صلاح نيازي

، بقلم جمانة القروي

ولد عام1935 بمدينة الناصرية جنوبيّ العراق. إنّها تجاور "مدينة أور" وهي من أقدم وأعرق المدن في التاريخ والتي ما تزال أثارها باقية لحد الآن، شاهدة على تاريخها التليد.

هنا في هذه المدينة، اكمل المرحلتين الدراسيتين الابتدائية والمتوسطة.. وفي هذه المدينة بدأت مرحلة التكوين الأدبي بالنسبة له، حيث كان شغوفا إلى أبعد الحدود بالشعر العربي الكلاسيكي. عن هذه المرحلة يقول الشاعر صلاح نيازي:" كنت تحت طائلة مفهوم غريب كان سائداً آنذاك في المدينة، وربما في عموم العراق. هو أن الشاعر إذا أراد أن يكون شاعراً ذا بال فلا بدّ له أن يحفظ عن ظهر قلب أكبر كميّة من الشعر. نما إلى علمي في تلك الفترة المبكرة أن " الشاعر عبد المحسن الكاظمي" كان يحفظ 13 ألف بيت شعر وعمره أثنا عشر عاما ، ثم قرأت أن أبا نواس كانت له حافظة غربية جدا في الشعر ، حيث كان يحفظ 20 ألف بيت من شعر النساء فقط، فمل بالك بشعر الرجال، كما سمعت أن الجواهري حفظ مرّة في يوم واحد 400 بيت. هذه الروايات وغيرها دفعتني إلى حفظ أبيات لا حصر لها من الشعر حتى دون فهم معانيها ، ولم يخطر ببالي آنذاك أن للنثر قيمة أدبية أيضا .."

في بداية مرحلة الدراسة الثانوية انتقل الدكتور صلاح نيازي إلى بغداد حيث اكمل دراسته الثانوية هناك، والتحق بدار المعلمين العالية، التي تخرج منها قبله كلّ من نازك الملائكة وبدر شاكر السيّاب وعبد الوهاب البياتي. استمر في كتابة الشعر الكلاسيكي إلا انه في أوائل الخمسينات قرأ لبدر شاكر السياب ونازك الملائكة قصائد من شعر التفعيلة. عن هذه الفترة يقول الدكتور صلاح " بدأت بتقليد السياب مبنىً ومعنى، وبتأثيره دشّنتُ كتابة شعر التفعيلة. كانت عاداتي الثقافية ببغداد هي هي كما كانت بالناصرية مقتصرة على الشعر.كان طموحي أن أقرأ كلّ ما يتيسر لي من دواوين" .. هنا توقف قليلا ليستجمع أفكاره ويكمل حديثه " في أوائل الخمسينات بدأت قيمة النثر الحقيقة تظهر في المجتمع العراقي، وعلى الأخص الرواية والقصّة القصيرة.معها وفدت علينا الترجمات العالمية. قرأت أسوة بغيري روايات مترجمة وشعرت أن الرواية الروسية أقرب إلى النفس.أمّا قصص مكسيم غوركي أو تشيخوف، فتصورتها معجزات أدبية. بذلك تطورت وتوسعت ثقافتنا النثرية سيما بعد ظهور كتّاب قصة في العراق من أمثال عبد الملك نوري ". بعد تخرجه من دار المعلمين العالية عمل الشاعر صلاح في الإذاعة العراقية كمقدم ومعدّ لبرامج ثقافية عديدة ، ثم لاحقا في التلفزيون عام 1954 حيث كان من المذيعين الأوائل فيه، إلا انه فُصل من وظيفته عام 1956غبّ العدوان الثلاثي على مصر. بعد ثورة تموز 1958 عاد مرة أخرى إلى مبنى الإذاعة ليس كمذيع إنما كنائب لرئيس قسم الأحاديث. تولى لاحقاً رئاسة القسم نفسه، ثم التحق بدورة ضبّاط الاحتياط. عند انتهائه من الدورة كان المفروض أن يعود إلى وظيفته في الإذاعة إلاّ أنه منع حتى من الدخول إلى مبنى الإذاعة. تعرض للاعتقال في انقلاب شباط الأسود عام 1963 ولولا عناية القدر وحدوث معجزة لما نجا من موت محقق ..

في نفس العام رحل إلى لندن .. تاركا وراءه زوجته وابنته الصغيرة .. في كتابه غصن مطعم بشجرة غريبة ، يصور بلغة عميقة ، وأسلوب مشوق، حجم المأساة والمعاناة التي عاشها في غربته، وتجربته الغنية، وكيف تغلب على كل المعوقات التي جابهته هناك. عن رحلته إلى لندن يقول " كانت أمنيتي الوحيدة لا الوصول إلى لندن، لا العيش فيها، ولكن الموت في مكان آخر ، الموت بإرادتي، أردت أن أحس اللذة السوداء في الوفاة .. أردت أن اختار نوع موتي، كما اختار السهر وردي موته.. كان أشق شئ علي أن يشفي قاتلي غليله، أن أموت تحت قدميه وآلات تعذيبه مهاناً مذلاً، أمنيتي أن أحرمه من إشباع حقده.. غمرتني النشوة ثانيةً حينما تفتحت أمامي أوربا خضراء شاسعة. إذن – قلت لنفسي- هذه أوربا وكلها قبر لي، ومرة واحدة شعرت بلذة الانتصار، كمن يخاف المشنقة فيتلذذ بقرص للموت.. الآن أستطيع أن اقرر مصيري في أي لحظة. أصبحت إرادة موتي بيدي، وهو ما لا أريد لأحد أن يفرضه عليّ بالتجويع والتعذيب والإذلال. قررت أن لا ألتفت إلى الوراء بعد اليوم "... وهذا ما تمّ فعلاً حيث انه اكمل دراسته الجامعية العليا وحاز على درجة الدكتوراه ثم اصدر مجلة الاغتراب الأدبي في لندن وكان يرأس تحريرها لمدة سبعة عشر عاما.

عن لندن وحياته فيها يتحدث ووجهه يكتسي بتعابير مختلفة. حتى الابتسامة التي كانت ترتسم على محياه كانت تختلف بين لحظة وأخرى، فمرة ابتسامة حزن .. ومرة ابتسامة فرح .. وثالثة لإخفاء ما لا يريد الإفصاح عنه ..!! "لقد انتقلت من حضارة إلى أخرى ، ومن بيئة إلى بيئة وبالتالي من ثقافة إلى ثقافة، كان يتوجب علي َأن أتعلم اللغة الإنكليزية، لذلك لجأت إلى قراءة النثر باللغة الإنكليزية ، فالنثر يعلم اللغة اليومية في التعامل أما الشعر فانه يهندس اللغة أو أنه جانبها التجريدي.لكن لعجبي وربما لأوّل مرة في حياتي بدأت أحب النثر، تركيبه الدقيقة وإيقاعه الجميل .شعرت بتلذذ غريب. النثر الإنكليزي متطور جدّا حتى على حساب الشعر. عن طريق حبّي العميق للنثر الإنكليزي، عدت إلى قراءة النثر العربي، وسرعان ما تكشفت لي روائع كنت غافلاً عنها.

يمكن القول إن ثقافتي الأولى ابتدأت شعرية أي صحراوية، بينما الآن أصبحت نثرية أي عباسية.باتت صلتي بالثقافة العباسية صلة بالنثر أيْ صلة بأبي حيان التوحيدي، بالجاحظ .. وابن المقفع . لذلك يعتبر الانتقال من بغداد إلى لندن بمثابة الانتقال من الشعر إلى النثر ".. ويستمر الدكتور صلاح نيازي بالحديث عن مرحلة لندن ، وهو يفرك صدغه بين حين وأخر .. " كانت سبل العودة إلى العراق مقطوعة تماما، كنت حينها أعيش مأساة شخصية رهيبة. أصبح معها الرجوع إلى الوطن أشبه بالمستحيل. إذن لا بدّ مما ليس منه بدّ. قلت لأطور نفسي، لأكنْ أنسانا آخر، أو إنساناً يتعايش مع البيئة الجديدة، ما أمكن. حتى إذا كتبت لي العودة فلن أعود إلى بلدي بنفس المواصفات السابقة ، لذلك رميت نفسي بكل ما أملك من طاقة في حضن الثقافة إياً كانت سواء موسيقية أم مسرحية أم فنوناً تشكيلية ، وبذلك تنوعت اهتماماتي، وازداد فضولي.كنت كرمل الصحراء أتشرب كل الماء وأشعر بجفاف. ، كلما قرأت كتاباً ازداد علمي بجهلي. كانت ثقافتي التي لقّنتها بالعراق خاطئة في صميمها. هي أشبه ما تكون بثقافة عكاظية منها إلى الثقافة التحليلية المختبرية. قد لا تصدّقين أنني إلى الآن كلما قرأت أكثر شعرت بفراغ اكبر...

لم تقتصر مؤلفات الدكتور صلاح نيازي على الترجمة والشعر فحسب إنما تعداها إلى الخوض في تجربة النقد الأدبي.. عن هذا الموضوع يحدثنا قائلا " همي الوحيد من عملية النقد هو الابتعاد عن النظريات والتنظير والتركيز بشكل أساسي على النص. دراسة النص تعتمد بالدرجة الأولى على فهم تقنياته، ومن خلال ذلك اكتشفت أن هناك شيئين مفقودين في النقد العربي وهما الحواس وكيفية استعمالها في نص ما، بالإضافة إلى المنظورية .. بمعنى من أي زاوية ينظر للنص..عندها يسهل أو هكذا أتصوّر، فهم أسراره ويصبح اكثر وضوحا..

صدر للدكتور صلاح نيازي عام 1962 في بغداد أول ديوان شعر باسم " كابوس في فضة الشمس" وهو عبارة عن قصيدة طويلة واحدة ، ذكرها الناقد " عبد الجبار عباس" في مجلة الكلمة، فقال:" إنّ هناك عملين شعريين كبيرين .. هما قصيدة المومس العمياء لبدر شاكر السياب .. وقصيدة كابوس في فضّة الشمس لصلاح نيازي " .. ثم توالت الدواوين الشعرية .. فصدر له " الهجرة إلى الداخل " بغداد عام 1977 .. " نحن" بغداد عام 1979.." المفكر (ط3)" القاهرة .. "الصهيل المعلب" لندن عام 1988.. "وهم الأسماء " لندن عام 1996 .. ثم " أربع قصائد" لندن عام 2003..أما ديوانه الأخير والذي يتكون من قصيدة واحدة فهو" أبن زريق وما شابه" عام 2004 ..
كما صدر له كتاب " المختار من أدب العراقيين المغتربين الجزء الأول- المقالة وضمّ واحدا وعشرين أديباً مغترباً.

لديه الآن مخطوطتان جاهزتان للطبع، هما:

1- ترجمة مسرحية هاملت

2- ملحمة كلكامش دراسة نقدية.

ولازال عطاؤه مستمرا وزاخرا بين شعر وترجمة ونقد.. فهل سيفتح العراق ذراعه يوما لأبنائه الذين يرفعون من شانه في كل العالم وبين مختلف الأجناس .؟؟.وهل ستكون مؤلفاتهم ونتاجا تهم في متناول اليد في مكتبات العراق للاستفادة من تجربتهم؟

ملاحظة

الحوار المتمدن