الفصول الأربعة

، بقلم سعود الأسدي

ألكونشيرتو لون من ألوان التأليف في الموسيقى الغربية ، نشأ واستقام على طريقة الًصوناتة وهي المعزوفة التي توضع لآلة مفردة مثل البيانو أو الكمنجا أو التشيللو ، أو لآلتين تتجاوبان ، أو لثلاث آلات وتسمى Trio-Sonata )) .

والايطاليون هم مبتكروا هذا اللون من التأليف في عصر الباروك على امتداد قرنين من الزمان تقريبا من سنة 1550- 1750 وعصر الباروك يعني عصر الزخرفة والتحلية والتأنّق والفخامة في المباني والنحت والرسم وسائر الفنون ومنها الموسيقى .. وكان لتطور آلة الفيولينة( الكمنجا )/كآلة صادحة رقيقة شادية تتمتع بقدرات هائلة في التعبير تأثير كبير على تطور أشكال التأليف الموسيقي الغربي ، إذ بلغ تكنيك العزف عليها مرتبة من التقدم والرقي مما دفع بالموسيقيين في القرن السابع عشر إلى التوسع والتفنن في طرق الانتفاع بهذه الآلة الجميلة ـ وحدها ـ أو مجتمعة بغيرها من الآلات الوترية في الأوركسترا .

يبنى الكونشرتو عادة على ثلاث حركات موسيقية ونادرًا على أربع ، الحركة الأولى تكون سريعة ، والثانية بطيئة ، والثالثة سريعة مرحة، والكونشرتو على نوعين ، الأول : (Concerto-Grosso) بمعنى الكونشرتو الكبير ، وفيه تقوم بمهمة العزف مجموعة كبيرة من الآلات الوترية ، وتقابلها مجموعة صغيرة ، والمجموعتان تتشاركان وتتباريان في العزف ، لان كلمة كونشرتو ايطالية مستمدة من فعل المشاركة والمباراة .

وفي الكونشرتو غروسّو تستهل الحركة الأولى بلحن بسيط واضح تقدمه المجموعة الاوركسترالية الكبيرة ، ثم يتلوه جزء انفرادي ، فتقدم المجموعة الصغرى (الكونشرتينو ) لحناً آخر ، وهكذا تتطور الأدوار بين المجموعتين ، ويتداخل العزف بينهما ، ثم ينفصل الى العزف الانفرادي للمجموعة الصغيرة ، وتتم العملية من عرض إلى نشر ، وإعادة عرض وتلخيص كما هو الحال في السوناتة ، وهو ما يشبه إلى حد ما (قالبا معروفا في الموسيقى الشرقية يدعى " التحميلة " فهي الأخرى تُبني على التناوب والتجاوب بين عزف المجموعة وعزف التقاسيم الانفرادية لكل عازف على حدة مع تحول المقامات ) .

إن تسمية كونشرتو غروسو ونسبتها تعودان إلى الموسيقى الإيطالي كوريللي (1653-1713 ) وإذا كان من مشاهير عصر الباروك هيندل (1684-1653 ) وباخ (1685-1750) وتيلمان (1681-1767) من الألمان . وبورسيل (1658-1695) من الإنجليز ، وكوبران (1668- 1733) من الفرنسيين ، فإنّ توريللي (1605-1708) وألبينوني (1674-1745) وفيفالدي (1675-1741) وسكارلاتي (1685-1757) ومارشيللو (1686-1739) وتارتيني (1692- . 177) من الايطاليين ، هم جميعا انتبهوا الى ضرورة التدوين الموسيقي منذ ثلاثة قرون .

وبالرجوع ثانية إلى مسالة بلوغ صنعة الكمنجا أرقى درجات الإتقان كآلة موسيقية على أيدي أشهر صانعي الآلات الوترية الايطاليين ، فان لهذا الرقي دورًا حاسمًا في تطور التأليف الموسيقي بسبب الإمكانيات المتاحة لعازف الكمنجا الماهر (( Virtuoso ، ومكانته بين مجموعة آلات الوترية ، وهذا مما أدى إلى ظهور النوع الثاني من الكونشيرتو وهو الكلاسيكي الانفرادي ، وفيه يكون التقابل والتناوب والتجاوب والتباري ليس كما في ال- كونشيرتو غروسو بين مجموعة كبيرة من الآلات ومجموعة صغيرة بل بين مجموعة وترية كبيرة وآلة مفردة مثل الكمنجا أو البيانو أو الناي إلخ.. في الكونشرتو الكلاسيكي الانفرادي تفتتح المجموعة الوترية عادة بجملة موسيقية لعرض المواضيع الرئيسية للكونشرتو ، وبعدها يأتي دور العازف الفرد (الصولو) ويحل في موضع مركزي في الحلبة ، وياخذ يصول ويجول بعزف منفرد بينما المجموعة بالمقابل تاخذ مركزًا ثانوياً ، فترد الصوت على العازف الفرد ، والذي يكون طبعا عازفاً ماهرًا يمتاز بالحركة السريعة الرشيقة ، ويتمتع بمقدرة على الارتجال الفوري ، فعندما تسكت الآلات المقابلة تعطي له الحرية في عرض مقدرته على العزف الفني السريع ، وكذلك تتاح له الفرصة لإظهار موهبته في الارتجال ،( مثل اللواح الشاطر الماهر في الدبكات الشرقية عندنا فإنه ينفلت من رأس المجموعة ليندفع إلى وسط الحلقة ليضيف على حركات الدبكة رقصات ارتجالية من عندياته بينما حلقة الدبكة تلزم مكانها لتضمن له الإيقاع بالتصفيق بالأيدي ورقع الأرجل بالأرض حتى إذا فرغ من حركته عاد منتظماً في رأس الدبكة لتتم الحركة الثانية والثالثة ) الخ..

لعل من أقدم وأسطع الأمثلة على هذا النوع من الكونشرتو هو كونشرتو " الفصول الأربعة " للموسيقار الإيطالي أنطونيو فيفالدي ، الذي بزغ نجمه في الربع الأخير من عصر الباروك . وإن هذا الكونشرتو هو موضوع حديث هذه الحلقة ، ولكن قبل الدخول في الحديث عنه تجدر الإشارة إلى أن موتسارت (1756-1791) هو معطي الشكل الفني المحكم للكونشرتو الكلاسيكي ، وإن له خمسين كونشرتو من هذا النوع . وأمّا بالنسبة لبيتهوفن (.177 -1827) فانه طبع ما ألّفه من كونشرتو بطابعه الخاص ، وقد أتاح للعازف الانفرادي مهمة خاصة جلية الى حد التعبير الرومانسي الحالم ، بينما مجموعة الآلات بالمقابل تباريه وتتصدّى له لأنّه أوغل في الأحلام ، فتلح عليه بأن يعود إلى الواقع وذلك في خمسة كونشرتوات للبيانو ، وكونشرتو واحد للكمنجا وهو إنتاج له أهمية كبيرة في زمننا .

كما نشهد في الفترة الرومانسية فنانين لامعين أعطوا في فن تأليف الكونشرتو أعمالا لها سحرها ، ومنهم مندلسون (1909-1847) وشومان (1810-1806) وبراهمز
(1833-1897) من الألمان ، وشوبان البولوني (1810-1849) وليسْتْ الهنغاري
(1821-1887) وتشايكوفسكي الروسي (1840-1893).

ويظل الكونشرتو ، يشهد التركيز على الفيرتشؤوز (العازف الماهر) وتظل الفرتزة ( الفَرْتكة ومنها فرتيك بمعنى ماهر إذا صحت الكلمة ) مطلباً فنياً عند الكثيرين كما هي الحال عند باغانيني الإيطالي (1782-1840) وهو من أشهر عازفي الكمان وكذلك عند المحدثين من الرومانسيين المغالين أمثال رافيل الفرنسي (1875-1937) وريجر الألماني (1873-1916) وسترافنسكي (1882-1971) وبروكوفييف (1891- 1953) الروسيين وخاتشادوريان الارمني (1903-1978) .

أراني بعد هذا العرض الموجز السريع لظاهرة الكونشرتو بنوعيه في الموسيقى الغربية مضطرًا الى العودة للعمل العيني الذي حمل عنوان هذا الحديث وهو كونشرتو (The Four Seasons ) أو الفصول الأربعة الحاملة اسم La Stravaganza فأقول :

إن تغير فصول السنة كان قد أوحى إلى عدد من الموسيقيين أعمالاً موسيقية ذات معنى ، ومنهم لوللي الإيطالي ( 1632-1687) فان له متتابعات راقصة Suites )) تمثل الفصول الأربعة ، الربيع والصيف والخريف والشتاء ، التي يكون الطقس فيها هو الشخصية المركزية ، وكذلك أليساندرو اسكرلاتي (1659-1725) وهو إيطالي أيضا في سيرانادا (معزوفة غنائية مسائية) تحكي عن الربيع والصيف والخريف والشتاء وجوبتر ، أما لويس لامير الفرنسي ؟؟ فله مجموعة أناشيد صدرت سنة 1724( وليس معروفا إذا كان لامير هذا قد اطلع على كونشرتو الفصول الأربعة لفيفالدي أو لا ) ، وحتى هيندمت الألماني وهو من المتأخرين (1895-1963) فقد ألف في الأمزجة الأربعة ولكن يظل كونشرتو فيفالدي " الفصول الأربعة " هو أشهرها ، ويعتبر أول محاولة جادة في الموسيقى التصويرية أو ذات البرنامج كما يسمونها . وله غيره اثنا عشر كونشرتو لآلة الكمنجا ، وقد كان عازفاً ماهرًا لهذه الآلة .

اشتهر بدقة عزفه ونقائه وجماليته ، وكان مجيدًا في خلق انسجام كامل بين الأدوات الوترية ، وقد تأثر به تارتيني ( 1692-1770) ولوكاتللي (1695-1764) من الإيطاليين وكفانتز (1697-1773) وهيندل (1684-1759) من الألمان ولكلير (1697-1764) من الفرنسيين .

وقد أعاد باخ لفيفالدي تجديد ديباجة حوالي عشرة من كونشرتواته على التي الأرغن والبيانو ، وأما تأثيره على بيتهوفن في السيمفونية السادسة (الريفية) فملموس أيضاً ، وكذلك على هايدن (1732-1809) ، وإذا كان النسيان قد عفا عليه زمناً طويلاً إلا أنه استعاد مكانته في العصر الحديث .

قدّم فيفالدي لكونشرتو الفصول الأربعة بأربع سونيتات شعرية واحدة لكل فصل وهي كالأتي :

Spring

تغريد عصافير مرحة على وشوشات وغنج السواقي وشقع مزاريب الأسطحة والعيون ، وهمس النسمات المداعبة ، وبرق يتبعه رعد وزوبعة ، والعصافير لا تأتلي في تغريدها مع حفيف الأوراق في الحقل المزهر، والراعي المتعب يكسر نعسته على كتف صخرة ، بينما كلبه الأمين باسط ذراعيه على مقربة ، وعلى نغمات مزمار القصب ترقص حوريات ورعاة رقصات إجلالاً للربيع .

Summer

الفلاحون يسيرون الهوينا والقطعان ترتع تحت أشعة الشمس اللاهبة ، وطائر الوقواق الجبلي يشهق واليمامة الرؤوم تهدر، وطائر الشويكي يُنَقْوِد حبّ العنّاب ويسقسق، ونسمات بحرية تهبّ رُخاء ، وفجأة تعترضها رياح شمالية عاصفة والراعي الصغير دامع العينين ، ولسان حاله وهو مذعور يقول : شمالي يا هوا الديرة شمالي !! يا لها من رياح نكباء لا ترحم إنها تتصارع وتقلق راحة الراعي الصغير الخائف ، وإنّ خوفه في محله فالسماء مغبرّة تعلوها كدرة وغيوم حمراء نارية ، بينما الزوبعة تلعب برؤوس السنابل (لعبة لفّتتك ما لفّتتك) !!

Autumn

يحتفل الفلاحون بالحصائد على أنغام القصائد .. يعلو الترنّم بالأغاني والأناشيد ، ويشتد الرقص ، إنهم يشربون .. يثملون ويتركون الرقص ويركنون إلى سبات عميق .. يطلع الفجر ، ويخرج الصياد بأدواته يحمل قرناً وبندقية ، وكلبه يجري ويلهث ..الطريدة مذعورة/ تسمع النفخ من قرن الصياد / فتهرع إلى الجوّ... يتلوها على التوّ إطلاق نار .. عبثا تحاول الهروب .. إلى أين تسرع ؟ والموت أسرع ! تخرّ عاثرة الحظ وتلفظ أنفاسها بين براثن المنية .

Winter

برد قارس .. ندف ثلج وقشعريرة تنخر العظم ، وريح صرصر تقص المسمار تجعلك ترقع قدميك بالأرض كأنك في دبكة ، أسنانك تقضقض ، وأنت مرتعد الفرائص ، تلزم جانب الموقدة، والريح تخبط على باب بيتك ، وشبابيكه ، وجدرانه ، وعندما تخرج مستوضحاً الجلبة تمشي بحذر لئلا تنزلق قدمك على الجليد .. ها أنت تعثر فتقوم وتجري فتسمع تشقق الجليد تحت قدميك .. وفي الليل تصيخ السمع الى ريح زعزع شرقية تصطرع مع ريح شمالية عاتية ..

يعلن فيفالدي بهذا الكلام على الملأ أنه يريد التصوير ، فكان له ما أراد ، وقد تمكن بفصوله الأربعة من خلق موازنة بين ما يقتضيه التصوير من وصف دقيق ، ومن حفاظ على شكل موسيقي فيه تشدد وتقيد بالقاعدة للغاية .. إن حيوية التصوير تتيح للعازف الانفرادي الفيرتشؤوز البارع أن يتقن الفرتزة في الكونشرتو ، وبواسطتها يحصل فيفالدي على تأثير عزفي فيه تلوين وتنويع من مجموعة وترية عادية تعتمد على التناوب والتجاوب والتقابل مع آلة مفردة ليصل باستغلال التباين الصوتي للآلات إلى أقصى الحدود.

أعتقد بأن سماع كونشرتو الفصول الأربعة لفيفالدي نافع وخاصة لطلاب المدارس العربية عندما يقرأون على معلّمهم قصيدة " إرادة الحياة " لأبي القاسم الشابّي ، فإن وصف الشتاء فيها وكذلك وصف الربيع يشابهان وصف فيفالدي لهما : هذا بالنغمات وذاك بالكلمات ، وإنني أعتقد أيضا بان تشغيل هذه المقطوعة الموسيقية على مايكروفون المدرسة لمدة ربع ساعة في ساحتها أثناء انتظام الصفوف فيها ثم في الفرصة الأولى خلال شهر لهو خير من ألف شهر من سماع وعظة الصباح من قبل مدير المدرسة بصوته الأجش يكررها عليهم بتهديد ووعيد كل يوم بلا رحمة. فلنجربْ ذلك فلعلنا نستفيد ، وإلا فلا نخسر شيئا .