احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة ٢٠١٤

الصفحة الأساسية > المكتبة > قسم الدراسات والأبحاث > الدكتور أسعد السحمراني - لبنان > الماسونية ، نشأتها وأهدافها > الماسونية نشأتها وأهدافها قسم ٢ من ١٠

الماسونية نشأتها وأهدافها قسم ٢ من ١٠

المسار التاريخي

٢٦ نيسان (أبريل) ٢٠٠٦بقلم أسعد السحمراني

إن القراءة المتأنية لتاريخ الحركة الماسونية في الكتب، التي خطّها مناصروها والمنتسبون اليها، أو خصومها، لا توصلنا الى جواب شاف واضح عن حقيقة هذه الجمعية السرية، لا بل قل الجمعيات المتعددة النظم والمفاهيم التي لا يربطها سوى خيط رفيع شكلاً هو التسمية "ماسونية"، ويربطها، من حيث الجوهر، رابط مستتر سنحاول تتبعه في كلام لاحق من هذا الكتاب، إن شاءالله، هو الإفساد وخدمة يهود والحركة الصهيونية.

لقد بالغ كثيرون من الماسون في الحديث عن تاريخ حركتهم عندما حاولوا أن يربطوها تاريخياً بكل جمعية سرية، أو جمعية بناء قامت في التاريخ، ويعترف بذلك أحدهم، وهو جرجي زيدان في كتابه: "تاريخ الماسونية العام" فيقول:

"للمؤرخين في منشأ هذه الجمعية أقوال متضاربة؛ فمن قائل بحداثتها فهي على قوله لم تدرك ما وراء القرن الثامن عشر بعد الميلاد، ومنهم من سار بها الى ما وراء ذلك فقال إنها نشأت من جمعية الصليب الوردي التي تأسست سنة 1616 ب.م. ومنهم من أوصلها الى الحروب الصليبية، وآخرون تتبعوها الى أيام اليونان في الجيل الثامن قبل الميلاد. ومنهم من قال: إنها نشأت في هيكل سليمان. وفئة تقول: إن منشأ هذه الجمعية أقدم من ذلك كثيراً، فأوصلوها الى الكهانة المصرية والهندية وغيرها. وبالغ آخرون في أن مؤسسها آدم، والأبلغ من ذلك قول بعضهم إن الله سبحانه وتعالى أسسها في جنة عدن، وإن الجنة كانت أول محفل ماسوني وميخائيل، رئيس الملائكة، كان أول أستاذ أعظم فيه، الى غير ذلك من الأقوال المبنية على الوهم" [1].

إن هذا النص، الذي أوردناه للماسوني جرجي زيدان، لا يحتاج لتعليق، فهو كافٍ لإطلاع القارئ على الحالة الأسطورية التي يحاول الماسون إلحاقها بجمعيتهم لكي يزرعوا في عقول الناس شبحاً يجلب القلق اسمه: الماسونية. إن المتفحص لهذا النص يستطيع أن يحكم بأن الماسونية شتات وآراء وأقوال متضاربة وأنها لا تقف على أرض صلبة واضحة المعالم.

وجرجي زيدان نفسه، الذي يعترف بأن الأقوال عن قدم الماسونية مبنية على الوهم، نراه يبيح لقلمه أن يحدّد تاريخاً ثابتاً لنشأة الماسونية فيقول في كتابه الآنف الذكر:

"إن مهد هذه الجمعية رومية، وأول اجتماع التأم تحت اسم البناية كان في سنة 715 ق.م. بأمر نومابومبيليوس، وتحت عنايته" [2].

إن جرجي زيدان، بعد تصريحه هذا، يحاول جهده أن يربط عمليات بناء المعابد والأسوار، وكل أشكال العمار، بالماسونية وكأن الإنسان على الأرض لم يبنِ إلا لوجود الماسونية، وكأن الدارس لتاريخ العمارة يمكنه أن يعدّه تاريخ الماسونية، وهذا كلام لا يقوم عليه دليل ولا برهان. إن كل ما يقال في هذا الباب هو مبني على الوهم، كما قال جرجي زيدان فعلاً، أما الماسونية بنظامها المعروف اليوم وأهدافها فيتفق عليه كل الكتّاب تقريباً، وعن هذا يقول جرجي زيدان:

"يبتدئ تاريخ الماسونية الحديث أو الماسونية الرمزية من سنة 1717م. وقد قيل لها رمزية لأن الأدوات التي تستعمل فيها تختص البناء العملي" [3].

ويناقض كلام جرجي زيدان كلام ماسوني آخر هو حنا أبي راشد في مؤلفه: "دائرة معارف ماسونية" وهذا الأخير نرى في أقواله ما يوضح لنا حقيقة الإضطراب اللاحق بتاريخ الماسونية ونشأتها، وهذا يثبت لنا الحالة الأسطورية لهذه الحركة.

يقول حنا أبي راشد معترفاً بالإضطراب والزئبقية عند محاولة تحديد مسار الحركة الماسونية:

"لم ينعقد إجماع المؤرخين والباحثين على تاريخ أصفى، يمكن أن يكون هو التاريخ الصحيح، الذي نشأت فيه الماسونية البناءة. . إن المصادر التاريخية الواضحة لم تستطع أن تضع للماسونية تاريخاً محدداً، لأنها بوصف كونها جمعية سرية – كما كانت نشأتها قديماً، أو جمعية ذات رموز، واصطلاحات خاصة، كما هو شأنها اليوم – حرص رجالها، على أن تظل اجتماعاتهم وأعمالهم، في طي الكتمان" [4].

والغريب في الأمر أنه في مكان آخر يخالف أقواله هذه، فنراه يحدد، بشكل قاطع، بداية نشأة الماسونية، ويعيد الفضل في تأسيسها الى عهد سليمان الحكيم، فيقول:

"إن الماسونية نشأت في عهد سليمان الحكيم سنة 1015 ق.م.، إذ كان عهده موصوف بحضارة امتازت بصفة عمرانية بارزة، اقتضت قيام جماعة البنائين الأحرار، بتأسيس هذه الطريقة، في هيكل سليمان نفسه، ذلك هو القول الذي قد يكون أقرب الى سلامة البحث في موضوع نشأة الماسونية" [5].

ومزاعم الماسون في هذا الباب تقوم على أن سليمان اهتم ببناء الهيكل والعمران بشكل عام، وكان في صور يومها الملك حيرام الذي أرسل اليه يطلب منه أمهر البنائين ليساهموا في بناء الهيكل فأرسل له جماعة كان أمهرهم بناء "حيرام إبي" وعلى يد هؤلاء، كما يزعمون، تم تأسيس الماسونية العملية التي لم يكن في عضويتها إلا من أتقنوا فنّ البناء.

ولكن هذا الزعم لم يرسُ على منهج واحد فنرى حنا أبي راشد يحاول أن يزيد في ضبابية الماسونية بعد أن قطع ببداية نشأتها وقال إنها عملية للبنائين فيقول:

"بدأت الفكرة الماسونية، كالفكر منذ البدء، أسطورة من أساطير الحقيقة، والحقيقة بعثت الفكرة في هيكل سليمان، فاقترنت بالعمل، مهما كابر أرباب التاريخ.

والفكرة حكمة، ولدت في بناء الهيكل، للاحتفاظ بسرية البناء!. . . ثم أصبحت فيما بعد، بفضل الحكيم سليمان، والمهندس حيرام إبي، والفينيقي ملك صور، عقيدة عمرانية، توارثها البناؤون القدماء أجيالاً، وآمن بها العلماء والمفكرون . . .وقد احتفظ "البناؤون الأحرار القدماء والمقبولين" بسريتها" [6].

إن أقوال حنا أبي راشد تحمل تناقضاً واضحاً، فمرة يقول: الماسونية فكرة وحكمة، وينتقل ليقول بأنها تحولت الى عقيدة عمرانية عملية، ثم يطالعنا بأن العلماء والمفكرين قد اعتنقوها! والغريب فعلاً هو كيف يكون العمران عقيدة؟! ويقول بأن البنائين احتفظوا بسرية جمعيتهم. والسؤال إذن كيف اعتنقها رجال الفكر ومن أين تعرفوا عليها؟!

يقفز حنا أبي راشد بعد هذا قفزة أخرى في المجهول ليحدّد تاريخاً آخر لنشأة الماسونية، وكأن ما يفعله يذكرنا ببرامج إذاعية عنوانها: من كل بلد أغنية. فماذا يقول هذه المرة؟ يقول في دائرة معارفه نفسها عن تاريخ الماسونية:

"وتاريخها على الوجه المعقول؛ أي تاريخ الماسونية الرمزية، يرجع الى عهد إبراهيم الخليل (1996 ق.م. – 1821 ق. م.) الذي كوّن جمعية العمال البنائين، وأمرها بهدم تماثيل الوثنيين" [7].

ولم يتوقف حنا أبي راشد صاحب الموسوعة، والذي يدّعي أنه أستاذ أعظم تمّ على يديه تكريس ماسونيين كثر، عند هذا الحد بل يبقى في تخبّطه وهو يتحدث عن المسار التاريخي للماسونية، ولست أدري كيف يمكن للإنسان أن ينتمي لحركة تعتريها الضبابية نشأة ومبادئاً ونظاماً؟!!

في حديثه عن مهد الماسونية يقول:

"الماسونية كلمة فرنسية، مأخوذة من قولهم (maçon) بمعنى بنّاء، إذ كانت في الأصل مقصورة على طائفة البنائين، وذلك قبل الميلاد بنحو سبعة قرون. . . كان أول اجتماع عُقد باسم – بناية البنائين – في رومية سنة 715 قبل الميلاد، وذلك بأمر وتحت رعاية الإمبراطور نومابومبيليوس وذلك بعد موت روميلوس باني رومان، وكان هذا الامبراطور أحد أعضاء الجمعية السرية المقدسة. . ." [8].

بهذا الاستعراض لأقوال حنا أبي راشد يمكن للقارئ أن يتلمس طريقه الى موقف سليم من الماسونية، وما ينشر حولها من معلومات، فإذا كان في دائرة معارف عنها – ويفترض فيها تحري الصدق – ولمؤلف واحد، وهو كما يزعم من كبار قادة المحافل فيها، هذا الضياع في تحديد المنشأ فكيف الحال بين مؤلف وآخر، ومنتمٍ لها وآخر؟؟ –

إن هذا الاستعراض يعطي دليلاً كافياً على وهمية الكثير من المعلومات المطروحة حول هذه الحركة، ويحملنا على القول بأنها لا تعدو كونها ككل الجمعيات السرية الهدامة التي تعتمد المنهج الباطني، والتي تعتمد الحيلة والمكيدة لزيادة أتباعها، وذلك باتباع أسلوب تعدد الطرح بما يناسب الموقع والشخص. في الحركات الباطنية يعتمد مع كل شخص أسلوب يناسب أهواءه، وهكذا الحال في الماسونية.

إن ما نقوله ليس كلاماً مرتجلاً، أو موقفاً من خلفيات – اللهم إلا البحث من أجل كشف حقيقة هذه الجماعة الهدّامة – وإنما الماسونيون أنفسهم يعترفون بهذه الحالة من الضياع والضبابية التي تكتنف نشأة حركتهم ومبادئها. فهذا – مثلاً – أحدهم شاهين مكاريوس يقول:

"لم يتفق المؤرخون على أصل الماسونية وكيفية نشأتها، فقد تضاربت الآراء واختلفت الأقاويل فيها، فمن ناسب أصلها الى أقدم الأزمان، ومن قائل إنها لا تتجاوز الجيل السابع عشر. وبالإجمال فإن دون معرفة الحقيقة أستاراً مسدولة تمنع النور عن خرق الحجاب". [9]

لماذا هذه الأستار يا ترى لو لم يكن وراء الأكمة ماوراءها؟ فهذه الحركة عدوة للدين، للأخلاق، للقيم، وإذ كنا سنتحدث عن هذا الموضوع لاحقاً، ولكن لا بد، والكلام هنا عن النشأة، من إيراد هذا النص الذي يربط نشأة الماسونية بالعداء للمسيحية وفي ذلك ثمة إرضاء لليهود ولسواهم.

فلقد جاء عن نشأة هذه الحركة أنها أسّست بعد ظهور السيد المسيح، عليه السلام، لمحاربة أتباعه، ويظهر ذلك في التصريح التالي:

"قال حيرام: لما رأيت أن رجال الدجال يسوع وأتباعهم يكثرون ويجتهدون بتضليل الشعب اليهودي بتعاليمهم مثلت أمام مولاي جلالة الملك هيرودس أكيبا واقترحت عليه تأسيس جمعية سرية مبدأها محاربة أولئك المضلين". [10]

إن هيرودس أكربيا هو ملك اليهود من سنة 37 بعد الميلاد الى سنة 44، وهو حفيد هيرودس الكبير، الذي قتل أطفال بيت لحم. وبهذه المعلومة يضاف سبب آخر، في أسباب نشأة هذه الجمعية الهدامة، يتضح منه أنها ليست لا جمعية بناء، ولا حركة بنائين، وإنما حركةً ذات أهداف هدامة في ميدان الدين والسياسة والفكر، هذا وإن كنا نستبعد العودة بنشأة هذه الحركة الى ذلك التاريخ.

إن هذه المزاعم في قِدَم الماسونية تهدف الى مسألتين:

1- إيهام الناس بأنها حركة قديمة ملازمة لكل التكوينات المجتمعية والجماعات البشرية حيثما حلت، وأن ما ظهر من أنماط عمرانية، ومعالم حضارية، تاريخياً ليست إلا بفضل وجود هذه الجمعية، وذلك للتأثير في ضعاف النفوس والمولعين بالغرائب والطلاسم والألغاز.

2- محاولة نسج خيط يربط كل الجمعيات السرية تاريخياً، بمختلف أنواعها، لإفهام من يريد بأن الماسونية وراء كل هذه الجمعيات، وهي السبب في وجودها ونشأتها، وهي وراء بروز ووصول من برز أو وصل، وهذا الأمر كذلك موجّه الى ضعاف تشغلهم الأهواء وتستهويهم الإتكالية، وتغرّهم الحيلة.

إن الحقيقة التي تجمع عليها كل المصادر أن نشأة الماسونية لا ترقى لأكثر من مطلع القرن الثامن عشر، وهو العصر الذي كانت أوروبا تتخبط فيه بين التيارات الفكرية ونشأة الأحزاب، والتجمعات بشعارات الإصلاح الديني، أو السياسي، أو الثقافي، أو الاجتماعي أو سواها، لذلك لا داعي للذهاب بعيداً قبل هذا التاريخ للبحث في المسار التاريخي للماسونية، فهي لا تعدو كونها كغيرها من الحركات التي نشأة في تلك الحقبة في أوروبا بعد الثورة الصناعية لهدف أو آخر، ولكن الماسونية، كما سنوضح لاحقاً أو كما بات أكيداً، واحدة من الحركات التي أسسها يهود تواصلاً مع تاريخهم المشتهر بالمكائد والمؤامرات.

حكاية الماسونية بدأت في بريطانيا بعد ثلاث سنوات من حكم الملك جورج الأول الذي دام حكمه (1714م – 1727م)، والانطلاقة كانت ببروز هذه الحركة الى الوجود بالتقاء أربعة محافل أو جماعات سرية كانت منتشرة في جنوبي إنكلترا، وهذه المحافل هي:

  1. محفل (Goose And Crediron) وكان يجتمع في فسحة كنيسة ماربولس.
  2. محفل (Crown).
  3. محفل (Apple – Terre Tavern).
  4. محفل (Rummer And Grapes Tavern).

لقد التقت هذه المحافل الأربعة في مقر الثالث بمناسبة عيد القديس يوحنا المعمدان، في حزيران من عام 1717م، وقرروا، بعد اجتماعات متوالية برئاسة أنطوني ساير (ANTONY SAYER)، تأسيس ما يسميه الماسون الماسونية الرمزية، أي التي تضم أشخاصاً عاملين في حقول غير البناء والعمارة، وكان الاقتراح، بأن يدخل الحركة أعضاء من مختلف المهن والحرف، مقدماً من محفل كنيسة مار بولس الذي كان أقواها فأُخذ به، وبذلك تمّ تأسيس "محفل إنكلترا الأعظم" وعيّن عند التأسيس أنطوني ساير أستاذاً أو رئيساً أعظم لهذا المحفل، والمنبهان كانا: جوزيف آليوت ويعقوب لامبال. وبعد سنة على تأسيس محفل إنكلترا الأعظم تمّ استبدال ساير فأصبح جورج باين (GEORGES PAYNE) أستاذاً أعظم والمنبهان هما: جان كوردويل وتوماس موريس. وبهذا ظهر الى الوجود أول محفل ماسوني أكبر في العالم قاطبة، وتعاقب عليه الأساتذة والمنبهون.

أما في فرنسا فإن أول محفل أبصر النور تمّ تأسيسه بين أيار وتموز من عام 1728 على يد الدوق وارتون (WHARTON)، الذي كان أستاذاً أعظم في لندن. والمحفل الفرنسي وكل المحافل كانت تحت سلطة المحفل الأكبر في إنكلترا الى أن كان العام 1773 حيث اجتمع حوالي 46 أستاذاً أعظم في باريس لعدة مرات في حزيران، ومن ثم في أوائل أيلول، من العام المذكور، أبصر النور في فرنسا محفل جديد مستقل عن "محفل بريطانيا الأعظم" اسمه: الشرق الأعظم (LE GRAND ORIENT)، ونشط هذا المحفل، ما قبل الثورة الفرنسية عام 1789، حيث بات يتبع له قرابة 500 محفل تضم 130000 منتسب، واستطاع بسط سلطته على المحافل في فرنسا فقطعت علاقتها مع المحفل الأعظم الإنكليزي.

في العودة الى النشأة مع "محفل إنكلترا الأكبر" لا بد أن نذكر أن أبرز الشخصيات المؤسسة كان جورج باين، والدكتور جيمس أندرسون والدكتور تيوفيليوس ديزاجيليه، عضو الجمعية العلمية الملكية البريطانية، والذي كان محبباً للملوك، وخاصة جورج الثالث، وهذا ما ساعد على انتشار الماسونية بسرعة حيث احتضنت من السلطات البريطانية في ذلك الحين.

في أيلول من عام 1721 أوكل الماسون في بريطانيا للدكتور أندرسون (ANDERSON) مهمة وضع نظام أو دستور ماسوني، استناداً الى نصوص قديمة كانت تعتمدها جمعيات سرية منها يهودي ومنها مناوئ للكنيسة الكاثوليكية، وأبرزها نصوص مقدمة من محفل
(GOOSE AND CREDIRON) الذي كان يجتمع في كنيسة مار بولس كان قد وضعها عام 1703. وبعد جهد متواصل من أندرسون أنهى عمله ودُعي 24 محفلاً من بريطانيا في آذار من عام 1722 لمناقشة مشروع النظام الماسوني المقدم من جيمس أندرسون وإقراره، وكان يومها الأستاذ الأعظم لمحفل إنكلترا الأعظم الدوق وارتون (WHARTON). وبعد إقراره الدستور الماسوني الموضوع من قبل أندرسون وضع في التداول منذ عام 1723 [11].

وإذا كانت الماسونية الرمزية قد بدأت في بريطانيا عام 1717 وأقرّ دستورها سنة 1723، وهو ما يعرف بالطقس الأسكتلندي الماسوني، وبعدها كان الشرق الأعظم الفرنسي سنة 1773، فإن حبات السبّحة قد تساقطت بعدها، وتناثرت المحافل الماسونية هنا وهناك كل منها يسفّه الآخر ولا يعترف بمشروعيته، وهذا الأمر يعلم ضعاف النفوس ممن يظنون أن الماسونية شبح يقف وراء كل شخص بارز أو مشهور، ووراء كل قضية تنتصر أو تفشل، وما ذلك إلا وهم وزّعه الإعلام الصهيوني، فالماسونية لا تعدو كونها حركة ذات منشأ يهودي – كما سنوضح لاحقاً – وهي كغيرها من الحركات السرية لحق بها الإنقسام، وساد بين المنتسبين اليها جوّ توزيع التهم والخصام.

ما ذهبنا اليه يؤكده كتاب صدر حديثاً عنوانه: "الماسونية بين الانحراف والأصولية"، قام بترجمته يوسف ضوميط، وفيه ما حرفيته:

"لا يزال البعض يتصور الماسونية على أنها مؤسسة عالمية لها تنظيمها الخاص، وتعمل وفق ما ترسمه لها هيئتها المركزية، كأن الماسونيين جنود طائعون يمتثلون بإخلاص للأوامر المعطاة لهم من رؤسائهم دون نقاش أو جدل" [12].

ويكمل صاحب الكتاب:

"إن الحكومة الماسونية ليست موجودة لأن الماسونية – ككيان قائم – لم تعد موجودة هي أيضاً. فليس هناك أي جامع مشترك بين ماسوني أميركي تستهويه الأعمال الخيرية ومآدب العشاء والصداقات الطيبة، وماسوني ملتزم يناضل في هذا المحفل الفرنسي أو ذاك (واستطراداً في هذا الحزب السياسي أو تلك الحركة الدينية) . . . فهذا دليل على ضياع الماسونية وتشتتها بحيث لم يعد لهذه الكلمة مفهوم واضح وتعطي انطباعاً للرأي العام بأنها أصبحت بؤرة للدسائس والمؤامرات على أنواعها" [13].

ويعود الكاتب ليعلن أيضاً ألمه لما أصاب الماسونية فيقول:
"إن تشتت الماسونية أصبح أمراً واقعاً والتفجع عليه لا يفيد، وينبغي للتعاليم الماسونية السعي لقلب الشر الى خير" [14].

وعن كون الماسونية مطية للإنتهازيين يقول:

"إن أخطر ما نواجهه في هذه المرحلة هو تآمر بعض السياسيين للاستفادة من سذاجة الماسونيين وتحويل البنية الماسونية مطية لتحقيق مآربهم" [15].

إن هذا الكلام الذي نقلته أردت به أن يتخلّص القارئ العربي من أوهام أرادها الأعداء، أوهام ومقولات أن الماسونية والصهيونية وراء كل شيء، وما علينا إلا أن نعترف لهم، ونستسلم لهم فلا حول لنا ولا قوة. إن إشاعة هذا المنطق مؤامرة لا يجوز بأي حال التسليم بها، إنهم يحاولون، ولكن أصابهم الإخفاق في مواطن كثيرة والمستقبل الأسود ينتظرهم حيث سقطت أقنعة كثيرة عن وجوههم.


[1زيدان، جرجي، تاريخ الماسونية العام، م. س.، ص 14.

[2زيدان، جرجي، تاريخ الماسونية العام، م. س.، ص 32، 33.

[3زيدان، جرجي، تاريخ الماسونية العام، م. س.، ص 75.

[4أبي راشد، حنا، دائرة معارف ماسونية، م.س.، ص 43.

[5أبي راشد، حنا، م.س.، ص 44.

[6أبي راشد، حنا، م. س.، ص 20.

[7أبي راشد، حنا، م. س.، ص 27.

[8أبي راشد، حنا، م. س.، ص 37.

[9مكاريوس، شاهين، الحقائق الأصلية في تاريخ الماسونية العملية، مصر، سنة 1897م، ص 11.

[10تبديد الظلام أو أصل الماسونية، تعريب عوض الخوري، بيروت، مطبعة الاجتهاد، سنة 1929، ص 102.

[11لمزيد من التفصيل حول هذه المحطة في نشأة الماسونية يراجع:

-  مكاريوس، شاهين، الحقيقة الأصلية في تاريخ الماسونية العملية، م. س.، ص 169 وما بعدها.
-  قطيني، حنين، م. س.، ص 21 وما بعدها، وص 82، 83.
-  أبي راشد، حنا، دائرة معارف ماسونية.
-  DICTIONNAIRE UNIVERSEL DE LA FRANC – MACONNERIE, SOUS LA DIRECTION DE DANIEL LIGOU, PARIS, L’ANNEE 1974.
-  MITTERAND, JACQUES, LA POLITIQUE DES FRANCS – MACON, PARIS, EDITION ROBOLOT, L’ANNEE 1973, P. 44 – 48.
-  DE PONCINS, LEON, LA F.M. D’APRES SES DOCUMENTS SECRETS, MONTREUIL, DIFFUSION DE LA PENSEE FRANCAISE, 4E EDITION, L’ANNEE 1978, P. 85.

[12الماسونية بين الانحراف والأصولية، ترجمة يوسف ضوميط، بيروت، دار مختارات، ط 2، سنة 1986، ص 40، 41.

[13الملحق نفسه.

[14الماسونية بين الانحراف والأصولية، م. س.، ص 44.

[15الماسونية بين الانحراف والأصولية، م. س.، ص 44.

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.