الثلاثاء ٤ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٤
بقلم مريم التيجي

موعد قاتل..

نقص وزنها كثيرا، و تزايدت حدة آزماتها..كانت تشعر عند بداية كل أزمة انها لن تعيش بعدها..
حملها الجيران مرة أخرى الى قسم المستعجلات، بعد انتظار، بحثت في ارجاء الغرفة الباردة عن ذلك الطبيب الذي ابيض شعره..كان يمشي في الممر قبل قليل، تمنت أن يكون هو من يعاين حالتها هذه المرة..خابت أمنيتها عندما تقدم منها شاب صغير لا تعرف إلى أي سنة دراسية وصل، فقد تعودت منذ اشتداد أزماتها أن يحيط بها عدد من المتدربين ويتفقون على بضعة مسكنات قبل أن يكتبها أحدهم في تلك الورقة، و أحيانا يضعون لها انبوب الاوكسجين في أنفها، لتعود الى بيتها بعد ذلك..

هذه المرة اختلف الامر، طلب منها طبيبها الصغير أن تذهب صباحا الى المركز الصحي في حيها "باش تبع"..
حرصت الطبيبة في المركز الصحي أن تحافظ على مسافة أمتار بينها، و طرحت عليها بضعة أسئلة، ثم طلبت منها أن تذهب ل"سبيطار البويبة" لتجري فحوصات بالأشعة، وتعود بعد ذلك..

خرجت تستند الى الجدران، و تجلس بصعوبة كلما توقفت أنفاسها ، رآها أحد جيرانها، مد لها منديلا ورقيا لتمسح العرق الذي غطى صفحة وجهها الذابلة، تطوع ليوصلها الى البيت، ثم يذهب الى مركز الفحص ليأخذ لها موعدا..

لم يتأخر كثيرا، لكنه عاد أقل حماسة، تجنب ان ينظر الى عينيها وهو يخبرها أن موعدها بعد شهرين..
شكرته، وأخذت الورقة التي كتب عليها موعد الفحص، وضعتها جانبا، دست رأسها في غطائها، انسابت دمعة ساخنة..كانت تعرف أنها لن تعيش الى هذا التاريخ، لن تفلتها إحدى الازمات القريبة التي تزورها كل مساء..تدكرت أحبتها وجيرانها وودعتهم في سرها فيما انسابت دموعها بصمت ..

كان شهيقها حادا تلك الليلة، أيقض جارتها التي تحرص على ان تبقى قريبة منها حتى تلقنها الشهادة عندما تعتزم الرحيل..كانت تتألم أكثر من كل المرات السابقة، "لا يمكن أن نتقرج عليها وهي تنتفض مثل ديك ذبيح..اطلبوا الاسعاف بسرعة..ايقظوا جارنا في المنزل المقابل ليقلها بسيارته الى المستشفى.." كانت تسمع اصواتهم التي ظلت تتلاشى وتبتعد ..
بسرعة، اختطفها طبيب المناوبة، حملها كطفلة بين دراعية، و سار بها الى قسم العناية المركزة، طلب النجدة من زملائه وهو يغيب خلف الممر البارد..مر زمن لم يستطع أحد ممن رافقها أن يقدره، عاد اليهم وهو يحتج "لم تركتموها الى ان وصلت الى هذا الحد..؟

ناوله جارها الطيب كيسا بلاستيكيا أبيض مليء بالاوراق "لقد كنا نأتي بها باستمرار الى قسم المتستعجلات، اليوم دهبت الى مستشفى الحي، واعطوها موعدا لاجراء الفحوصات..

لاذ الطبيب بالصمت وهو يقلب الاوراق، ظهرت عليه علامات الغضب وهو يلملمها ويعود الى الداخل..رمى بها أمام زميله وهو يقاوم رغبة في البكاء، صرخ وهو يتأمل وجهها من خلف الزجاج "ضحية أخرى قد تموت بلا سبب معقول، عليهم أن يضيفوا الى أسباب الموت في بلادنا مواعيد المستشفيات..الدواء الذي كان يمكن أن يشفيها يرمى جزء من مخزونه سنويا بعد أن تنتهي مدة صلاحيته..الدواء يفسد ويرمى بعد شرائه بمبالغ طائلة، و الناس تموت قبل أن تصل اليه..."

عم سكون مرتعب، فيما كانت تقاوم لترى شمس الصباح...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى