الفيرما

، بقلم مصطفى أدمين

نحن في العشرينية الأولى من القرن الواحد والعشرين، والعالم يعيش حربا عالمية ثالثة بمواصفات لا علاقة لها بالحربين العالميتين الأوليين؛ استعباد الموظفين الصغار، والاستغلال الفاحش للعمال، والإرهاب باسم الدين.
في إسطبل أحد الفيرمات المجاورة للمحيط الأطلسي، غير بعيد عن مدينة المحمدية، وقف حمار خلف برميل خشبي قديم، وتنحنح بالقوة التي جعلت رهط الحيوانات المدجّنة تشرئبُّ إليه.
ـ بعد تفكير طويل، قررتُ أن أتكلّم عن ظروفكم المزرية...
فقاطعه الكلب:
ـ أنت تخاطر؛ فالكلام ممنوع، و«السيد» ما زال يكره كلّ حمار متشدّق. ردّ الحمار:
ـ كان هذا في العهد القديم، أمّا اليوم، ونحن في زمن الأنترنيت والفايسبوك، فلا خوف عليّ من التصريح بما يضركم وبما يجب أن نفعل لكي نسترجع حريتنا وكرامتنا.
البغل:
ـ أخاف...
الحمار:
ـ لا تخف أيها البغل المحترم (فرقع البغل شدقيه ضاحكا من الصفة التي نعته بها خالُه)؛ أنت بالذات من يجب عليه التعبير عن المعاناة، بل أنت رمزها؛ ألا يستغلّك «السيّد» أبشع استغلال؟ وإن لم يجد لك شغلا، ألا يكريك إلى رجال البلدية حتى صار اسمك هو «بغل البلدية»؟
ـ صحيح ! تمتم البغل؛ واسترسل الحمار في خطبته:
ـ أخواتي الدجاجات المُريّشات، أخواتي البقرات الباكيات، أخواتي القُنيّات المتخفّيات في الأوكار القذرة؛ أسألكن؛ كيف وبماذا تشعرن عندما يسرق «السيّد» بيوضكن، وكيف يكون الترياشُ؟ وكيف يكون الحلبُ بالآلات؟ وأيّ إحساس لديكنّ عندما يستبيح «السيّد» لحمكن وجلدكن؟ ... أرى أن الألم فضيع عندما تفقن وتجدن أنفسكن مذبوحات، مريّشات، مسلوخات...
تدخّل خروف:
ـ وماذا تقول عنّا نحن الخرفان أيها الحمار المناضل؟ ردّ الحمار:
ـ لك الحق أن تنعتني بالمناضل، فأنا عندما أضرب لا أتراجع عن الإضراب حتى لو وعدني «السيّد» بتحسين معيشتي... أضربُ وأتحمّل الضرب احتراما لمبادئي؛ ولقد رأيتم بأعينكم كم مرّة أضربت وضُربت؛ فهل رأيتموني أتراجع عن الإضراب ولو مرّة واحدة؟ وجوابا عن سؤالك أقول: أنت أعلم بأحوال الخراف. ينزع عنكم «السيّد» صوفكم، ويستبيحكم قرابين لإله يعشق رؤية الدماء، ويقدمون لحومكم شواء للأغنياء.
وقال عتروس له لحية وليس له شارب:
ـ سمعتُ «السيّد» يقول إن في لحمنا نسبة قليلة من الكوليستيرول وأنه مفيد للمسمّنين من بني البشر، وللمرضى بالحلويات؛ أبسبب هذه الأكاذيب يستحلّون أرواحنا؟ أخبرني أيها الحمار !
قال الحمار من منبره:
ـ كل شيء في صالح «السيّد» يبرّره بالتبريرات الكاذبة؛ وإنّي أقسم لكم بإلهي لو أنّه رأى مصلحته في لحم وجلد ومخ تلك الوزغة هناك على السقف، لقال بأن الوزغة غذاء ودواء وتقية.
اختفت الوزغة، واستمر الحمار يخطب:
ـ رفيقاتي، رفاقي؛ ردّدوا معي: [ إذا الشعب أراد الحياة***فلا بد أن يستجيب القدر]؛ فرددوها حتى بان لهم أنهم الشعب، وأن القدر هو الإله الذي سيحررهم من العبودية. ورفعتْ حمارة قائمتها اليسرى وصدحتْ بهذا الكلام:[ نعم سنموت ولكننا***سنقتلع الظلم من أرضنا]؛ وصدح قُنيٌّ شابٌّ مشتعل بالغريزة:[سنشعلها ثورة في الجبال] وما كان ليُشعلها إلا في أحشاء قُنيّة شابّة تصرخ ب:[هذا عار؛ هذا عار؛ لقْنياتْ في خطار].
لمّا رأى الحمار الخطيبُ مشهد الجماع الظاهر ـ الخفي؛ أطالَ قائمتَه الخامسة، وراح يضربُ بها بطنَه المتدلية وينهق:[لا شيعة ولا سُنّة***الحرية هي الجنّة]. فتحوّل الجمعُ النضالي إلى ليلة دخلة جماعية...
وفي لحظة انتهاء النضال، فُتِح باب الإسطبل؛ ودلف «السيّد» ومساعدوه ـ تتقدمهم الوزغة ـ وفي أياديهم الهراوات، والكمّامات، والقيود...
ـ هكذا أريدكم ـ قال «السيّد» ـ أن تتزاوجوا وتتكاثروا...
وأمّا الخطيب ـ الحمار، فلقد انزوى إلى تلك الحمارة التي سبق أن قالت [نعم سنموت...] وصمت.
بعد هذه الواقعة التاريخية؛ ازدان فراش الحمار الخطيب بمولود جميل سمّاه «دَحْشْ» (وأيّ اسم يمكن لحمار أن يختار لنسله الحماري؟).
ترعرع في كنف أسرته المحترمة، وتعلّم الفصاحة عن أخواله البغال، وأتقن فن الخطابة ومخارج الحروف ضدّا على من سبّوه من قبل. وبزّ أقرانَه في قول الشعر. وعندما بلغ سنّ الرشد الحمارية، أبى والده إلا أن يطلق عليه لقب «المختار بن بّاهـْ».
في ذلك التاريخ؛ وبالرغم من النسبة المرتفعة للوفيات في طبقة الحوامل والرُّضّع من الحمير والبغال؛ حدث انفجار ديموغرافي في ساكنة الفيرما، الأمر الذي زاد من سرور «السيّد» وارتياحه، وذلك لإيمانه بأن « كثرة الرِّجل العاملة؛ ثروة من عند الله». أقول: في ذلك التاريخ، تضاعفت معاناة بني الحيوان، وكثر القمع، وصار في مقدور نائب «السيّد» أن ينقص من علفه شهرا بعد شهر، بل، يوما بعد يوم؛ والحيوانات ـ على عكس ما هو منتظر ـ تصرّح بأن أحولها حسنة بالمقارنة مع ما يحدث في فيرْمات الجيران.
أجل! حتى الظلم والقهر، يفرّخُ الخطابات المساندة للظلم والقهر من طرف المظلومين والمقهورين. أقول هذا الكلام، لأن الجحشُ بن الحمار الملقب بالمختار بن بّاهـْ، قرّر ـ بعدما تُوفي أبوه (غفر الله ذنوبه) ـ وتفرّكَ صدره(صار مثل فرّاكة) ، وضمُر بطنُه، وتأجّجتْ مكبوتاتُه، ورأى نفسَه قاب قوسين أو أدنى من الموت المعنوي والنفسي؛ قرّر أن يجمّع رهوط الحيوانات المدجّنة.
والعجيب أنها اجتمعتْ له. وهي واقفة على قوائمها وجالسة على القش؛ ومشرئبّة إلى خطاب سمعته وسمعه أسلافها من قبل، قال لها من نفس المنبر الذي اعتلاه أبوه في السابق:
ـ أخواتي، إخوتي... لقد استدعيتكم إلى هذا الاجتماع التاريخي لكي أقول لكم بأنني حلمت بالأمس... (قال هذا الكلام وسكت لينظر إلى وجوه الحيوانات؛ فوجدها أكثر كآبة من ذي قبل)؛ واسترسل يقول... أيْ نعم! (هذه استخرجها من دبر التراث)... أيْ نعم حلمت... حلمت بأننا صرنا أحرارا، وبأن العلف يتدفّق علينا من السماء، وبأنّ «السيّد» صار صديقنا، وصار يهتمّ لأمرنا، وبأنّه سيُقيل نائبه الذي قهرنا بالنقصان المتزايد لظروف عيشنا... وإنّي بهذا الكلام لا أدعوكم إلى القيام بالثورة، فزمن الثورات قد ولّي إلى غير رجعة، وصارت المطالبة بالإصلاح أفْيَدْ للجميع من الكلام الغليظ... لقد حلمتُ بأنني تقدّمتُ بملتمس إلى «السيّد» الذي أشكره على رحابة صدره، وحسن استماعه لي، وقال:«سيكون لكم ما تريدون».
عند سماعها لهذا الكلام المحلوم به، قامت الدوابُّ قومة رجل واحد، وردّدتْ هذا الشعار الآتي من بعيد:[لّي بْغيناهْ يكون يكون***بالفايْسبوك وُ التيليفون]. ولم يقاطعهم المختار بن بّاهـ إلا عندما رفع بعضهم هذا الشعار المكروه من طرف «السيّد»:[يا شهيد ارتاح ارتاحْ***سنواصل الكفاح].
قال الدّحش:«... ولقد حلمتُ بمن تستشهدون به جاؤوا إلي زرافات زرافات وطالبوني بالهدوء؛ ولهذا أطلب منكم أن تهدؤوا وأن نسير معا ـ مثل جميع الحُمُر والبغال والخرفان الحضارية ـ إلى بيت «السيّد» لنخبره بما يضرّنا وبما نريده منه. وهكذا سارت المدجّناتُ مسيرة مطلبية سلمية حضارية حتى باب بيت «السيّد».
غير أن الحمارـ الخطيب لمح كوماً من الهراوات هنا وهناك، ورهطاً من البشر يعتمرون البيريات، وبيطري، وسيارة إسعاف. فقال لمن وراءه:
ـ أخواتي، إخواني... اقترح أن نرجع إلى إسطبلنا لأجل أخبركم ببقية حلم أنسانيه الشيطان لعنه الله.
بعد أن تراجعوا إلى معيشهم اليومي الحقير، قال لهم:
ـ ... وجاءني ملاك قبيل الفجر وقال لي هذه الحكم ـ التي لو عرفتم قيمتها لما تأففتم من سوء عيشكم ـ قال الملاك:«.. الرزق من عند الله... وقال؛ الصبر طيّب ؛ وقال؛ الصوم جنّة... وقال؛ الزهد نعمة... وقال...
فقاطعه حمار شاب:
ـ وماذا عن النكاح؟
فرّد عليه الحمار ـ الحمار:
ـ ... وقال لي؛ النكاح أيمان... وبهذا نختم كلامنا إلا أن يأتينا الفرج.
بعدما افتُضّ الجمعُ، وتشتّتت الدوابُّ المُتعسة، وتبدّدت أحلامُها في العيش الكريم، وعادتْ إلى فقرها المعهود؛ بقي قائدُها رأساً لرأس مع تفكيره، وقال لنفسه:«بالنظر إلى ما حدث اليوم، يجب عليّ أن أجلس لوقفة تأمّلية، وأفكّر جيدا فيما عليّ الأخذُ به وفعله لأخرج شعبي من حياة الذل والعبودية» (يجب ألا ننسى أنّه يتقن فنّ الكلام).
وهو مستغرق في وقفته الجلوسية، جاءته دجاجةٌ درداء، بشفتين مُعكّرتين،وبطن مثقلة ، ونهدين مترهلين، و«قزّيبةٍ» أنهكتها الاجتماعات، وقالتْ له:«بالأمس ذبحوا زوجي بدعوى أنّه كان يوم عيد ميلاد، ولقد قوقأتُ وقوقأتُ طلبا للرحمة، وقلتُ لهم بأني حامل، ومع ذلك ذبحوه وريّشوه وصلبوه وسط قصعة كسكس، ونهشوا لحمه بتلذذ، والأنكى من ذلك، أنهم قدموا لي ولخالاتي فُتاتَ كُسكسهم مخلوطا ببعض من لحمه لنأكله... (تبكي)... فماذا تقول في هذه الحُـگْرة آسّي المختار بن بّاهـْ؟».
قال المختار:«ما لا تعلمينه ألالا الدجاجة، هو أن زوجَك السّي الفرّوج أبو راية حمراء... ماذا أقول؟... زوجُك ألالا وإن كان ينادي كلّ يوم إلى صلاة الفجر، فإنّه كان أخا شيوعيا كافرا (أخبرته بذلك؛ الوزغة الملعونة)... فلا تأسفي على موته؛ بل افرحي لأنّك سترزقين بخير منه في فيرما أخرى... والآن، انصرفي واتركيني لحالي!».
«حالي»؛ المقصود به هو هذه الأسئلة التي تسرّبتْ إلى عقله الحيواني من عقل ذلك الحيوان المُسمّى «بشر»:
1 ـ من أنا؟... إذا كنتُ حمارا بن حمار، فلماذا لم أتمسّك بأصلي كحمار بن حمار؟
2 ـ مع من أنا؟... إذا كنتُ حمارا بن حمار، فمالي والبغال والكلاب والماعز والبقر والدجاج...؟
3 ـ ماذا أريد؟ ... إذا كنتُ حمارا بن حمار فإرادتي لا يمكن أن تكون إلا تامّرَة والتبن والنكاح المفضوح.
4 ـ كيف أحقق ما أريد؟... هل بسَوق من هبّ ودب؟... هل باختيار ثلة من الأخيار؟...
5 ـ متى أطلب من «السيد» حتى يستجيب لطلبي؟
ولكوني حمار مثله، عرفتُ أيّ الأجوبة جاءته لتلك الأسئلة (أتلقى مكالمة هاتفية من صديق مشكوك في أمره يقول فيها:«ما تْقولشْ عْلى راسك حمار آسّي مصطفى»)...
في الغد، جاء نائب «السيد» مع نائبه بعربة فيها علف؛ ووضع أمام كل حيوان حفنة منه، ووضع أمام السّي المختار بن بّاهْ أضعاف ما وضع لغيره، وانصرفا.
هنا، قامت قائمة الثور، ورفس بها الأرض، وهمّ بالهجوم على زعيمه وهو يقول:«أنت خائن؛ تجرنا إلى الجهاد وتستفيد...» فردّ عليه:«لا تتهوّر أيها الثور... ألم أخبركم بأن الملاك الذي زارني قال بأن...» وقبل أن يكمل كلامه؛ جاء رجال شِدادٌ غِلاظ وكربعو الثور، ووثقوه، ثم خصَوْه... ومنذ ذلك الحين، والصبيان من الثيران تلعب بمؤخرته.
ولدت الدجاجة 20 فـ...رخاً؛ وبمجرّد أن رأوا المختار بن بّاه الذي صار حمارا بمعنى الكلمة، ورأوا أهليهم في التخلّف والخراء، شرعوا يتصايحون:«صيوْ صيوْ... صا صا... نْصيو صيو... سَنُصَوصِوْ حتى نْصَوْصوو ...» هذه الصوصة الشبابية لم تمنع من كان قائد لآبائها من الاسترسال في وقفته التأملية التي كانت جالسة وصارت منبطحة على بطنها؛ غير أنها جلبتْ صُداع الرأس ل«السيد» الذي قال لنائبه:«ماذا تقول هذه الصيصان، وما عددها؟». ردّ عددها عشرون وإنها تقول بأنّ عليك الرحيل».
ضحك «السيد» وقال:«أعطوها هذه».
في تلك الليلة؛ دلف نائب «السيد» إلى خمّ الصيصان، وأعطاهم هذه ألأشياء، وقال لهم:«لكل أربعة منك شيء؛ كفتة، كارطة، كرة، كِيف، كمامة» والذين منهم اختاروا الأربع الأوائل، بقوا على حالهم في اللهو والدوخة والعيش الكريه، أما من اختاروا الكمّامة، فلقد جاد عليهم «السيد» بما كانوا يحلمون به كَصيصان.
والحمار المختار بن بّاهـْ ما زال يفكر...


مصطفى أدمين

كاتب من المغرب

من نفس المؤلف