الأحد ١٥ شباط (فبراير) ٢٠١٥
عدد ممتاز من
بقلم إبتسام محمود

مجلة القانون الدولي والعلاقات الدولية

صدر المجلد العاشر من مجلة القانون الدولي والعلاقات الدولية ، وهي مجلة علمية محكمة تصدر سنويا عن كلية القانون ومدرسة مونك للشؤون الدولية في جامعة تورنتو. تضمن هذا الإصدار عددا من الأبحاث المهمة وملفا خاصا يحتوي على عدد من الدراسات المتميزة التي قُدمت إلى المؤتمر الدولي الأول عن الفظائع الجنسية التي ارتكبت خلال الحرب الأخيرة في ليبيا وكذلك الحرب الدائرة رحاها حاليا في سورية تحت عنوان: ”العنف الجنسي خلال النزاعات الأخيرة في ليبيا وسورية: تحديات حماية الضحايا وملاحقة المعتدين”.(1) عقد هذا المؤتمر في الثامن من شباط/فبراير 2013 في كلية القانون بجامعة تورنتو بمشاركة نخبة من أساتذة القانون الدولي، والناشطين الحقوقيين، والإعلاميين، والعاملين في سلك القضاء الكندي والدولي.

تصدر هذا الملف بحث معمق للدكتور حلمي الزواتي، الفقيه القانوني الدولي، داعية حقوق الإنسان، ورئيس اللجنة الدولية للدفاع عن ضحايا العنف الجنسي خلال النزاعات المسلحة، ومؤلف كتاب:

تناول الدكتور الزواتي في بحثه المعنون:

التحديات التي تواجه العدالة الانتقالية في ليبيا لملاحقة ومحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم جنسية في الحرب الأهلية الليبية الأخيرة. وبعد مقدمة توضيحية، ناقش المؤلف الجرائم الجنسية والعدالة الانتقالية الليبية تحت بندين رئيسين: الأول، العنف الجنسي كسلاح في الحرب، منوها بعدد من الجرائم المرتكبة ضد النساء والرجال الليبين، وكذلك التحديات الاجتماعية والصحية التي تواجه الضحايا. وفي هذا السياق، أكد الباحث على أن الجرائم الجنسية قد ارتكبت من قبل طرفي النزاع: كتائب القذافي ومليشيات الثوار: ارتكبت كتائب القذافي الاغتصاب كسلاح سياسي في المعركة ضد المدنيين في المدن الثائرة، وخاصة مصراته وأجدابيا والزاوية، وذلك لتمزيق البنية الأساسية للمجتمع الليبي المعارض، كما استخدمه الثوار بنسبة أقل كنوع من أنواع الثأر خلال الحرب، ولانتزاع المعلومات ممن ألقي القبض عليهم من مقاتلي القذافي ومواليه.

وتناول البند الثاني مشروع ليبيا للعدالة الانتقالية وبناء الثقة والسلم المدني والاجتماعي، حيث ناقش الدكتور الزواتي الاغتصاب تحت القانونين الانتقالي والجنائي الليبي، مبينا التزامات الحكومة الليبية تحت القانون المحلي ومبادئ القانون الدولي والمواثيق الدولية التي وقعتها ليبيا سابقا في جلب المتهمين للعدالة. ثم انتقل الباحث لتحديد أربعة معوقات رئيسة لملاحقة المتهمين بارتكاب هذه الجرائم تحت العدالة الجنائية الليبية، وهي: ظاهرة الفرار من العقاب وضعف القانون، والمواجهة بين القانون الليبي وسطوة الجماعات المسلحة، وانعدام الأمن والسلم العام، وأخيرا انعدام المؤسسات الديمقراطية. وفي مواجهة هذه التحديات قدم الدكتور الزواتي ثلاث آليات لا بد منها لتحقيق العدالة للضحايا وللمتهمين على السواء: الآلية الأولى تكمن في الشروع الفوري في القيام بإصلاح المنظومة القضائية الليبية بما يضمن تعديل القانون الجنائي الليبي وإدخال الجرائم الدولية الواردة في ميثاق المحكمة الجنائية الدولية إليه، مما يؤهله للنظر في جرائم العنف الجنسي خلال الحرب الأهلية الأخيرة، وكذلك تدريب العاملين في السلك القضائي الليبي من قضاة ومدعين عامين ومحققين وفنيين. والآلية الثانية بناء عدالة انتقالية قادرة على التعامل مع جرائم العنف الجنسي من خلال عقد لجان مصالحة. وأخيرا وضع آليات مساءلة لمحاسبة المسؤولين عن ارتكاب هذه الجرائم الفظيعة.

وبعد مناقشة مستفيضة للقانون الجنائي الليبي والقوانين الانتقالية الليبية خلص الدكتور الزواتي إلى أن نظام العدالة الليبي الحالي غير مؤهل لإنصاف الضحايا وتوفير محاكمات عادلة للمتهمين بارتكاب هذه الجرائم الشنيعة، حيث لم يقم المشرع الليبي حتى الآن بإدخال الجرائم الدولية الواردة في ميثاق روما الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية في القانون الجنائي الليبي. كما أن المادة الرابعة من القانون رقم 38 الذي صدر خلال الفترة الانتقالية، والذي يعفي الثوار من أية مسؤولية جنائية عما ارتكبوه من جرائم خلال الحرب أو بعدها، لا يساهم أبدا في تحقيق العدالة الجنائية في ليبيا، وسيترك لذوي الضحايا أخذ حقوقهم بأيديهم مما يقوض الأمنين السلمي والاجتماعي في ليبيا، ويدخلها في فوضى عارمة.

وأنهى الدكتور الزواتي حديثه بالتوجه الى الحكومة الليبية الانتقالية بضرورة لجم مليشيات الثوار ودمجهم في الجيش الوطني الليبي، وإغلاق مراكز الاعتقال التي يديرونها والتي لا تتوفر فيها أدنى حدود التعامل الإنساني مع المعتقلين، وكذلك تأسيس دولة القانون بإلغاء المادة الرابعة من القانون رقم 38، وبالقضاء على ظاهرة الفرار من العقاب، وتحقيق المصالحة الاجتماعية بين كل مكونات الشعب الليبي وقبائله. وفي غياب العدالة الوطنية الفاعلة وفشل المحكمة الجنائية الدولية في جلب المتهمين للعدالة لغياب الإرادة السياسية الدولية، اقترح الدكتور الزواتي إنشاء محكمة ليبية خاصة مختلطة على غرار محكمتي سيراليون وكامبوديا لمحاكمة الضالعين في جرائم الحرب من الطرفين.

البحث الثاني قدمه الدكتور جون هغان ، أستاذ علم الاجتماع القانوني في كلية علم الاجتماع في جامعة نورث وست الأمريكية، والدكتورة جامي روون ، الأستاذ المساعد في مركز علم الجريمة والدراسات الاجتماعية القانونية، جامعة تورنتو، بعنوان:
(3) بدأ الباحثان هذه الورقة بتقديم لمحة عامة عمّا يعرفانه عن العنف الجنسي في سوريا وليبيا، مؤكدين محدودية المعلومات المتوفرة في هذا الخصوص، ومدركين التحديات التي تواجهها المنظمات الإنسانية في جمع وتحليل تلك المعلومات. بعد ذلك ناقشا ثلاث طرق للتفكير في الكيفية التي يمكن أن تستخدم البحث المسحي، بالاعتماد على أمثلة من دراسات المسح المستخدمة لتقويم أسباب وعواقب العنف الجنسي. كما ركزا على الأبحاث العلمية المتعلقة بالصحة العامة والتي تسهم في تقديم معلومات هامة عن كيفية تقويم أسباب العنف.

ثم قدما بعد ذلك عدة أمثلة عن كيفية تحليل علماء الاجتماع للبيانات المتوفرة معتمدين على الأساليب الإحصائية من أجل تأطير العنف باعتباره جريمة دولية. وأخيرا، ناقش الباحثان التحدي المحتمل لاستخدام التحليل الإحصائي في الملاحقات القضائية الدولية. وخلصا إلى التأكيد على الحاجة المستمرة لزيادة الحوار بين المدافعين عن حقوق الضحايا والعلماء والفقهاء حول أنواع المعلومات التي يمكن ويجب استخدامها لضمان المساءلة القانونية عن العنف الجنسي في ليبيا وسوريا. كما أكدا على أن التفاهم المتبادل يمكن أن يساعد في تعزيز الجهود الرامية إلى وقف أو منع أو معالجة العنف الجنسي خلال الحرب، سواء من خلال الملاحقة الدولية أو بعض الوسائل الأخرى.
وقدمت الورقة الثالثة والأخيرة الدكتورة فاليري أوسترفيلد ) ، أستاذ القانون الدولي المشارك، والعميد المساعد للشؤون الأكاديمية والإدارية في كلية القانون في جامعة وستيرن أونتاريو. كما تعمل أيضا مديرة بالنيابة لمركز للعدالة الانتقالية وإعادة الإعمار في الجامعة نفسها، وهي كذلك من أهم فقهاء القانون الجنائي الدولي المتخصصين في جرائم العنف الجنسي خلال النزاعات المسلحة.

تناولت الدكتورة أوسترفيلد في ورقتها المعنونة:
4 - العنف الجنسي الموجه ضد الرجال والفتيان في الصراعات المسلحة. يناقش هذا البحث الفهم الحالي للعنف الجنسي ضد الرجال والفتيان كجريمة ضد الإنسانية أو كجريمة حرب في إطار القانون الجنائي الدولي. يبدأ هذا التحليل بفحص كيفية معالجة المحاكم الجنائية الدولية للعنف الجنسي الموجه ضد الذكور حتى هذا التأريخ مكتشفا أن هذه المحاكم لم تتعامل مع هذا النوع من الجرائم على قدم المساواة مع الجرائم الأخرى. ثم ينتقل البحث إلى تحديد الفجوات الرئيسة الثلاث التي يتعين معالجتها من أجل تحسين قدرة المحاكم الجنائية الدولية، وكذلك المحاكم المحلية، على ملاحقة الجرائم الدولية والتصدي لهذا النوع من العنف الجنسي. الفجوة الأولى هي فجوة في المعلومات. هناك ندرة بصورة منهجية في البيانات التي تخص العنف الجنسي الموجهة ضد الرجال والأولاد في النزاعات المسلحة. والنتيجة هي أن نسبة ما يعرف عن مدى انتشار هذا النوع من العنف قليلة، وبالتالي فإن الاهتمام بها قليل ولا يتناسب مع فداحتها.

الفجوة الثانية، يمكن أن يشار لها بالفجوة الاجتماعية، حيث لا يشعر الرجال والفتيان بالقدرة على التحدث عن تجاربهم، وإذا فعلوا ذلك، قد لا يصفون أنفسهم كضحايا للعنف الجنسي. وباﻹضافة إلى ذلك، فإن المحققين الدوليين والمدعين العامين ومحامي الدفاع والقضاة قد يجدون صعوبة في الاعتراف بالعنف الجنسي الموجه ضد الرجل، سواء بسبب افتراضات معينة من أن النساء والفتيات فقط هن ضحايا هذا النوع من العنف، أو الافتقار إلى التدريب، أو الافتراض بأن بعض أشكال هذا العنف، مثل الختان القسري، والاخصاء، وبتر الأعضاء التناسلية أو التشويه الجنسي، يجدر تصنيفها كنوع من التعذيب، أوالأعمال غيرالإنسانية أو المعاملة القاسية، فضلا عن توصيفها كجرائم جنسية.

الفجوة الثالثة هي ثغرة قانونية ذات شقين: فجوة في الاعتراف العلني وفجوة في التصنيف. وفي حين تم تعريف الاغتصاب في القانون الجنائي الدولي بطريقة محايدة، هناك أعمال أخرى من العنف الجنسي ضد الرجال والفتيان لم يذكر اسمها صراحة. إن الافتقار إلى الاعتراف العلني بهذه الجرائم قد يقود إلى إشكالية ملاحقة فاعليها تحت عناوين أخرى فضفاضة وأقل توصيفا. وعندما يتم دمجها مع الفجوة الاجتماعية، يمكن أن تؤدي إلى سوء في التوصيف، متل اعتبارها كنوع من التعذيب أو المعاملة القاسية أو الأفعال غير الإنسانية، وبالتالي التعتيم على الجوانب الجنسية للأضرار التي لحقت بالضحايا.

وخلصت الدكتورة أوسترفيلد في بحثها إلى أن القانون الجنائي الدولي لا يزال في مرحلة مبكرة جداً في فهمه للعنف الجنسي الموجه ضد الرجال والفتيان أثناء الصراعات المسلحة. وهذا يفسر النهج غير المتناسقة في فهم هذه المسألة داخل المحاكم الجنائية الدولية والمحاكم التي تميل إلى طمس الطبيعة الجنسية للعنف. وبعد تحليل مستفيض لكيفية معالجة هذا النوع من الجرائم من قبل المحاكم الجنائية الخاصة بكل من يوغسلافيا السابقة، رواندا، سيراليون، كمبوديا، وكذلك المحكمة الجنائية الدولية، فإن هذه الدراسة تؤكد على أن المحكمة الجنائية الدولية قادرة على ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم قضائيا، سيما أن حالة ليبيا قد أحيلت إلى مدعي عام المحكمة من قبل مجلس الأمن الدولي بموجب القرار 1970 (2011)، وبذلك تكون المحكمة قد أرست سابقة دولية في معالجة هذا النوع من الجرائم، وهكذا يسهل معالجة الجرائم المماثلة في الحالة السورية، سواء أمام المحاكم الجنائية الدولية أم المحاكم المحلية التي تتمتع بصلاحية النظر في الجرائم الدولية.

إن من الواجب عدم التغاضي عن جرائم العنف الجنسي الموجهة ضد الرجال والفتيان في إطار القانون الجنائي الدولي. كما ينبغي على علماء الاجتماع وصناع السياسة ودعاة حقوق الإنسان العمل على زيادة فهمهم لبعضهم البعض، وخاصة فهم منهج كل منهم في جمع وتحليل المعلومات المتعلقة بهذه الجرائم. إن التفاهم المتبادل بين هؤلاء الأطراف يساعد في تعزيز الجهود الرامية إلى وقف أو منع أو معالجة هذا النوع من العنف، سواء من خلال المقاضاة أمام المحاكم الجنائية الدولية أو من خلال بعض الوسائل الأخرى.


(*) أمينة مكتبة، مركز جامعة مكجيل الصحي، مونتريال، كندا. عملت سابقا أمينة مكتبة في المركز الدولي لحقوق الإنسان والتطور الديمقراطي التابع للبرلمان الكندي. باحثة، ومترجمة، وناشطة حقوقية معنية بشؤون المرأة خلال النزاعات المسلحة. حصلت عام 2004 على جائزة Adèle Mellen الأمريكية للبحث العلمي المتميز عن كتابها:
A Selected Socio-Legal Bibliography on Ethnic Cleansing, Wartime Rape and Genocide in the Former Yugoslavia and Rwanda (Lewiston, N. Y.: The Edwin Mellen Press, 2004). .(بالاشتراك)

(1) لمزيد من المعلومات، يمكن الاطلاع على وثائق المؤتمرعلى هذا الرابط::
Sexual Violence in the Recent Conflicts in Libya & Syria: Challenges to Protecting Victims & Protecting Accountability
http://ihrp.law.utoronto.ca/events/sexual-violence-recent-conflicts-libya-syria

(2) بالإضافة إلى ورقته التي قدمها للمؤتمر، نشرت المجلة أيضا للدكتور الزواتي في هذا العدد مراجعة تحليلية لكتاب عن مفهوم الاغتصاب والقانون الدولي. أنظر:
- Hilmi M. Zawati, “Review Essay of Rethinking Rape Law: International and Comparative Perspectives,” pp. 31-43. http://www.jilir.org/docs/issues/volume_10/10_4_ZAWATI_FINAL.pdf

Hilmi M. Zawati, The Challenge of Prosecuting Conflict-Related Gender-Based Crimes under Libyan Transitional Justice, pp. 44-91.
http://www.jilir.org/docs/issues/volume_10/10_5_ZAWATI_FINAL.pdf

(3) أنظر ورقة الدكتورة جامي روون والدكتور جون هغان:
- Jamie Rowen & John Hagan, Using Social Sciences to Frame International Crimes, pp. 92-106.
http://www.jilir.org/docs/issues/volume_10/10_6_ROWEN_HAGAN_FINAL.pdf

(4) أنظر ورقة الدكتورة فاليري أوسترفيلد:
- Valerie Oosterveld, Sexual Violence Directed against Men and Boys in Armed Conflict or Mass Atrocity: Addressing a Gendered Harm in International Criminal Tribunals, pp. 107-128.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى