الأربعاء ٤ شباط (فبراير) ٢٠١٥
بقلم غزالة الزهراء

على الهامش

الشارع يتلقف نورية بين فكيه العملاقين ليضيفها إلى لائحة المغبونين والمغبونات، هذه الشريحة المهمشة من الآدميين أخفقت تماما في إيجاد الحلول الملائمة، فرت بجلدها من جحيم المعاناة إلى ما هو أنكى وأمر.

تنقل نورية خطواتها المرهقة من زقاق إلى زقاق باحثة عن لقمة نظيفة تسد رمقها، وعن غرفة ماء باردة تطفئ بها لهيب الظمأ، بعض المتشردين منبثين هنا وهناك كالفطر المميت، زجت بهم الظروف القاهرة في سرداب الوجع، لا مأوى لهم، ولا سند يعينهم على عبور المشوار.
أضناها المشي العسير، هد قواها، أسندت ظهرها إلى جدار قديم قد تآكلت جوانبه لتلتقط أنفاسها، الجوع يعضها بأنيابه الحادة، يمزق أمعاءها، إنها تذوي مع مرور الوقت اللعين، ووزنها يتناقص بشدة، لا قدرة لها على تحمل المزيد.

عمارة حديثة العهد تقابلها في الطرف الآخر، تحركت ببطء نحوها علها تعثر على ضالتها المنشودة، صعدت السلم وهي تطرق بابا تلو باب.
ـــ أريد عملا سيدتي، وأكون لك الخادمة المطيعة دائما.
ـــ إنك متقدمة في السن، غير صالحة.
ـــ جربيني، وسترين.
ـــ لا، لن أفعل، لا تصلحين.
هبطت السلالم محبطة، مشوشة الذهن، روائح الأطعمة المنعشة تتسلل إلى خياشيمها قوية نفاذة، يسيل لعابها، الجوع تتضاعف عضاته المسعورة، يغزوها الوهن، تتهالك على الأرض، تبسط يدها الراجفة ولسانها يتضرع بتأثر زائد: صدقة لله يا محسنين، صدقة لله يا محسنين.

غالبية المارة تعودوا على هذا السيناريو الممل، لا يكترثون بها لأن المتسولين يتفاقم عددهم يوما بعد يوم.
هذه الظاهرة الملفتة للنظر شوهت وجه المدينة الصبوح، وأثرت سلبا على كيان مجتمع متحضر.
تقدمت منها شابة في ثياب متسخة مهلهلة، صرخت بصوت حاد مكشرة عن أنيابها البارزة كدب قطبي مفترس: هذا موقعي الذي اعتدت عليه منذ فترة بعيدة، انصرفي من هنا وإلا سأهشم رأسك.

بصعوبة ترتفع كتلة اللحم عن الأرض، ثم تشق لنفسها دربا آخر عساها تظفر برحمة العباد، وكذا سخاء الأيدي الأشد نظافة.
طيلة يوم واحد جادت عليها النفوس الرحيمة بخمسة دنانير، خمسة دنانير غير كافية لسد قرقرة أمعائها، ماذا تفعل؟ لا شيء تفعله ما عدا الانتظار.
اعترض سبيلها صعلوك من الصعاليك، عيناه المشويتان بالوجع فقدتا بريقهما المتألق، وغارتا عميقا أكثر مما ينبغي، وشعره بلون الفحم اجتاحته زوبعة هائجة من الغبار.
ـــ أعطيني ما عندك.
ـــ ليس في حوزتي شيء ما عدا هذه الخبزة جاد علي بها رجل شفوق، سنقتسمها معا بالتساوي، أظن أن الطوى نال منك مثلما نال مني.
اغتصب منها الخبزة عنوة، وأطلق لساقيه العنان، إنه لفوز عظيم حققه، هذا ما كان يشعر به على غرار الأيام الأخرى.

يسحب المساء وشاحه الساخن شيئا فشيئا، ينبثق الظلام في جلبابه الأسود، ويرين على المدينة كلها.
المسكينة تتكور على نفسها خوفا من المتشردين أن يلحقوا بها ضررا جسيما، إنهم هناك في ذلك المكان المقابل يفترشون الأرض، ويلتحفون السماء، يصرفون وقتهم في استنشاق تلك المادة السامة، فجأة يقفزون من أماكنهم، يتبعثرون، ويفرون في اتجاهات مختلفة، عناصر الشرطة تطاردهم من مكان إلى مكان، هدفهم الوحيد تطهير شرايين المجتمع مما هو فتاك وقاتل.

قيل عن نورية أنها ترملت منذ زمن، لا أولاد لها، زوجها توفي إثر سكتة قلبية حادة، صاحب البيت طردها لأنها عجزت على تسديد الديون.
لم تتحمل البقاء في شوارع المدينة بل اختارت دار العجزة مأواها الأخير.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى