احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة ٢٠١٤

الصفحة الأساسية > أقلام الديوان > دعاء الكروان بين …الرواية والفيلم

دعاء الكروان بين …الرواية والفيلم

١٢ نيسان (أبريل) ٢٠٠٦بقلم سعداء الدعاس

حين تكون خادمة ريفية بطلة لرواية أدبية عربية ذيلت نهايتها بسبتمبر من عام 1934 ،عندها لن يتكلف المتلقي جهداً في استشفاف ماهية هذه الرواية أو نهج سيرها الدرامي ، خاصة في ظل تلك السنوات البدائية من زمن التشكيل الأدبي الروائي العربي.
فمتلقي تلك الفترة ومهما تميز بالثقافة والاطلاع لن يذهب في تصوره لطبيعة الرواية أبعد من كونها تسجيل لكفاح شابة ريفية عانت من أجل الوصول إلى مستوى اقتصادي واجتماعي ما ..أو كونها من تلك الروايات التي تحاكي مأساة الخادمات الريفيات تحديدا في التعامل مع واقعهن المر ...ورغم أن روايتنا هذه حاكت بشكل أو بآخر أسلوب السيرة الذاتية إلا أنها لم تسجل تلك التطلعات البدائية في التعاطي مع شخصية نسائية عاملة ، بل تعاطت الرواية مع سيرة مجتمع كامل بشخوصه المقموعة والقامعة ...كل يغزل الآخر بطابع واقعي تخللت الرومانسية كثير من مساماته .

خصوصية روائية

من خلال تلك التشكيلة الزمنية - البعيدة بعض الشيء- جاءت رواية (دعاء الكروان ) للأديب (طه حسين) كإحدى إفرازات ذلك الزمن الخاص جدا
والذي تمثلت خصوصيته بشخوصه وأمكنته ، فباتت مادة جيدة للتناول السينمائي بعد ذلك على يد المخرج (بركات) والكاتب (يوسف جوهر) حين قدما للسينما عملا يحمل العنوان نفسه، طارحين تساؤلاً جال في خاطر كل من لم يقرأ الرواية : هل قدم الفيلم رواية طه حسين ؟ أم أنه خلق روحا جديدة بواسطة أبطاله ؟
بتحفيز من هذا التساؤل جاءت الرغبة في معرفة الفروقات بين العملين الأدبي والفني .. الأصل والإعداد ، للوقوف على جدوى التفاعل بين الفنون والآداب من خلال دراسة مقارنة لدعاء الكروان – الرواية والفيلم .

طه حسين ينصـّب آمنه بطلة لروايته

تطرح الرواية بجرأة قضية الظلم الواقع على المرأة العربية والريفية خاصة ، في ظل مجتمع جاهل لا يرى في المرأة سوى أنها عورة لا بد من حجبها عن العالم ، وقد تفوق الكاتب على ذاته الواعية والمثقفة حين استغنى عن نظرته الراقية للمرأة واستعارعين من ترى المرأة بصورة مخجلة ، ساعده في ذلك أنه عاش في يوم من الأيام ضمن هذه المنظومة الريفية ، فتداعت له الصور وهو يكتب عن نسوة ظلمن في زمن الرجل ، فالمرأة هنا هي (زهرة ) الأم المتفانية في تربية بناتها اللاتي تخلى عنهن والدهن سعيا وراء ملذاته الجنسية – وقد ذكرت هذه المعلومة بشكل موارب بعض الشيء - ورغم أنها أم لا تنشد أكثر من العيش بسلام ضمن مجتمع تعرفه إلا أن حياتها انقلبت رأساً على عقب ، بسبب حادثة قتل الزوج نتيجة فساده الأخلاقي على يد طالبي الثأر لشرفهم ، فطردت الزوجة وبناتها من المكان الذي لا يعرفن سواه ، بسبب العار الذي لحق بالعائلة كلها بعد فضيحة قتل الزاني كما لقبته القرية .

أما الشخصية النسائية الثانية فهي (هنادي) الإبنة البكر لأمينة ، وهي فتاة قتلتها سذاجتها بعد أن غرر بها شاب مدني ومتعلم أوهمها - أو أنها من أوهمت نفسها- بمصداقية مشاعره تجاهها... وقد شكلت شخصيتها وما ارتبط بها من أحداث ، فرعا مهما من فروع الرواية التي تصب جميعها في مجرى المرأة المضطهدة ، التي وإن ساهمت بجهلها في ذلك الاضطهاد شكلياً إلا أنها وقعت في بؤرة القمع منذ ولادتها القسرية ضمن ذلك المجتمع الذي يراها جانياً لا مجني عليه .
رغم أن حدث قتل هنادي يعد من أهم أحداث الرواية ، خاصة فيما يتعلق بفاعليته وأثره على الشخوص الأخرى والأحداث التي توالت بعد ذلك ، إلا أن (طه حسين) ولمنطقيته في التعامل مع حكاية لم يرد لها الإنتهاء بجريمة قتل فقد اتخذ شخصية أخرى ( آمنة ) لتكون بطلة لروايته ... تقود المركب بكيفية واحدة ونسق متجانس منذ بداية الرواية إلى نهايتها مع إعتمادها على تغيير وجهة السير أحيانا متكأة ضمنياً على حدث القتل كمفترق طرق يحدد وجهة سير المركب الروائي قبل وبعد ، باستخدام السرد كحل أدبي لهذا التنقل الذي أثر شكلاً وموضوعاً على طبيعة الشخصيات من جانب وطبيعة المكان – كعنصر مؤثر – من جانب آخر ، فعلى سبيل المثال بعد أن كانت شخصية (آمنة ) ساكنة أصبحت فاعلة بعد مقتل أختها ، وبعد أن غلفتنا أجواء الصحراء ( قرية بني وركان ) الممزوجة بالانكسار، إنتقلنا إلى أجواء المدينة المشبعة بمشاعر الحب والإنتقام والتي لم يرد اسمها في الرواية ، وبهذا يكون قد قدم لنا الكاتب الشخصية النسائية الثالثة ( آمنة ) والمرتبطة بالشخصيتين السابقتين ارتباطا وثيقا فعهدت مأساة أمها ( زهرة ) وكارثة أختها( هنادى ) لتتعاطف مع الأولى وتحزن على الثانية ، بل وتتجاوز ذلك الحزن فتصر على الإنتقام ممن شوه ملامح تلك الفتاة البريئة وأسقطها في هوة الخطيئة لتترك جثتها وجبة دسمة لحشرات القاع .

الخطأ ذكوري ...والعقاب أنثوي

جميع هؤلاء النسوة دفع بهن (طه حسين) في مواجهة مجتمع ذكوري ، فالرجل هو الأب الذي لم يكتف بالتخلى عن مسؤولية عائلته بل أنه ألحق العار بها ، والرجل الأخر هو الخال الذي أصر على طرد نسوة ضعاف إلى أن ينسى أهل القرية مأساة زوج أخته الزاني - وإن كنا هنا نلاحظ لا منطقية هذا التصرف الذي لا يقوم به البدو أو أهل الريف ، خاصة مع نساء لا رجل معهن- ، أما الشخصية الرجالية الفعالة الثالثة فتتمثل في ذلك الوحش الوسيم الذي تسبب في ضياع شرف (هنادي) ، وقتلها من قبل خالها الذي عاقبها على ذنب هو مشارك فيه .

في ظل هذه المواجهة الطاحنة بين جنسين آدميين لا ثالث لهما (المرأة / الرجل ) ، نلاحظ أن الروائي لم يغفل أركان المعادلة الأخرى حيث عمل على موازنة الطرفين بالعديد من الشخصيات النسائية والرجالية كشخصيات مساعدة في سير الأحداث من جانب كما هو الحال بالنسبة لكل من :-
1- شخصية شيخ العزبة الذي وفر العمل بالنسبة لزهرة وبناتها ، الأمر

الذي تسبب بعد ذلك في تطور أحداث الرواية .
2-شخصية (زنوبة) التي ألحقت آمنه للعمل لدى المهندس بناء على طلبها.

بالإضافة إلى دور بعض الشخصيات في التأثير على ملامح
الشخصيات الرئيسية ( كما أثرت شخصية خديجة في تغييرالصفات العامة لآمنه التي تحولت من فتاة ريفية جاهلة إلى فتاة واعية ومطلعة ) ، مع الأخذ بعين الإعتبار أن وجود الشخصيات المساعدة عمل على بيان طبيعة الشخصيات الرئيسية من خلال الإفصاح عن مكنونها من منطلق الصداقة ، (ونجد ذلك واضحا في شخصية زنوبة التي ارتبطت بها آمنه لفترة معينة ) .

كما أن تنوع الشخصيات أمر مهم جدا بالنسبة للقارئ الذي يجد متعة في تعاطيه مع مجتمع كامل بكل معطياته ، ورغم أن هذا التنوع لم يتحقق بشكل ثري في هذه الرواية إلا أنه ترك لمسة غنية خاصة حين نتنقل من منزل المأمور بطبيعته الراقية للبيت الذي اتخذته آمنه بديلا ً عن منزل المأمور، حيث نجد التباين في المستويين الاجتماعي والاقتصادي وبذلك تكون الحياة الواقعية – حينها – قد تحققت بجوانبها السيئة والجيدة .

الوعي السردي بلسان فتاة ريفية

اتخذ (طه حسين) من اسلوب الاسترجاع السردي وسيلة تعارف بين المتلقي وأبطال الرواية ، حيث بدأت الشخصية الرئيسية ( آمنه ) بالحديث عن ماضيها الذي أدى بها لهذا الحاضر المحير الواقع بين كفتي رحى رغبة الحب والإنتقام .

نبدأ في التعرف على بطلة روايتنا (آمنه) كفتاة ريفية تنتمي لاحدى القبائل البدوية ، تعمل في خدمة مهندس الري في إحدى مدن الأقاليم الصغيرة الواقعة على أطراف مدينة القاهرة ، لكنها وإن كانت ظاهرياً تنتمي لتلك الفئة العاملة البسيطة إلا أنها - وكما أراد طه حسين - تمتلك شخصية مختلفة أهلتها للتكفل بمهمة الراوي الواعي الذي صاحبنا طوال صفحات الرواية بالسرد المحايد أحياناً ...والمبرر أحيانا كثيرة.

ورغم أن الكاتب لم يستغن ِ عن لغته الغنية المنمقة ، إلا أنه استطاع بشكل أو بآخر التغلب على صوته الذي تلاشى بين كلمات بدت كأنها نتاج مأساة حقيقة كتبتها (آمنه) لا غيرها ...عزز من ذلك الملامح التي أسبغها( طه حسين ) على الشخصية مما ساهم في اضفاء هذا الإحساس على المتلقي في معظم صفحات الرواية ، فآمنة قارئة مثقفة تلقت كم من المعارف والخبرات نتيجة عملها في منزل المأمور لصيقة لابنته المتعلمة والتي كانت تلح في اشراكها في تلك الدائرة التى سرعان ما استهوتها ، فأصبحت (آمنه) تبحث عن الكتاب بل تتشمم رائحته التي قد تقودها إليه بكل سهولة رغبتها الملحة في الاطلاع ، فتستمتع بتصفح أوراقة بسرية تامة ( خاصة في فترة عملها لدى عائلة أخرى لها من الأبناء الدارسين في القاهرة ، الذين لا يستغنون عن كتبهم حين يقضون إجازتهم الدراسية ، وبفضلهم قد اطلعت آمنه لأول مرة على كتاب ألف ليلة وليلة ) .

هذا الملمح الذي جعلنا نقتنع باسلوبها وهي تروي مأساتها أو سيرة حياتها بلغة راقية ، وإن توقفنا لحظات أمام بعض الجمل البليغة جداً " أي حياة يموت فيها العقل أو يأخذه شيء كالموت "ص121 ، وفي وصفها لزواج المهندس بأنه خيانة منظمة " هو الآن ينظم الخيانة تنظيمًا " ص104 ، وفي موقع آخر وهي تصف تعامله معها " هذا الفتى يعرف حقاً كيف يكون شراء الرقيق "ص139 ، تلك الجمل وغيرها تحمل بين طياتها معان لا تصدر إلا عن وعي لا تمتلكه بالتأكيد فتاة بسيطة كآمنة ، وإن عانت في حياتها الكثير ، أو اطلعت وقرأت العديد من الروايات والكتب ، أو كما يحلو للبعض أن يحاجج في امكانية صدور مثل هذه الجمل عن آمنة ، كنتيجة طبيعية للغة المستخدمة آنذاك والتي تتميز بالبلاغة الشديدة ، إلا أن ذلك لا ينفي بشكل أو بآخر منطقية بقاء آمنه أسيرة ثقافة محدودة لا تقوى على الخوض في غمار الخبرة والفلسفة الحياتية بلغة لم يستطع طه حسين اخفاء صوته الجلي فيها ، والذي اخترق كل حرف من حروف تلك الجمل العميقة ، وقد تكون إحدى مآخذ الرواية وإن كانت لا تشكل خللا واضحاً فيها .

هنات دعاء الكروان الروائية

إضافة لوضوح صوت المؤلف والمعروف ( بالصوت الثالث) في بعض صفحات ( دعاء الكروان ) ، فإنه من أبرز الهنات التي وقعت بها الرواية ، هي عملية التهميش المتعمد من قبل المؤلف ، والذي طال به بعض الشخصيات والأمكنة .. مما ينفي التقارب الواقعي الذي لمسناه في التنوع في شخصيات الرواية .

لقد أصر الكاتب على تهميش بعض الأشياء من خلال التعميم في التعامل معها ، فمثلا بالنسبة للمدينة التي تجري فيها الأحداث ، مدينة مجهولة لا نملك عنها سوى معلومة بسيطة مفادها أنها احدى مدن الأقاليم ، وهكذا هو الحال بالنسبة للمدن أو القرى التي يأتي ذكرها على سبيل المرور بها أو الإقامة المؤقته خاصة في رحلة الأم وبناتها من قريتهن منبوذات أو العكس في عودتهن إلى المدينة بصحبة الخال .

أما بالنسبة لأسماء الشخصيات فعملية التعميم طالت بعضها ولعل أهمها هي شخصية المهندس الذي يلقب على لسان آمنه ( سيدي ) أو ( الباشمهندس )

هذا إضافة لشخصيات أخرى مثل ( البيه المأمور ) ، ( شيخ البلد ) وصاحب المنزل الذي عملت فيه آمنه بعد هجرها لمنزل المأمور ، حيث أن الرواية ركزت في الملامح العامة للشخصية فقط على لسان ( زنوبه ) : " من أصحاب الثراء واليسر (....) وستجدين عنده سعة ويسراً ، ودماثة في الخلق ، وتبسطا في المعاملة "ص118 .
ولم يكتف الكاتب بذلك بل أنه عمد إلى تمييزه بأعم الألقاب ( فلان ) ، ولم يكن حال أولاده المتعلمين أوالجهلة أوفر حظـًا من والدهم ، فلم نتعرف على إسما واحداً لأي منهم .

ندرك بالتأكيد أن كاتبـًا عريقـًا كعميد الأدب العربي ( د.طه حسين ) على وعي تام بهذه الملاحظات خاصة فيما يتعلق بشق التعميم ،لكنه- وكما أرجح - قد اتخذ بعض المحظورات الذاتية التي فرضها على قلمه للوصول إلى صيغة روائية لا مجال لإحالتها على أمكنة بعينها لتصل بعد ذلك لأشخاص بعينهم ... فقد يكون لهذه الرواية أصل حقيقي لا يرغب من خلاله الكاتب التعرض ولو بالتلميح لمشاعر الناس وأحاسيسهم ، خاصة وأن الموضوع يتعلق بقضية الشرف والكرامة !

دعاء الكروان .. الرواية = الفيلم

تحت وطأة الضرورة السينمائية قدم فيلم ( دعاء الكروان ) بعض الاختصارات التي بدت غير منطقية ، لكن هذه التعديلات الجزئية لم تـُخـِل بالرؤية السينمائية ومن قبلها الروائية ، حيث اتفق العملان على تقديم رؤية واحدة نتاج لايديولوجية واحدة مع بعض الملاحظات البسيطة التي انقذتها رومانسية الفيلم والاتقان التكنيكي الى حد ما ، الأمر الذي يجعلنا نتحسر بعض الشيء حين نشاهد عملا سينمائيا في القرن الواحد والعشرين ملئ بالأخطاء البدائية كما هو الحال مع بعض الأعمال السينمائية الجديدة .

أهم الفروقات ....

من خلال اللغة المستخدمة يحلو لنا الولوج إلى أهم الفروقات التي ميزت الرواية عن الفيلم السينمائي ، فكون الفيلم لا يمتلك المساحة الزمنية لقول كل ما يريد ، فقد عمل على تقليص بعض الجوانب الروائية كما ذكرنا فنجح في إعداد بعضها ، ولم يصل لصورة صحيحة لبعضها الآخر .

البلاغة سرًا .. والبساطة جهرًا

لم يشأ الفيلم التعامل مع (آمنه) كفتاة مثقفة بنفس المدى الذي تعامل فيه (طه حسين) معها ، حيث قام كاتب الحوار ( يوسف جوهر ) بتناول (آمنه) لغوياً بصورة توحي بثقافتها دون المجاهرة بها ...رغبة في تحقيق القبول المنطقي الأقرب للمتلقي العادي الذي لن يتقبل تلك البلاغة التي صيغت بها الرواية على لسان خادمة لم تعرف طريق المدارس ، خاصة وأن المساحة الزمنية للفيلم كما ذكرنا سابقا لن تسمح بتتبع الظروف المحيطة بآمنة والقراءات التي ألمت بها لتصل لهذه الدرجة من الوعي والمعرفة كما في رواية طه حسين- مما جعل الرواية أقرب لقبول هذه الفكرة أكثر من الفيلم السينمائي - ، الأمر الذي حدا بكاتب الحوار إلى التعامل مع قيمة المعرفة والعلم بالنسبة للبطلة كقيمة جانبية غير أساسية ، بل أن (جوهر) ذهب إلى أبعد من ذلك في تصوره للغة هذه الفتاة ، حيث صاغ حوارها بلهجة عامية أقرب للريف منها إلى البدو ( موطن آمنه الأصلي ) .

المسافة ..... خانت بركات

استغرق تنقل (آمنه) ووالدتها واختها من القرية إلى المدينة فترة ليست
بقصيرة مررن خلالها بالعديد من القرى " والخطوب تنتقل بهن من قرية إلى قرية ، ومن ضيعة إلى ضيعة ، يلقين بعض اللين هنا ، ويلقين بعض الشدة هناك "ص16 .
وهكذا بالنسبة لرحلة العودة إلى القرية برفقة الخال ، أو رحلة هروب آمنه إلى المدينة مرة أخرى ، لكن بركات على ما يبدو قرر اختصار المدة الزمنية ، فلم تسعفه نباهته في وجوب الاختصار بالنسبة لجميع الرحلات السابقة لتبدو المسافة واحدة ، بدلا ً من أن نفاجأ بآمنه تقطع المسافة إلى بيت (المأمور) بنصف يوم وهي مجهدة ، في حين عجزت أن تقطع المسافة ذاتها بصحبة والدتها وأختها دون المرور بعدة قرى واللجوء إلى الراحة في أكثر من مكان.
من خلال ما سبق تصبح رحلة الذهاب والإياب غير متجانسة في المسافة الزمنية للوصول إلى قرية تعيش في أطراف الريف كما هو مذكور في وصف ملامح قبيلة بني وركان " بدوية ريفية ، تقيم في قرية من هذه القرى المعلقة بهذه الهضاب لا يستقر أهلها فيها " وفي موقع آخر " ليتعلموا الاستقرار في الأرض والحياة في أطراف الريف (....) وهم يتقدمون نحو الأرض المتحضرة دائمــًا حتى يبلغوا حدود البادية أو حدود هذا الريف المتبدى " ص14.
نهاية فاعلة لفيلم مؤثر...

كما تتمثل الفروقات بالعديد من الجوانب الإخراجية الأخرى بدء باختصار شخصيات أو التركيز على شخصيات أخرى ، فعلى سبيل المثال لم يأت الفيلم على ذكر انتقال (آمنه) للعمل لدى العائلة الميسورة قبل العمل لدى المهندس ، وقد يعود هذا التغيير لقناعة الفيلم كما ذكرنا بعدم التركيز على الجانب الثقافي لآمنه والذي بدا جليـّا في هذا المنزل .
تطرقت الرواية على عجالة لذكر معلومة تخص المأمور على لسان
آمنه :" كلفتُ أن أصحب صبية من بنات المأمور " غير أن الفيلم عمل على اختصار بدا مجديـًا لشخصيات أخرى قد تكون مُرهقة انتاجيـًا من خلال الاستعانة بعدد من الكومبارس لمجرد إثبات هذه المعلومة .
عمد الفيلم أيضًا إلى نهاية أكثر فاعلية من نهاية الرواية التي قد تناسب القارئ ولا تناسب المشاهد ، الذي أهـّـل نفسه لأحداث متوالية ونهاية مرسومه لن يتكفل مشقة رسم خطوطها ...فالروائي يعلم تماما أنه يكتب لمجموعة مطلـّعة على أقل تقدير إن لم تكن مثقفة ، وعلى وعي تام بأن الحياة لا تقف عن حد معين يرسمه كاتب أو مخرج ...لذا نجد أن أغلب الروايات تترك نهاياتها مفتوحة لمنح مساحة من الخيال لمتلقيها من أجل الوصول إلى صيغة تتوافق مع عقلياتهم وأمزجتهم الخاصة ، وهذا ما تحقق في نهاية الرواية التي عبرت عن توحد الشخصيتين ( آمنه والمهندس ) بآلام واحدة وعاطفة متأججة جعلتهما يعيشان مأساة التشتت بين العاطفة والواجب دون اتخاذ قرار حاسم ، ليرسم القارئ نهايتهما بيديه .
أما بالنسبة لمتلقي الشاشة ( الفضية أو الذهبية ) فإن غالبيتهم من البسطاء الذين يدمنون على المشاهدة من أجل تعويض ما يعانونه في حياتهم اليومية ..فرجل الشارع ذو عقلية مقننة بنهايات معينة عادة ما تكون مفرحة تجعله ينام مطمئنا وسعيدًا ، قادرًا على تقبل الأيام القادمة برحابة صدر أكثر ...أو نهايات مأساوية تساعده على تطهير ذاته بالبكاء والألم ، ولكن بما أن بركات كمخرج يختلف عن سواه ، إضافة إلى أنه يقدم رواية لكاتب قهر العجز في زمن المسحيل ، فإنه وبمساهمات (يوسف جوهر) قرر المخرج أن يترك المشاهد يفكر في شخصية ( المهندس ) القاتل والمقتول ،
وشخصية آمنه العاشقة والمنتـقمة ، طارحًا العديد من التساؤلات التي قد تشكل جدلا لدى المشاهد العادي من خلال علاقات عاطفية تشابكت فانتجت مأساة عمقتها الموسيقى التصويرية لمصممها ( أندريه رايدر ) حيث اخترقت موسيقاه حواسنا منذ بداية الفيلم .

البناء لحسين ... والإقامة لجوهر وبركات

أما بالنسبة للسيناريو العام للفيلم الذي كتبه كل من المخرج ( بركات ) ، والكاتب ( يوسف جوهر ) فقد ساعدهما ( طه حسين ) في تحديد الخط الدرامي له ، فحين تعامل مع حكاية (آمنه) باسلوب الإسترجاع ..كان كمن يضع اللبنة الأولى لخطوات العملية السينمائية ، القائمة على التشويق والترقب ، وكما يبدو لنا عند مشاهدة الفيلم السينمائي ، فإننا أمام مخرج وسيناريست يتحليان بسمة الالتزام ، وما أعنيه هنا هو الإلتزام النابع من الاحساس بخطورة التغيير في النص الأصلي - وإن كنت شخصيًا أميل للتعامل بجدية فقط مع
الرؤية العامة التي لابد ألا تحيد عن فكر النص الأصلي ، واللعب على وتر الإعداد بحرية أكثر مع معطيات النص – إلا أن ما قام به بركات وجوهر يستحق الثناء والتقدير من قبل مؤيدي فكرة الالتزام بالعمل الأساسي وغالبيتهم من الكتاب طبعا ، خاصة وأن الفيلم لم يأخذ الرواية كعمل مسلم به يقدم بعلاته أو بروحه التي قد لا يقبلها المشاهد العادي ، وهذا بالفعل ما حدث بالنسبة للتعامل مع لغة (آمنه) كما وضحنا سابقـًا .

كما شكل التزام المخرج والكاتب بالنص الرئيسي - على صعيد آخر- ملاحظة مهمة جدا لكل من شاهد العمل السينمائي بعد قراءته للرواية ، حيث جعلنا الفيلم نلتقي بشخصيات حية ( بأسماءها ) ولا تختلف عن تلك التي رسمناها في مخيلتنا قبل مشاهدة الفيلم ، ورغم أهمية التميز المتوقع من مخرج كبركات في وضع خطوط تتقاطع مع المصدر الروائي ولا تتوازى معه ..إلا أن ذلك التوازي الذي سار عليه بركات شكل بصورة أو بأخرى إحدى علامات الفيلم البارزة ، حين حافظ على الروح العامة والخاصة للنص ... دون المساس بخصوصية الفيلم .

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.