«العصا» مجموعة قصصية تحتفي بالطفولة

، بقلم مصطفى لغتيري

" الرجل الكبير ابن الطفل الصغير" مقولة عميقة صاغها فرويد بعد دراساته و أبحاثه العميقة في التحليل النفسي .. هذه الأبحاث التي أحدثت ثورة حقيقية في مسار الفكر الإنساني ، خاصة من خلال كشفها للبعد اللاشعوري في حياتنا ، ومركزيته في تحديد سلوكاتنا ، وتطور بنيتنا النفسية ، انطلاقا من الطفولة إلى أن نبلغ من العمر عتيا.
وتحيل المقولة أعلاه من بين ما تحيل عليه أن شخصية الإنسان الناضج تتشكل ملامحها النفسية الحاسمة خلال مرحلة الطفولة ، فتسمها بميسمها الأبدي اللازب.

وحين يصادف القارئ نصوصا أدبية تشكل الطفولة خلفيتها العميقة ، فلا يمكنه – حينذاك - سوى أن يتقوى أفق انتظاره ، ويضرب –بالتالي- لنفسه موعدا مع الإمتاع و العمق ، مثل هذه النصوص تخاطب لاوعينا الفردي و الجمعي العميقين ، وتفتح لنفسها كوى ، لتطل عبرها على المؤسس لذواتنا ، حتى و إن نجحت الذاكرة في تغييبه إلى حين.
إن المطلع على نصوص المجموعة القصصية " العصا" للقاص زهير الخراز ، ستستوقفه – لا محالة- تيمة الطفولة الطاغية على أغلب القصص ، إذ تضرب هذه التيمة عميقا في وهاد الطفولة و شعابها ، مؤثثة فضاءات القصص ، ليتضوع من ثناياها عبق الطفولة الأثير ، و كأني بها تشكل خلفية عميقة للحكي ، عمد القاص إلى توظيفها عن سبق إصرار و ترصد ، و لا أدل على ذلك من إضافة لفظة " حكاية " إلى بعض عناوين النصوص ، و استثمار الأطفال كشخوص فاعلين في الحكي ، بل و اعتبار بعض القصص صالحة للكبار و الصغار.

الطفولة حاضرة بقوة و عنفوان في قصة "حصان من قصب" ، تناولها القاص بنوع من "النوستالجيا" ، عبر توظيفه لتقنية الاسترجاع " الفلاش باك" ، فانسابت الأحداث محكومة برؤيا طفولية بريئة ـ تنظر إلى العالم من ثقب الذات الحالمة ، حتى أن سفر الأخ الأكبر لا يمكن تبريره إلا بإحضاره للعبة ، هي عبارة عن حصان آلي يعوض حصان الطفل القصبي ، الذي طالما نسج صحبته عوالم خاصة ، تفتح كوى على الحلم والفنطاستيك ، يقول السارد " تنصل الحصان القصبي ، من بين يدي و قفز جافلا يثير الغبار .. يصهل .. ينهق ، يستفز صمت الزقاق ، ويرفس أحلام "النصرانيات" النائمات في عز القيظ"ص 11.

تتألق الطفولة كذلك في قصة " حكاية ضرير " حين يجد القارئ نفسه وجها لوجه مع مغامرة طفولية ، حتما ستعود به القهقرى نحو الزمن الجميل ، زمن الطفولة ، المؤطر –دوما و أبدا – بشقاوة الصبا و التمرد على السائد ، والتوق إلى عالم يخلو من قسوة الكبار و أحكامهم القاسية .. الطفل في متن القصة فاعل ، قوي و مثابر .. أبدا لا يخضع للمتداول من الأفكار الخرافية ، رغم تجذرها في و عي و لاوعي من يحيطون به.. في غمرة الحماس يقتحم مقبرة يهودية ، مسيجة بهالة من الخوف ، تستقر في سويداء قلوب الأهالي ، لقد " حكوا له عن رجل تفرج على المقبرة عن قرب ففقد بصره ، وعن امرأة حامل مرت بالقرب من السياج ففقدت جنينها ... وعن عاشقين غرهما سكون المقابر ، اخترقا السياج ، فابتلعتهما أرض المقبرة" ص 24.. لم يبال الطفل بكل ذلك ، وتوغل في مدينة الموتي ، وعاد إلى أصدقائه حاملا معه دليل شجاعته ، فعل كل ذلك، فقط ليستحق زعامتهم.

وفي قصة " طفلة تحلم بالشمس " نالت صبية – هذه لمرة- شرف البطولة ، فكانت القصة بحق احتفاء بالأنوثة ، رصد النص الصبية و هي تتعثر بخطواتها في عالم الكبار ، يغزوها على حين غرة الحيض ، ترتبك ، تعقد الدهشة لسانها ، لكنها سرعان ما تستوعب الأمر ، وتتمرد ، ترفع عقيرتها زاعقة ، ورافضة للعبة الصمت التي يتقنها الكبار " فتشنجت و تمردت ثم خلعت ثيابها و وقفت بتحد عارية على مرأى من أمها و جدتها العجوز أخبراني.. دلاني و لو على خلل واحد في جسدي الخائب هذا.." ص58

وتواصل سمفونية الطفولة نسج أسطورتها الجميلة في قصة " العصا" التي اختارها الكاتب عنوانا لمجموعته ، إذ يتداخل في القصة عالم الكبار الحالمين بغد أفضل مع عالم الصغار المشبع بالحلم و التحليق في الأجواء الغرائبية ، فينخرطون في البحث عن العصا ، التي بإمكانها شف البحر و فتح طريق سالك نحو أوربا ، يجدون في البحث عنها ، بينما " طريدتهم المدللة تتراقص أمامهم مثل طيف من سراب .. تداعب خيالهم ، تسيل لعابهم ، تحصد عرقهم ، وتهمس لهم في غنج أنا خلاصكم ،وكانوا يعقبون في أنفسه نامي قريرة العين .. نحن في طريقنا إليك" ص 95 و إذا كانت تيمة الطفولة قد منحت مجموعة "العصا" لزهير الخراز تميزا ملحوظا ، يحقق –بلا ريب – متعة القراءة و عمقها ، فإن اللغة الشفيفة التي اعتمدها الكاتب في نصوصه ، والسرد الناضج ، تكاتفا معا لإضفاء جمالية ملحوظة على هذه المجموعة القصصية ، فشرعت – بالتالي – أبواب التوقع و الانتظار على مصارعهما لما سيخطه قلم هذا المبدع من نصوص قادمة ، ستكون –بالتأكيد- متميزة كسابقيها..