الجمعة ٣ تموز (يوليو) ٢٠١٥
بقلم هيثم نافل والي

حظ السعد

تنويه

أرجو ألا يكون قد فات الآوان لأعلن عن شر تنويهي بحرص وإتقان، برصانة ورزانة... التنويه الذي سيبدو كالموال الحزين قبل الأغنية الراقصة!.. إذ يوحى لي وأنا اكتب هذه القصة المسرفة في البساطة والصدق، أن بطل القصة والمتمثل بشخصية سامي معجزة أخلاقية وسط صحبه وربعه، ومن يراه لا يمكن بسهولة أن ينساه،.. وصديقه سلام الوفي معتدل الآراء حميد الأخلاق، لا يقل كرماً في تواضعه وقلت حيلته وجهله في أسرار الحياة وطبيعتها الصعبة المعقدة وناسها غريبي الأطوار كثيري ومتعددي الأدوار كصديقه.

ارتعشت الشمس وهي تزحف على الأرض منسحبة بعد يوم طويل من عملها حيث مقرها الأخير لتبدأ من جديد في جهة أخرى وعجلة الزمن تدور دون أن تعبأ بمن على الأرض وما يصادفهم أو يصيبهم.. في هذه الأثناء اقتنع الصديقان أن يعيشا ويحيا ساعتهما بعد أن كانا في الحياة أمواتا..

همس سلام بأذن سامي- الصديقان اللذان لا يفترقا منذ أيام دراستهما في المتوسطة – واستمرت علاقتهما بنفس القوة والحميمية وهما الآن في سنتهما الدراسية الأخيرة في الإعدادية.

قلت: همس سلام كقيصر روماني قديم ساراً صديقه الوفي بمرح عظيم:

ماذا تقول يا صاحبي لو ذهبنا اليوم مساءً إلى السينما؟

- صارخاً كالمقروص بغفلة: ماذا تقول؟ السينما!.. ثم أردف متهالكاً غير مصدق ما سمعه:
هل أنت في كامل وعيك؟ كيف تطلب مني أن أوافقك على طيشك وأرافقك وأذهب معك إلى هناك؟!

- إلى هناك؟ أين تقصد؟ أنا لم أقل أكثر من كلمة واحدة واضحة، أريدك أن تشاركني متعة رؤية فلم في إحدى دور عرض الأفلام في بغداد؛ ثم استخف به الطرب فجأة فاستطرد ذائعاً وهو يهز رأسه كهندي متمرس في هذه الحركة:
كما سمعت يا صديقي هناك في أحد شوارع بغداد الذي غاب عني اسمه وأظنه يدعى شارع السعدون الذي يقال عنه: قبلة الانظار ومعقل الابصار، والذي تتجمع وترتصف فيه تلك الدور كخلايا النحل في مكان واحد وتتلقف أيادي عمالها الزبائن من الشارع ناهيك عن الصور والإعلانات الضوئية التي تروض الإرادة الشرسة وتحفز الغريزة النائمة وتجعلها مثاره ومتيقظة... ناهيك عن الضجيج الصاخب الذي ستسمعه، ضجيج يأتيك من كل مكان لترى نفسك وكأنك في عرس لهنود الحمر في غابة، كل شيء هناك يصرخ، يضحك، يهتز، يرقص ويدمدم... إنها الحياة يا صاحبي، وعليك ألا تنسى بأننا بعدها نستطيع أن نتنزه قليلاً على الكورنيش حيث خضرة الشجر وهدير النهر؛ ها... قل لي يرحم الله أباك: هل هذا عيب أم حرام؟!

- محتداً مرتعد الفرائص بعد أن استطاره الهلع وعذبه الجزع:

لن أجيبك!.. لأنك تعرف السبب، لذلك تعجبت من طلبك الغريب هذا!.

- بشموخ: أعرني سمعك وأنصت لما سأقوله:

يا عزيزي وحبيب قلبي سامي، أنا اعرف ذلك جيداً، لكن دعنا نغامر مرة في حياتنا، سوف لن نخسر شيئاً، بل العكس سنجمع خبرة وربما نستطيع أن نعيد الزيارة في وقت قريب آخر!.. ونستمتع كما الآخرين، توقف برهه ليرى وقع كلماته ومدى تأثيرها على صديقه واستطرد باندفاع محموم:

عليك ألا تنسى بأننا في عمر يسمح لنا فعل ذلك..

- استعاد سامي فجأة قوته وكأنها بفعل معجزة وطفق مكتئباً وهو يرفع سبابته في وجه صديقه:
وماذا لو تهنا؟ أو تأخر الوقت ولم نعد نعرف رأسنا من أقدامنا؟! ها... ماذا سنفعل ساعتها؟! نبكي وندوخ أم نلطم الخدود وننوح؟!

- هون عليك يا صاحبي، لا تيأس من رحمة الله هكذا سريعاً، فنحن مازلنا لم نجرب، ومن ثم لماذا تنظر إلى الأمور بمنظار أسود لعين، فكر بالمتعة وما سنجنية من وقت حر نفعل فيه ما نرتاح له وما نحبه.. فقاطعه سامي عابساً متوسلاً:
دعني وشأني، لن أذهب ففي ذلك مخاطرة قد لا تحمد عقباها( وهو يزم شفتيه كطفل غاضب )

- بل سنذهب واعتمد على أخيك سلام وأنت تعرفني جيداً، قول وفعل... شكره بنظره وهزه من يده وسحبه بعنف لطيف وهو يحاول أن يسوي معه الموضوع ودياً ويسمعه بعض النكات التي سمعها أخيراً بغية تلطيف الأجواء التي توترت بسبب عناد سامي ورفضه لقبول دعوة صديقه... وما انقطع سلام من أن يردد على مسامع صديقه مازحاً:
لكَ يا صديقي قلباً أفضل من عقلك بكثير... وهو يهز كتفيه ورأسه يتأرجح ويقهقه متعاطفاً مع ما قاله!!

إذا لم أزعج القارئ الذي غالباً ما اشعر بأنه ليس راضياً على ما اكتب من وصف أصف فيه شخصيات أبطال قصصي التي اكتبها بحبر يشبه إلى حدٍ ما حليب الجن! وأسأل القارئ دون خبث:

ترى متى رضي الإنسان عن حياته وما يحيط به؟! فهو لو أودع الجنه وسكنها... سيفر منها متذمراً ولو بعد حين!!. إذاً دعوني أذكر وفقكم الله... بأن سامي كان غض الإهاب نضر الشباب، بجبهة صافية مثل زجاجة العطر وابتسامته حلوه نقية كزهرة متفتحة، شفيقا رقيقا ولصحبه خير الرفيق، وتحلى منذ نعومة أظافره بصفات لا نجدها عند الآخرين بسهولة؛ فقد ولد طفلاً موهوباً منذوراً للفن وأنضجت وحدته موهبته، خجول ومنطويا على نفسه بشكل يدعو للعطف أو التساؤل، سريع التأثر كعود الثقاب وورق السجائر، سهل الأشتعال؛ والأهم من كل ما تقدم لم يكن أنانياً ويعشق نفسه، بل كان متواضعاً بلعنة رهيبة وفي أحيان كثيرة يأتي على نفسه وحقه وكأنه لا يملك من شأنه شيئاً!.

مشدوه الفكر وموزع باتجاهات غير محددة ولا تقف عند نقطة واحدة، يكترث للأشياء المحيطة به كثيراً حتى ولو كانت بسيطة لا تستوجب الاكتراث والتأثر، كرّمته مرة إدارة المدرسة في المرحلة الإبتدائية كونه الطفل الوحيد في المدرسة الذي لا يسمع له صوت وخجله يضرب به المثل فاق كل التصورات... وصديقه سلام لا يختلف كثيراً عن صديقه، وها هما معاً في طريقهما إلى السينما في مساء خفت فيه الحرارة حد النصف عما كان عليه النهار الذي ولّى...

وما أن ترجلا من الحافلة التي احتوتهما وأقلتهما حتى نسيا همومهما وما يربطهما بالماضي وعيونهما شاخصة نحو الأشياء التي يرونها لأول مرة في حياتهما، وأقدامهما تكاد لا تلامس الأرض طرباً وسعادة... حتى لاحظ سلام فجأة أحدهم ينظر إليه بنظرة ماسحة، صاعقة، شرسه ذات مغزى غريب لم يفهم لها معنى محدد سوى شهوتها الفائرة!..

فارتبك كمن يدافع عن نفسه بالفطرة، وحاول أن يلتصق بصديقه ويسرع في خطاه وهو يسحب يد سامي وراءه دون أن يفصح عما خالجته نفسه من خوف ورهبه من نظرات ذلك الرجل الذي اعتبره شريراً دون سابق معرفة.
كان الرجل الغريب نزقاً فاتن القبح، طويلاً كصمته، بعينين متعبتين انهكتهما وأضعفتهما الملذات، غائر الخدين، لا يبدو عليه سيماء الرزانة مثل نحس طاعن في السن من جنس العفاريت الخرافية؛.. رفيع العود، منحني الظهر، أشيب الرأس، يرتدي جاكيتا رماديا داكنا دعكته الأحجار ولوحته الأوساخ وقلبت لونه فبان وكأنه أسود، وخطواته لم تكن ثابته ونظراته كخطواته زائغة لا تستقر على حال ويمسك في يده اليمنى زجاجة لم يتضح ما بداخلها من سائل لم يبق منه سوى القليل يتمرغ داخل الزجاجة بصخب وعنف.

تضايق سامي من سرعة صديقه غير المبررة بالنسبة إليه، فسأله بعفوية:

ما وراءك بعد يا سلام؟ ولماذا تهزني وتسحبني بهذه الطريقة؟! أرجوك دعنا نرى كل شيء بهدوء وتمعن، ثم أشار له بيده: انظر إلى هناك... هذه لافته تعلن عن فلم عربي، وأخرى عن هندي... وحاول أن يستمر لكن سلام قاطعه بحدة بارقاً، راعداً وآمرا:
اخفض من صوتك!!
- اخفض صوتي!.. لماذا؟
- لا تسأل كثيراً، هيا لندخل هذا الشارع الفرعي بسرعة...
- إيه... ما وراءك يا سلام، هل أنت خائف من شيء ما؟ أرجوك قل لي...
- رد عليه والقلق يأكله وهو يتلفت وراءه مثل قط خائف: هل ترى أحدهم يتبعنا؟
- تجمدت الدماء في شرايينه، فتح عينيه بدهشة وهو يحاول النظر إلى الوارء... فرأى الرجل الشرير صاحب الزجاجة يتبعهم بشغف منقطع النظير... فصاح بسلام منفعلاً:

ماذا علينا أن نفعل؟ هناك من يتبعنا ويبدو رجلاً شاذاً أو سكرانا، حقيراً وفقيرا، عليلا وذليلا... إنه خليط لا أستطيع التكهن في شخصه، فهو يبدو كأهل الكأس والطاس والقرطاس مثله مثل الشعراء الكفرة!!. ثم باغت سلام بقوله بعد أن جال بطرفه:
تصرف يا بطل؟
- ولماذا تسألني؟ وعدل من سؤاله وطفق:
أقصد، لماذا تطلب مني التصرف لوحدي؟
- جأر بإمتعاظ وحرقة: وأسأل منْ يا ترى؟ إليس أنت صاحب الفكرة الجهنمية؟ ألم تقل لي بأنك قول وفعل؟ هل نسيت؟ ثم صاح مرتجف الأوصال متهكماً عابثاً مواربا:

هيا... أرني مهارتك وشطارتك، يعد نفسه بحذاقته ولباقته من العلماء وأهل الذكاء، ورأيه صائب وفكره ثاقب وكما يقال، جليل الخطر عظيم الأثر!! ثم تابع منغصاً الأجواء التي أصبحت فجأة لا تحتمل:
يبدو لي أننا وقعنا في براثن شرير لا يريد أن يتركنا بسلام قبل أن يمص دمنا!.. وكرر الجملة الأخيرة بخبث شيطاني لم يعرف كيف أو من أين أتاه: سيمص دمنا معاً، ونادى كمؤذن:
هل سمعت: أنا وأنت!!

- متقهقراً: عزيزي سامي لا تؤنبي ولا تلومني... إذ لم يكن في ظني أن تسير الأمور بهذا السوء أو أن يصادفنا ويلاحقنا هذا الشاذ الذي يحمل جرته معه وفي قعرها يترجرج ماء جهنم.. كما أن خبرتي لا تزيد على خبرتك قيد قيراط وأنت تعرف ذلك جيداً، فكن منصفاً ولا تحملني أكثر مما أحمله الآن!!
- بعدائية مفاجئة: وماذا تحمل؟ هه... إي... لا... قل ولا تتردد، فنحن قد انتهينا وسوف لن نفلت من يد هذا الشيطان الرجيم الذي يمص شفتيه ويتلمظ فيها كما سيفعل بدمائنا..
- الحقيقة المخجلة هي أني ومنذ أن رأيت هذا اللعين ونظراته التي لا أفهم لها مغزى أو معنى وأنا اشعر بأن سروالي اصبح بارداً وثقيلا ولا اعرف لماذا؟

- سرولك!!
- نعم سروالي... ثم وعى على نفسه وقال بشيء من الوجد:

دعنا من ذلك الآن وفكر معي في هذه اللعنة التي تطاردنا وهو ينظر جانبياً وراءه وهما يسيران على غير هدى من شارع إلى آخر، حتى ابتعدا كثيراً عن الشوارع والساحات الرئيسية والعامة وبدأ الظلام يستحل الأمكنة دون وارع أو تردد وهما يشعران بالتعب والجوع وحامل ماء جهنم مازال يتبعهما كظلهما... ثم حلَّ السكون الموحش وسيطر على المكان كسكون صحن كنيسة أثناء الليل، بعد أن خلت الطرقات من المارة وبدت الأمكنة مقفرة وكأنها في كوكب آخر غير الأرض...
قررا أن يستقلا أول سيارة أجرة تمر بطريقهما كي يعودا إلى منزلهما دون أن يأخذا حظهما من مشاهدة فلم في إحدى دور عرض الأفلام في بغداد أو أن يستطيعا من تحقيق حلمهما رغم سذاجته وبساطته وحقهما في تنفيذ ما خططا له دون شعور بالذنب أو الألم أو المهانة... وسامي ما انقطع أن يردد في سره ببيت من شعر المعري الذي كان الأخير يخاطب الله فيه بقولة:

ولقد زعمت لنا معاداً ثانياً
ما كان أغنانا عن الحالتين
وكلاهما كانا يشعران بإحباط رهيب، ساحق، مدمر ومبهم كشعور من يفارق أحدهم... فراقا لا لقاء بعده!.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى