العلاقات الدولية والتي تمحورت حول قضايا الأمن، وأخذ الإجماع يتركز على القضايا التي تسمى "السياسات الدنيا" وخاصة القضايا الاقتصادية. ومنذ نحو منتصف الستينيات أصبحت قضايا البيئة تشغل اهتمام الرأي العام في الدول المتقدمة. وبالرغم من هذا فان انهيار الاتحاد السوفيتي يطلق العنان أمام الاهتمام الدولي بالقضايا الجديدة. ومن أمثلة هذه القضايا قضايا البيئة وحقوق الإنسان والديمقراطية والإرهاب وبالرغم من التأكيد على أن التغير في قائمة الاهتمامات والأولويات يشكل أحد الملامح الهامة للتغير في النظام الدولي، فان بعض هذه القضايا ادعاءات أكثر من كونها حقيقة، حيث إن الاهتمام بهذه القضايا لم يتعد الجانب الدعائي. وحتى مع افتراض وجود اهتمام بهذه القضايا المهددة للحياة الإنسانية، فإن هذا الاهتمام لا يزال محصوراً في قائمة اهتمامات السياسات القومية في عدد من الدول المتقدمة، ولا يتجاوز ذلك إلى كونه اهتماماً دولياً حقاً، حيث لا يزال التعاون الدولي في قضايا البيئة والأمراض الوبائية المتنقلة وغيرها في مراحله الأولى

وبغض النظر عن مدى صحة هذا الجدل، فان قضية التنمية في العالم الثالث لم تعد أحد الأولويات في النظام الدولي، بالرغم من أن ذلك يهدد بكارثة للعالم كله ولا يعني هذا أن قضايا الأمن القومي الإقليمي والدولي "قضايا السياسة العليا" عموماً قد أصبحت هامشية. فكما أثبتت حرب الخليج سوف تظل هذه القضايا قادرة على احتلال قمة جدول الاهتمامات الدولية عندما تثار بحدة. غير أن حرب الخليج تثبت أيضاً أن قضايا الأمن الاقتصادي قد أصبحت تشكل محركاً لقضايا الأمن الاستراتيجي وليس العكس، كما تثبت أيضاً أن المشاعر القومية لم تنحسر.

وقد مثلت قضية الإرهاب بشكل خاص محكاً رئيسياً لمعظم دول العالم خلال فترة التسعينات، حيث اتخذت هذه الظاهرة في المرحلة الأخيرة طابعاً عاماً، فأحداث العنف تجرى في كل مناطق العالم تقريباً لأهداف مختلفة، وهذا يشير إلى وجود مناخ عالمي عام يفرز أشكالا من النشاطات الإرهابية.

أما على مستوى الوطن العربي فقد كان هناك عدد من العوامل الداخلية الهامة التي أفرزت هذه الظاهرة وجعلتها تبرز بقوة على الساحة الإقليمية في الوطن العربي، حيث أصبحت الدول الأخرى تنظر إليها على أنها بمثابة تهديد لأمن واستقرار المنطقة، ولكن يمكن القول بوجود نوع من التباين في شعور الدول العربية بالتهديد من ظاهرة الإرهاب، فهناك عدد من الدول التي أدت هذه القضية دوراً هاماً في توجيه سياستها الخارجية ومن هذه الدول مصر، في حين إن هناك دول عربية أخرى لم تمثل هذه القضية محوراً هاماً بالنسبة لها، ويرجع هذا الاختلاف في محورية قضية الإرهاب في أحد أبعاده إلى مدى شعور الدولة بالتهديد من جراء هذه الظاهرة الخطيرة. وإزاء هذا التباين في الشعور بالتهديد جاءت ردود الفعل والتحولات في السياسات الخارجية للدول العربية مختلفة. وهناك عدة ملاحظات حول هذه الردود والتحولات المختلفة في السياسات الخارجية للدول العربية إزاء هذه الظاهرة نذكر منها:

- على الرغم من أن مواجهة الأعمال الإرهابية والقائمين بها، قد أضمحت محوراً لسياسات إقليمية منذ أوائل عقد التسعينات، إلا أن هناك فارقاً واضحاً بين دول عربية تتعرض مباشرة لهذا النفوذ و تعايشه وأخرى لا تشهده، وقد عكس هذا الفارق التباين بين هذه الدول في ردود الفعل تجاه هذه الظاهرة. وفي ذلك نجد أن الدول الثلاث
– مصر، وتونس، والجزائر كونت مثلث تعاون مصري تونسي جزائري لمواجهة هذه الظاهرة يمكن اعتباره قاعدة انطلاق لجذب أطراف عربية أخرى.

- أن التحولات وردود الأفعال التي شهدتها السياسات الخارجية للدول التي شملتها هذه الظاهرة إنما جاءت على أساس رؤية صانع القرار في تلك الدول لمصدر الخطر المتمثل في الدول المساعدة للحركات الإرهابية في الداخل، ويمكن هنا رصد عدد من المواقف التي توضح التحول الذي شهدته السياسات الخارجية لهذه الدول إزاء هذه القضية، فبالنسبة للموقف المصري، ترى القيادة المصرية أن الدول الداعمة للإرهاب إنما تهدف إلى ضرب مصر من الداخل وبالتالي التأثير على مكانتها الخارجية خاصة على مستوى الوطن العربي. وإزاء ذلك اتخذت السياسة الخارجية المصرية موقفاً حازماً من الدول المصدرة للإرهاب. أما الموقف التونسي فقد قام في بداية مواجهته لهذه الظاهرة على الترتيب مع الموقف المصري فقط، ثم وافقت تونس على تكوين محور مصري تونسي جزائري لمواجهة الظاهرة. وبالنسبة للموقف الخليجي، وإن كان الموقف اختلف الآن، فعلى الرغم من أن الدول الخليجية ليست من الدول التي عانت من ظاهرة الإرهاب إلا أن هذه الدول قد استجابت لسياسات مواجهة هذه الظاهرة، وذلك من خلال إدانتها للتطرف والعنف. إلا أن ما يعبر عن تحول سياسات هذه الدول هو تعهدها بوقف المساعدات الحكومية أو التبرعات للهيئات والمنظمات التي قد توجه مواردها إلى مساعدة التطرف والإرهاب بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

4- انتهاء مرحلة القطبية الثنائية:

يميز دارسو العلاقات الدولية بين ثلاث أشكال رئيسية من الأبنية الدولية:

‌أ. القطبية الواحدة: يتميز البنيان الواحدي القطبية بقدر كبير من تركز الموارد، نظراً لصفته الأساسية، وهي وجود دولة واحدة أو مجموعة متجانسة من الدول تسود البنيان الدولي بأسره. ومن أمثلة ذلك البنيان الدولي بين عامي 1919 - 1932 الذي سادته الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى. ويتسم هذا البنيان بالاستقرار النسبي، وانخفاض حدة الصراع الدولي، لان الدول العظمى على قمة البنيان الدولي تستطيع فرض مفهومها للسلام على الآخرين.

‌ب. القطبية الثنائية: يتميز بنيان القطبية الثنائية بتركز النفوذ الدولي في قطبين رئيسيين، وذلك بسبب تركز توزيع المقدرات بين دولتين أو كتلتين رئيسيتين، ويتميز هذا البنيان بوجود صراع رئيسي يتمركز حول القطبين الدوليين، والبنيان الثنائي قد يكون بنياناً جامداً أو مرناً. وترتبط القطبية الثنائية بالصراع والتوتر الدولي، فكل قطب دولي يحاول دائماً أن يتغلب على القطب الوحيد الآخر من خلال زيادة إمكانياته أو تدعيم نظام محالفاته، أو ترغيب الدول غير المنظمة للانضمام إلى قطبه.
‌ج. تعدد الأقطاب: السمة الأساسية لبنيان تعدد الأقطاب هي وجود مجموعة من الدول أو الأقطاب التي تمتلك موارد وإمكانيات اقتصادية متكافئة تقريباً، كما هو الحال في نظام توازن القوى التقليدي، كما أنه يتميز بوجود أكثر من صراع دولي رئيسي

وفي هذا الصدد، يكاد يتفق دارسو السياسة الخارجية على أن قدرة الوحدات الصغيرة والمتوسطة على التحرك السياسي المستقل في النسق الدولي تزداد كلما ازداد الطابع التعددي للبنيان الدولي، وكلما ازدادت درجة الصراع بين الوحدات الكبرى المكونة لهذا البنيان. فبنيان تعدد الأقطاب وبنيان القطبية الثنائية المرنة يؤديان إلى زيادة قدرة الوحدات الصغيرة أو المتوسطة على الحركة المستقلة. وعلى العكس، فان تحول البنيان الدولي نحو القطبية الواحدة من شأنه أن يقلل من قدرة الوحدات الصغيرة والمتوسطة على تلك الحركة.

غير أنه يجب الإشارة إلى أن بنيان تعدد الأقطاب ليس دائماً صمام أمن لحماية الدول الصغيرة والمتوسطة، إذ إنه حينما تتفق مصالح الدول الكبرى فإن تلك المصالح يكون لها الأولوية على مصالح الدول الصغيرة والمتوسطة. ومن ثم فان بنيان تعدد الأقطاب وبنيان القطبية الثنائية المرنة لا يزيد من حرية الحركة للقوى الصغيرة والمتوسطة إلا إذا اتسم البنيان بدرجة كبيرة من التنافس بين القوى الكبرى المسيطرة. ومن ناحية أخرى، نجد أن بنيان القطبية الثنائية الجامدة يؤدى إلى ممارسة القوتين العظميتين لضغوط شديدة على الدول المتحالفة معهما المنضوية تحت كتلتيهما لضمان اتباع تلك الدول لسياسات تؤدى إلى حماية تماسك الكتلة. كما انه يمكن أن تؤدى إلى زيادة الحركة لدى الدول غير الأعضاء في الكتلتين إذا تنافس القطبان على استقطاب هذه الدول غير الأعضاء أو على الأقل منعها من الانطواء تحت لواء الكتلة المضادة.

وقد شهد البنيان الدولي القطبية الثنائية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى بداية عقد التسعينيات، حيث خرج كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي من الحرب العالمية الثانية باعتبارهما أكبر قوتين في العالم من الناحية العسكرية، وسريعاً ما تحقق التكافؤ الاستراتيجي بينهما على أساس من قاعدة توازن الرعب النووي. وفي هذه المرحلة يمكن رصد الآتي:

‌أ. أن الاستقلال السياسي لأكثرية الدول العربية قد تم إلى حد كبير بفضل القطبية الثنائية، وكان الحفاظ على هذا الاستقلال نتيجة الحرب الباردة، حيث اتاحت القطبية الثنائية هامشاً كبيراً للمناورة الإستراتيجية والتكتيكية، ومدخلاً أساسيا للحصول على التكنولوجيا العسكرية المتقدمة والدعم السياسي والدبلوماسي من جانب الكتلة الشرقية. ولذلك يمثل الانهيار السوفيتي نهاية لهذا الهامش ونهاية للمناورة الاستراتيجية، وتضييقاً واضحاً للفرص ومضاعفة للقيود الواردة على الاختيارات السياسية للعرب في الساحة الدولية. إذ يصبح العرب في مواجهة غير متكافئة مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في الغرب.

‌ب. أن الأقطار العربية استطاعت استثمار الفرص الماثلة أمامها في القطبية الثنائية لصيانة مكانة العرب الوسيطة في النظام الدولي، حيث سمحت القطبية الثنائية بدخول الأقطار العربية الأكثر تطوراً مضمار الصناعة في الفروع التي مثلت محور الثورة الصناعة الأولى، وبعض فروع الثورة الصناعية الثانية. كما حقق العرب مستويات وسيطة في ميادين التعليم والصحة والإنتاج والثقافة وفي مجالات البنية الأساسية الحديثة. ومما لا شك فيه أنَّ زوال القطبية الثنائية قد يؤثر على نحو أكبر وأكثر سلبية على مجرد الحفاظ على المكانة الوسيطة للعرب في الهيكل الاقتصادي الاجتماعي للنظام الدولي. ويرجع ذلك إلى إقدام الغرب والمنظمات الاقتصادية الدولية على فرض حزمة من السياسات الاقتصادية التي قد لا تتوافق مع طبيعة بعض الاقتصاديات العربية.

ولكن منذ النصف الثاني من عقد السبعينيات بدأت عملية تحلل القطبية الثنائية بظهور علامات الانكماش النسبي في قاعدة موارد الاتحاد السوفيتي، فضلاً عن عدم قدرته على اللحاق بالثورة التكنولوجية الثالثة.

ومع عام 1985م تفاقمت الأزمة الداخلية والفشل الخارجي للاتحاد السوفيتي مما أدى به إلى تقديم تنازلات من جانب واحد، إلى حد يجب وصفه بانهيار القوة السوفيتية في السياسة الدولية مع بداية عقد التسعينيات.

واتضح هذا الانهيار في السلوك السوفيتي حيال أزمة الخليج. وهذا يرجع إلى انكسار الإرادة السوفيتية في الاستمرار كقوة عظمى في المنظومة الدولية، والتدهور الشديد للطموح القومي الروسي وتدهور وحدة نسيج الدولة السوفيتية، وتبنى إستراتيجية جديدة تقوم على درجة كبيرة من الاعتمادية السوفيتية على الغرب فيما يتصل بواردات التكنولوجيا ورأس المال. وهذا يعنى أن الاتحاد السوفيتي لم يفقد فقط جدارته كقوى عظمى وإنما أصبح يظهر أعراض تبعية متأخرة وشديدة للغرب. وبهذا المعنى يمكن القول أن الاستقطاب الثنائي أو قاعدة القطبية الثنائية باعتبارها السمة الحاكمة لهيكل النظام الدولي قد زالت وتقوضت، وربما نهائياً مع بداية عقد التسعينيات، على الرغم من الخلاف بعد ذلك حول تشخيص طبيعة الهيكل الراهن للمنظومة الدولية.


عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبيرفي القانون العام

من نفس المؤلف