المتْش

، بقلم مصطفى أدمين

« زازوقْ » واسمه الحقيقي عبد الرزاق هو من ننتظر الآن ليذهب بنا إلى مباراة كرة قدم ضد فريق من التلاميذ النصارى والمفرنسين من أبناء المغاربة الأثرياء؛ وهو الوحيد من بيننا ـ نحن أبناء الفقراء ـ الذي يتابع دراسته في مدرسة فيكتور هوغو الفرنسية مع أولئك الذين سنلعبُ ضدّهم « الماتْشْ ».
لـِ « زازوقْ » ثقافة مزدوجة لأنه يعيش بيننا كواحدٍ منّا ويعيش مع أبناء النصارى والمفرنسين من أبناء المغاربة الأثرياء، وهو يتقن ـ من جهة ـ لغتَنا المرّاكُشية بمكوناتها السافلة والراقية و ـ من جهة أخرى ـ لغة موليير الراقية حسب عقولنا الصغيرة.
ونحن في انتظار هذا الوسيط، شرعنا نقتل الوقت بمناقشة موضوع صعود الأمريكان إلى القمر وزرع علمهم الوطني على أرضه:
ـ التلفزيون لا يكذب، يقول « كيكيمو البوّال ».
ـ الفقيه سيدي مْحمْد المصلوحي لا يكذب، يقول « عَبْديلاه بوخْنونة ».
ـ أنا رأيتُ الميريكان يمشون على « أرض » القمر في التلفزيون، وأبي يقول إنّهم وصلوا إلى القمر بالصّح، يقول « حْميمّو ولد العرْجا ».
ـ الفقيه سيدي مْحمْد المصلوحي لا يكذب لأنّه يعلّمنا القرآن، وهو يقول بأنّ الميريكان كذابين وما رأيناه في التلفزيون غير سينما، يقول « حسّونة الأعْوَرْ ».
بعد هذا النقاش الذي قتلنا به الوقت قتلا، أجمعنا على أنّ صعود الأمريكان إلى القمر مجرّد كذبة يضحك بها الكفّار على المسلمين لكيْ يظهروا لنا أقوياء ونظهر لأنفسنا ضعفاء؛ ولم يفكّر واحدٌ منّا في الاستعداد لـِ « الماتْشْ » الذي لا تفصلنا عنه سوى ساعات.
وجاء « زازوقْ » وقال: « هل أنتم مستعدّون لـِ « الماتْشْ »؟ فأجبنا كرجل واحد: « نحن مستعدون » وانطلقنا إلى حيّ جيليز الراقي لمباراة محسومة قبلاً لصالحنا ؛ فنحن أبناء فقراء وطائشون ولغتنا سفيهة إلى أبعد حدّ.
في الطريق، عدّنا الوسيط « زازوقْ » ووجد أننا 13 فردا وكل فرد منّا يريد أن يشارك في « الماتْشْ » وإلا الانتقام من أحدِنا أو منّا إن هو مُنِع من المشاركة.
ـ سأجدُ الحلّ، قال الوسيط.
عندما أطللنا على الفريق الخصم في ملعب يضاهي بعض ملاعب فرق القسم الوطني الأول، رأينا 11 لاعباً بلباس كُروي أزرق موحّد ونحن بأسمالنا التي ننام ونخرج ونذهب بها إلى المدرسة.
تناظر أفراد الفريق « النصراني » فيما بينهم وتهامسوا، وجرى واحدٌ منهم إلى مكان نجهله، ثم عاد منه بـ ِ 11 بذلة رياضية بلون أخضر، غير أن « زازوقْ » نبّه رئيسهم إلى أننا سنلعب بـِ 13 لاعباً، فهمس الرئيس إلى ذلك الجرّايْ، فجرى ثانية،ثم عاد ببذلتين أخريين. وانطلقت المباراة: 13 ضدّ 11 وحكم وسط وحكمي شرط.
ساعتها تسارعت الأهدافُ في مرمانا ونحن كثرة وهم قلّة؛ 13 هدفا لصفر. ومن غضبنا من الهزيمة افتعلنا حرباً لكيْ نبرحهم ضرباً وننتقم لشرفنا.
ـ إيّاكم أن تتقاتلوا معهم فهم أقوياء وكلّهم يتدربون على فنون القتال، قال « زازوقْ » النحس.
ـ أنتَ خوّاف، قال « عبديلاه بوخْنونة »، نحن رضعنا حليب مولانا من « بْزازْل » أمهاتنا، وهم رضعوا الحليب الاصطناعي « كيكوز » من قوارير زجاجية، ونحن مسلون وهم نصارى...
وانطلقت المعركة، فكنتَ لترى المخاط والأسنان تتطاير، والعظامَ تُدشدش، والبذلات الرياضية تُمزّق، والعيون تنتفخ وتزْرَقّ، و« الكُرورْ تُخوّرْ »... معركة عظيمة جلبت النصر العظيم للنصارى ولنا الذل.
في حيّنا اجتمعنا لتقييم الهزيمة:
ـ التلفزيون لا يكذب، يقول « كيكيمو البوّال ».
ـ الفقيه سيدي مْحمْد المصلوحي لا يكذب، يقول « عبديلاه بوخْنونة ».
ـ أنا رأيتُ الميريكان يمشون على « أرض » القمر في التلفزيون، وأبي يقول إنّهم وصلوا إلى القمر بالصّح، يقول « حْميمّو ولد العرْجا ».
ـ الفقيه سيدي مْحمْد المصلوحي لا يكذب لأنّه يعلّمنا القرآن وهو يقول بأنّ الميريكان كذابين وما رأينا في التلفزيون غير سينما، يقول « حسّونة الأعْوَرْ ».
ـ أنا... نا ... ما... ففففـ... همتْ والو... غلللـ.... بونا.... وحنا مسـمسـ... لمين... ؟ يقول « بولفْتة التمتام »؛ و« زازوق » يتمرّغ ويموت من الضحك.