قراءة نقدية في نص شعري‎ لفاطمة نزال

حبيب الحاج

أول الغيث

تفقد كفيْ روحك ...
إنهما يرسمان
لوحة عشق على جسدي
يا الهي ،
كيف أتلمس دفئهما ...
كيف ألاحق شبق عدوهما
على مرابع صباي ...
كيف بسعيهما بين صفاي ومرواي
قد فجرا ينابيع حنيني
الى قبلة من شفتيك ...
الى انصهار وتبخر معك
لنكون غيمة ؟!

القراءة:

في الظّمأ إلى الحبّ والشّعر...

تقرأ هذا النص البديع فتندهش وتهتزّ لفرادته وشموليته وتأليفه الفذّ بين كونين يبدوان متنافرين لا يجتمعان ولا يتداخلان من منظور "شعبيّ" وإن بدا في لبوس معرفيّ، وهما الشّبقي (الأيروس) والمقدّس..ولا يمكن طرق أي باب من أبواب هذا النص دون الجمع بينهما والانتباه إلى أنّ الشاعرة تأتي فعلا شعريّا ثقافيّا اختراقيّا تأسيسيّا استعاديّا جديرا بالتّنويه والإبراز..فهي تصوغ نظرية في الحبّ، وتقدّم بفعلها الشعري تصوّرات في العلاقة بين الحبّ والفنّ، وبين الحبّ والجمال، وبين الجسديّ والمقدّس في وجود الإنسان في شتّى مطالبه ومساعيه الوجدانيّة والمادّيّة والرّوحيّة..وهي بصفة مباشرة أو غير مباشرة تنطلق من أساس فكريّ يُنظر منه إلى الإنسان في تاريخه الطّويل، وفي تكامل قواه المحرّكة والدّافعة، وكيف كان أبدا مسكونا بهاتين القوتين..وهما، كما ذكرنا، قوّتان متضادّتان متصارعتان في ما يشتهر ويسود من التصوّرات المحكومة بمبدإ التّناقض، وقوّتان منسجمتان متعاضدتان متعاظلتان متوحّدتان في تصوّر آخر يجعل الشبقيّ مصدرا للحياة الروحيّة، وسبيلا إليها، وإلى تنميتها حتّى تبلغ مداها..
و تحرّرا من هذه الحقيقة المتمثّلة في الانقسام الفاجع الدّال على المسافة الرّهيبة الفاصلة بيننا وبين الله، تنطلق الشّاعرة، رادمة هذه الهوّة، راسمة لنا كيانا حيّا متكامل القوى في انسجام خلاّق.. وهذا النص الشبقيّ في روحانيّته والروحانيّ العشقيّ في شبقيّته، علامة رائعة التّدلال على هذه الوحدة الضّاربة في القدم والمتجذّرة في صميم الروح الدينيّة الأصيلة..
لذلك جاء هذا النّصّ "كثيرا"، متعدّدا، آخذا من كلّ أطراف الإنسان والكون، مائيّا "في واد غير ذي زرع..." سماويّا، تألّهيّا، تأليهيّا، إنسانيّا، مفتتنا بسحر الحبّ الأوّل، ذاك الحبّ البدائيّ في كماله، الوثنيّ في حسّيّته، الأسطوريّ في قدسيّته، الدّيني في تماهيه والعقيدة التّوحيديّة الواصلة بين الإنسان والله، تلك الصّلة العشقيّة الحارّة المستعرة التي يتماهى فيها الماء والنّار.. وبعض الظّمأ يكون للنّار، وكل الارتواء يكون بلظاها...

1) قصيدة الظّمأ..

أوّل الغيث..

هوالظمأ إلى الجمال..إلى الحبّ الحقّ في أرض قاحلة .. الحنين إلى طفولة البشرية السحيقة..وتتلبّس الشّاعرة منذ العنوان شخصيّة "هاجر" وقد نفد زادها وماؤها، وبكى رضيعها ظمأ وجوعا، فاحتارت وجزعت وفزعت، ورأت حولها الجدب والقحط، ولم تر الماء، فتاقت نفسها إلى الغيث/الغوث..وأوّله قطر..قطرات..قطرة الحبّ الأولى..الحبّ الأوّل أو الحبّ في أوّله، في بدئه وبدائيّته..وليس مهمّا أن ينهمر أو لا ينهمر..بل الأهمّ أن ينزل الغيث ويجود الحبيب بالقطرة المقدّسة..لذلك رأينا القصيدة قدّاسا للماء ونشدانا لارتواء وتطهّر واستعادة لطهارة أولى لا سبيل إلى استعادتها إلا بالحبّ..والأطرف في هذا السياق أنّ حنين الشّاعرة إلى الماء يتطوّر ليصبح رغبة عجيبة منها أن تكون الماء وأصل الماء، في سيرورة تفاعليّة كيميائيّة عشقيّة ينصهر فيها الكيانان ليكونا الغيمة:

" لنكون الغيمة.."

فهي تنتظر الغيث/الغوث لتكون في المنتهى، وقد توحّدت بالحبيب، غيثا وغوثا للعالم..
لذلك اعتبرنا الرّمز المائيّ الكبير عمادا لهذا الكون الشّعريّ الذي تبنيه الشّاعرة وتصوغ من خلاله تجربتها الرّوحيّة، وقد انتبهت إلى منزلته وطاقته الرّمزيّة وقدرته الدّلاليّة على احتواء كلّ العناصر والمسائل الأخرى، كالحياة والموت والانبعاث والحنين والحبّ والصّبا والجسد والرّوح والفنّ والجمال والإنسان والله...
2) الظّمأ إلى الحبيب..
امتدادا وانتشارا للعنوان تتجلّى اللّمسة / القطرة المرتقبة الحاصلة المتحقّقة المشتهاة لتكون الكفّان حضورا حسّيّا للمخاطب المناجى المتعالي رغم حضوره ووصله..
وتدشينا لفعلها التأسيسيّ، تكسر الشّاعرة التّناقض، وتتحرّر من قيد الفصل والانفصال حين تسند للرّوح كفّين..ولا نرى في ذلك مجرّد استعارة وتخييل، بل هو التّصوّر الخارج على التّناقض بين الرّوحيّ والحسّيّ، والباني لعلاقة انسجام بين قوى الإنسان الحيويّة كما أسلفنا، وهو ما مكّن الشّاعرة من هذه الطّاقة التّعبيريّة الهائلة، فرأت الرّوح في الكفّ وأحسّتها تسري في الجسد الظمآن إلى القطرة/ اللّمسة المقدّسة المباركة الخلاّقة..:

" تَفقَّد كفيْ روحك ... "

3) الظّما إلى الجمال:
في هذا المستوى من تنامي النّصّ تتماهى خمسة مفاهيم وتتعاظل ولا ينفكّ أحدها عن الآخر: الحبّ/الفنّ/الجمال/المقدّس/الجسد/الرّوح...فيكون فعل الحبّ فعلا عشقيّا جماليّا فنّيّا :

"إنهما يرسمان
جدارية عشق
على جسدي..."

ويتبدّى الفعل العشقيّ الإبداعيّ حين تمتدّ يد الحبيب/الخالق/المبدع/ المعبود/العابد لترسم الجسد/تصنعه/تخلقه..أو تتّخذه مرسما، هيكلا للحبّ المقدّس..ليتجلّى الجسد معبودا أو صورة للمعبود منه إليه، وتتجاوب في النّصّ جداريات فرعونيّة بابليّة إغريقيّة رومانيّة تعظّم الحبّ وتخلّد الجسد والشّباب والجمال، صورا لفعل الله في العالم...

وتتحوّل الشّاعرة لتكون الأرض الظمأى في حنينها وتوقها إلى ماء السّماء المحيي بعد موات..فهي جسدها، وجسدها هي، فيه روحها، بل هو روحها، وهو هي، في وحدة عجيبة أصيلة كاسرة مؤسّسة مؤصّلة...

4) الظّمأ إلى الصّبا...

هو في مستوى أوّل حنين استرجاعي إلى عهد جميل، وفي مستوى ثان حنين إلى صبا البشريّة في نبضها الأوّل وكمالها المفقود بفعل التّاريخ والحضارة..وتتحوّل النّبرة من الطّلب (الأمر/تفقّد) إلى الطلب الاستفهاميّ المتواتر المتعلّق بالكيفيّة :

"..يا إلهي ،
كيف أتلمس دفأهما ... ؟
كيف ألاحق شبق عدوهما
على مرابع صباي ..؟

وتتأكد في هذا السّياق وحدة الجسد والأرض، ويجنح الصّوت للابتهال والضّراعة ابتغاء إحساس ممتنع، لأنّه متعلّق بعهد قديم عليه مدار المسعى الاستعاديّ في هذا النّصّ، وما من سبيل إلى ذلك إلا الدّعاء لعلّ الحبيب المتعالي يستجيب..ولذلك يلتبس التعجّب بالنّداء، بل إنّ النّداء (الضّراعة والابتهال) ألصق بسياقنا، دون نفي معنى التّعجّب..فالصّوت هنا هو صوت الأرض الظمأى تستسقي في رجاء وانسحاق، ويمثل الحبيب/الإله في عليائه مانحا مستمنحا عاشقا للعالم وللإنسان...

5) الظّمأ إلى القداسة..

تتجلّى المتكلّمة هنا صورة للأرض المقدّسة تناجي حبيبها وتبارك حجّه إليها، ونزوله لخلاصها، وسعيه بين مقدّساتها..وتنتقل حركتها النّفسيّة إليه، فتسعى كفّاه حاثّتين الجسد الظّامئ، ليتفجّر الماء المقدّس، فيرتوي ويروي، ويبعث الحياة في الجسد الأجدب..وإنّ هذا لمن ألطف ما زان النّص وجعله بدعة شعريّة..

.."كيف بسعيهما
بين صفاي ومرواي....؟ "

6) الظّمأ إلى القبلة المقدّسة...

وكان لا بدّ أن تستثمر الشّاعرة أحسن استثمار الرّمز الهاجريّ/الإسماعيليّ، لا لكي تستعيده شعريّا، بل لتبني عليه ما يناسب منشأ نصّها ونموّه التصويريّ والدّلاليّ :

..."قد فجرا ينابيع حنيني
الى قبلة من شفتيك ..."

ولك أن تربط الماء بالحنين باعتباره مطلبا (ينابيع حنيني)، ولك أن تمضي به إلى متعلّق الحنين، وهو الثّغر منبعا للقبلة المقدّسة المحيية الباعثة من نوم السّنين..وفي هذا أبعد ممّا في "الأميرة النّائمة"، لأنّ ما في الشّاعرة هو حاجة إلى "معجزة" تفجّر الكيان الغافي، وتصله بالنّور البعيد...

7) الظّمأ إلى الله...

طبقا لمنطق خفيّ جليّ، واستتباعا وتصاعدا في مدارج الظّمأ، كان لا بدّ أن نصل إلى المرقى الأعلى، لتنتفي التناقضات، وتكون الوحدة بدلا عن التّعدّد والتشتّت :

.."إلى انصهار وتبخّر معك
لنكون غيمة ؟.."

ففي هذه الدورة الكونيّة الجدليّة تنتفي المتكلّمة ذاتا مفردة غريبة أرضيّة، وتتحوّل، نتيجة لهذا الانصهار بمن تحبّ، كيانا عشقيّا متعاليا سماويّا، يشرف على الأرض ويسقيها حبّا..وما ذاك سوى استعادة لوحدة كونيّة قديمة، كان فيها الإنسان في كنف الله، ثم نزل ليكون في العالم غريبا، ويسكنه الشوق الاستعادي لمملكته القديمة.. ومن الطبيعيّ أن يعيش في عالم انشطاري/انفصالي، وينشد، مشتاقا، الوحدة السّليبة..وفي مسيرة العشق تتداخل ضروب العشق كما يتجلّى في النص، ولكنّها آيلة في المنتهى إلى أعظم الوصل وأقدسه، حيث يطيب الشرب والمقام:

لقد لذّ لي في مروة الحب والصّفا....... إلى وصلهم سعيي وقد طاب لي شربي..
(عبد الغني النابلسي)

وكذلك كتبت الشاعرة في مروة الحبّ والصّفا، فأدخلتنا أبدع الأكوان...