صديقي الحسون ...

، بقلم فيصل سليم التلاوي

لولا أن صديقي عيسى بشارة لا يزال حيا يُرزق، ويعاود تذكيري بالحكاية بين فترة وأخرى، ما تجرأت على الإفصاح عنها. فأنا ما زلت حتى يومي هذا بين مصدقٍ ومكذب لما أبصرته عيناي من وقائع تلك الحادثة، التي مرت بي أيام فتوتي الأولى. ومع أنني قد ذرفت اليوم على الستين إلا أنني ما حدّثت بها أحدا غير نفسي في يوم من الأيام، بل إنني أكاد أشك في نفسي، وأميل إلى عدم تصديقها لولا تشجيع صديقي عيسى الشاهد الوحيد، ورفيقي في مشاهدة أحداث ذلك اليوم.
فرغم أنني قد سمعت في حياتي الطويلة حكايات عجيبة عن ذكاء الحيوانات والطيور، وقوة حدسها وبالغ قدرتها في تقصي الأثر وتتبع المسالك والدروب، وإمكانياتها الغريزية الفائقة في الاهتداء إلى طرق العودة إلى مواطنها الأولى، وتعرفها على أصحابها الأولين ووفائها لهم، وفي ذلك قصص لا حصر لها، تُروى عن وفاء الخيل والكلاب وتعلقها الشديد بمالكيها. وكم سمعت عن جمل اشتراه شخص من بلدة بعيدة، وانتقل به بالشاحنة مسافة مئات الكيلومترات، ثم ما لبث في أول فرصة سانحة أن يمم وجهه عائدا أدراجه سيرا على قوائمه إلى موطنه الأول، ولواستغرقه السير عدة أيام في طريق لم يسلكها على قوائمه من قبل.

ولست أنسى حكايات الأرانب والحمام الذي كنا نبتاعه من مزارع الفلاحين البعيدة عن مساكننا عدة كيلومترات، أيام كنا نعمل مدرسين في منطقة فزان بجنوب ليبيا في سبعينيات القرن الماضي، ونعود بها إلى مساكننا في كرتونة مقفلة داخل صندوق السيارة، فما إن يلوذ أحدها بالفرار ويولي هاربا خلسة أوعلانية، حتى نجد أحد تلامذتنا - الذي يكون ابن صاحب المزرعة – وقد أحضره إلينا مخفورا في اليوم التالي، ليخبرنا أنه قد عاد إلى جحره أوعشه في المزرعة.

كل ذلك وغيره كثير مما يدلل على قدرة الطير والحيوان على تتبع الأثر، وعلى عميق حدسه في الاهتداء إلى موطنه، وقدرته على العودة إليه مهما أبعدته عنه. وفي عالم الأسماك والبحار مثل ذلك كثير.

لكن ما حدث بيني وبين صديقي الحَسُّون أمرٌ مغاير ويفوق ذلك كله. فقد كنت في أيام صباي مغرما بصيد العصافير والحساسين خاصة، وهي الطيور التي يؤثرها عامة الصيادين والمقتنين، لجمالها وغلبة اللونين الأصفر والأحمر على سائر ريشها، ولأن سعرها عند البيع كان هوالأغلى، فهي تشترى للزينة والاقتناء في الأقفاص، وليست لوجبات الطعام كغيرها من سائر العصافير. ومع أن ثمن الزوج منها ما كان يزيد عن قروش معدودة يومها، وليس عشرات الدنانير كما هوشأنها اليوم، إلا أن سوقها كانت ومازالت الأكثر رواجا بين سائر الطيور.

وكانت وسيلتي لاصطيادها شبكة من خيوط أتفنن في صنعها وهندستها، وما زلت أتقن رسمها حتى يومي هذا. أثبتها بالعيدان من جهاتها الأربع، ثم أجمع خيوطها من أطرافها بخيط واحد أشده بيمناي، وأمد له مسافة مناسبة أبتعد بها إلى المكان الذي سأكمن فيه منتظرا صيدي الثمين، مبتعدا مسافة مناسبة حتى لا أنفر العصافير برؤيتي واقترابي من مكان الشبكة، وأترك لهذا الخيط مسافة تتلاءم ووصف طرفة بن العبد حيث يقول:- ( لكالطِوَلِ المُرخى وثِنياهُ في اليدِ ).

أما يدي اليسرى فلها نصيب من خيط آخر متصل بالعصا المناسبة التي أصنع لها من وسطها جناحين خشبيين عن يمين وشمال، وأربطهما من طرفيهما بخيطين يجتمعان في ملتقى واحد. أثبتها وأحركها عاليا وسافلا حركة خفيفة عند اللزوم، ويقف على رأس هذه الخشبة الحسون المُعدُّ لهذه المهمة، والذي سبق أن تم تدريبه عدة أيام حتى بات يتقن عمله، فيقفز فور أن تطلقه من يدك ليقف فوق الخشبة، وكنا نسمي مثل هذا الحسون المُدَرَّب ( الغماز)، لأنه يغمز أي يومئ لبني جنسه من الحساسين وسائر العصافير الطائرة في البرية لتقترب منه، وتشاركه التقاط الحب، وهوبذلك إنما يشارك في خداعها وإيقاعها في الشرك، لكن عذره أنه لا يدري، وربما ظن أنه يصنع لها خيرا.

إن الحسون هوالطائر الوحيد الذي يمكن تدريبه على القيام بهذا العمل، فلا يقف على الخشبة بعد طول تدريب إلا طائر الحسون وحده دون سائر الطير.

يُربط هذا الغماز بخيط مشدود من تحت جناحيه وأعلاهما قريبا من عنقه، وهوراضٍ مغتبط بهذه الوقفة التي تدرب عليها حتى أتقنها. فيمنايَ تمسك بخيط الشبكة لتشده عندما تقع العصافير أمامها، ويسرايَ تمسك بخيط الغماز لتحرك الخشبة والحسون الذي فوقها عند اللزوم لإثارة الحساسين المحلقة ولتشجيعها على الاقتراب.
لم يكن يناسب شباكنا من مكان تُنصب فيه إلا جوار عيون الماء والينابيع الجارية، التي تردها العصافير الظامئة في البرية لتنهل من مائها، وقد ألفت في بحثي الحثيث وراء الصيد كل عيون الماء والينابيع الجارية في القرى المجاورة للمدينة من كل جهاتها، حتى حفظتها عينا عينا، وتعرفت على جيرانها من المزارعين والمزارعات وبت وجها مألوفا لديهم، يسأل بعضهم عني إن طال غيابي عنهم.

استمرت رحلاتي العديدة بين صيد وفير مرة وقليل مرة أخرى، حتى كان يوم قصدت فيه نبع ( الفوار ) الذي ألفته كثيرا، واصطدت فيه صيدا وفيرا في مرات عديدة. لكنني في ذلك اليوم ما إن أكملت نصب شبكتي وتثبيت خشبة الغماز، وأخرجت الحسون الغماز من قفصه الصغير، وربطته كالعادة من تحت كتفيه، وأطلقته ليقفز فوق الخشبة كعادته، حتى أفلت من خيوطه وحلق عاليا، وتركني وشبكتي وحيدا دون غماز، فما كان مني إلا أن لملمت شبكتي وخشبتي وعدت أدراجي خائبا دون صيد.

وإلى هنا ليست الحادثة ذات بال، وليس فيها ما يُحير أويُستغرَب أمره. حتى كان عصرذات يوم بعد أشهر معدودات، كنت أجلس في ساحة بيتنا في قريتنا الوادعة الصغيرة التي كانت يومها تحيا هانئة تحت إبط المدينة ملاصقة لها من ناحية الغرب، وليس كما غدت اليوم في قلب المدينة ووسط ضجيجها وصخبها، وباتت في عين العاصفة، وفارقتها وداعة وسكينة تلك الأيام الجميلة.

وكان شاهدي الوحيد صديقي عيسى يجلس بجانبي، عندما حام فوق رأسينا طائر حسون، ثم خفض جناحيه واقترب مني وخفق جناحيه برفق وسكينة حتى صار في متناول يدي، فمددت يدي نحوه غير مصدق أن عصفورا بريا يسلم قياده طائعا مختارا ليد بشرية دون جهد أومحاولة صيد أواقتناص بذلتُها.

هالني الأمر الذي رأيت، وتعجب صاحبي مما رأى، والعصفور مطمئن بين يديّ، فبادرت فورا لتفقد رقبته، حيث موطن الشعر الذي أعهده منتوفا من أثر الخيط أثناء شده خلال قيامه بدور الغماز، فوجدته قد كسا قليلا لكنه لا يزال دون ما جاوره من شعر، فأيقنت أنه حسوني الذي فارقني عند نبع الفوار على بعد بضعة كيلومترات منذ عدة شهور. جزمت بذلك لصديقي فلم يصدق، واعتبرني أسرح في عالم من الخيال، وقال لي:

-  نجربه، أطلقه فلوكان هوفسيستقر على الخشبة فورا، ليقوم بدور الغماز، وإن كان غيره فلن يفعلها، إذ إن تدريب الحسون على القيام بهذه المهمة يستغرق عدة أيام على أقل تقدير.

نصبنا الخشبة وربطنا الحسون الزائر بالخيط وأرخينا له العنان، فقفز من فوره فوق الخشبة . وتركني حائرا مندهشا متعجبا مصدقا وغير مصدق حتى يومي هذا!