رسالة من تحت الماء

، بقلم إبراهيم خليل إبراهيم

انطلقت من بيت محمد الموجي أجمل الألحان التي تغني بها عبد الحليم حافظ الذي ارتبط بصداقة عميقة مع محمد الموجي رفيق مشوار الكفاح فعندما كان عبد الحليم يعمل بوظيفة مدرس موسيقى بالتربية والتعليم كان يستقل القطار ويذهب بعد انتهاء العمل إلى حارة قطاوي في العباسية حيث يسكن صديقه محمد الموجي وعندما كان يجده نائما كان عبد الحليم ينام على الكنبة الموجودة في الصالة حتى يستيقظ صديقه ويستمع منه إلى ألحانه التي كان يلحنها لكبار المطربين ويتناول معه وأسرته طعام الغداء وبعد الجلسة الفنية يعود عبد الحليم إلى بيت شقيقه إسماعيل شبانة الذي احتضن أشقاؤه بعد وفاة الأم والأب‏.

ذات مرة غضب محمد الموجي من صديقه عبد الحليم حافظ بسبب اتجاهه إلى أكثر من ملحن وتأجيل بعض ألحانه التي كان من المقرر أن يغنيها في حفلاته وكتبت عنها الصحافة وزاد غضب محمد الموجي وأيضا غضب بعض الملحنين وخاصة الذين تعاملوا مع عبد الحليم مثل محمد عبد الوهاب وكمال الطويل عندما قال على الهواء مباشرة فى حفل أضواء المدينة وهو يقدم بليغ حمدي : أقدم لكم بليغ حمدي أمل مصر في الموسيقى العربية.‏

أثناء وجود عبد الحليم حافظ في المملكة المغربية للمشاركة في الاحتفال السنوي الذي تقيمه المملكة تقابل عبد الحليم حافظ مع محمد الموجي وأحمد الحفناوي عازف الكمان وأعضاء الفرقة الماسية ومجدي العمروسي ونخبة من الشعراء والكتاب في أحد الفنادق الكبرى أثناء العشاء وأحمد الحفناوي قرر في هذه المناسبة عقد الصلح بين محمد الموجي وعبد الحليم حافظ وخاصة أن معظم الأغاني التي سيغنيها عبد الحليم في هذه المناسبة من ألحان الموجي‏ وأيضا كان أحمد الحفناوي قد استمع في فترة سابقة إلى قصيدة رسالة من تحت الماء للشاعر نزار قباني واختارها محمد الموجي ليلحنها وأصر أحمد الحفناوي على حجزها لعبد الحليم حافظ .

أثناء حفل العشاء عرض أحمد الحفناوي على الحاضرين فكرة غناء عبد الحليم لحن محمد الموجي لقصيدة رسالة من تحت الماء فرحبوا بها وصفقوا وقبل أن ينتهي حفل العشاء تقدم أحمد الحفناوي وأمسك بيد محمد الموجي ويد عبد الحليم حافظ وطلب من الجميع قراءة الفاتحة وفي نهايتها احتضن عبد الحليم صديقه محمد الموجي وتم الصلح وذهب أحمد الحفناوي إلى غرفة مجاورة ومعه أحمد فؤاد حسن ومحمد الموجي وعبد الحليم حافظ وأصر أن يغني محمد الموجي بصوته على العود مذهب رسالة من تحت الماء وانبهر عبد الحليم حافظ بالمذهب وغني مع صديقه محمد الموجي المذهب عدة مرات لدرجة أن أحمد الحفناوي سحب الكمان وعزف مع محمد الموجي مذهب قصيدة رسالة من تحت الماء‏ وحفظ عبد الحليم :

إن كنت حبيبي ساعدني ‏..‏ كي أرحل عنك
إن كنت طبيبي ساعدني ‏..‏ كي أشفي منك

ذات مرة استمع عبد الحليم حافظ لبرنامج حول الآسرة البيضاء الذي كانت تقدمه الإذاعية سامية صادق في البرنامج العام وقرأت في الحلقة كلمات قصيدة ( رسالة من تحت الماء ) فاتصل بها عبد الحليم وشكرها على الكلمات الحميلة فقالت : تحب أرسل لك القصيدة ؟ فقال : القصيدة عندي.

بعد حفل المملكة المغربية عاد عبد الحليم حافظ مع محمد والموجي ومجدي العمروسي وأحمد الحفناوي والفرقة الماسية إلى مصر وبعد يوم اتصل عبد الحليم حافظ بصديقه محمد الموجي في شقته الجديدة بشارع البراد بالعباسية وقال : أنا جاي بكرة البيت عندك لأسمع باقي اللحن وأسلم على الأولاد وأم أمين ( زوجة الموجي ) مكث عبد الحليم حافظ مع محمد الموجي حتى ساعة متأخرة من الليل‏‏ وفجأة وجد محمد الموجي صديقه عبد الحليم حافظ في حالة إرهاق وإعياء شديد فقال له : مالك يا حليم تشعر بحاجة ؟ قال عبد الحليم حافظ : مفيش حاجة يا محمد وطلب منه أن يصحبه إلي منزله لأنه يشعر بأن حالته غير طبيعية وعلى الفور اتصل محمد الموجي بمجدي العمروسي وأخبره بظروف عبد الحليم المرضية وبعد أن ذهب عبد الحليم إلى شقته بصحبة صديقه محمد الموجي حضر مجدي العمروسي ومعه الدكتور هشام عيسى الطبيب الخاص لعبد الحليم حافظ وكشف عليه وكانت حالته خطيرة‏ واتخذت الإجراءات وسافر عبد الحليم إلى المستشفي بلندن ومعه هشام عيسي ومجدي العمروسي وبرفقتهم محمد الموجي وأجريت الفحوصات اللازمة والتحاليل المطلوبة وتقرر إبقاء واستمرار عبد الحليم تحت العلاج وظل بالمستشفي وتمت عمليات نقل دم إليه وعاد محمد الموجي إلى القاهرة واستمر علاج عبد الحليم لفترة طويلة وبدأت حالته في التحسن .. في المستشفى طلب عبد الحليم حافظ من مجدي العمروسي الاتصال بمحمد الموجي لكي يرسل له القصيدة بصوته مسجلة على العود ليحفظها في المستشفي وتم ذلك وكان مجدي العمروسي يتردد مابين القاهرة ولندن ومعه شريط القصيدة بصوت محمد الموجي واندمج عبد الحليم مع كلمات نزار وطلب عبد الحليم حافظ من محمد الموجي إجراء بعض التعديلات في اللحن وخاصة في مقطع ‏ (إني أتنفس تحت الماء إني أغرق أغرق) بحيث يستخدم الموجي الآلات الموسيقية والأنغام التي تجسد حالة الغرق نفسها وهو ما فعله محمد الموجي عندما ربط بحنكته بعض الآلات الموسيقية مع جيتارين مختلفي الأداء ويعزف عليهما عمر خورشيد الذي نجح في اختيار نغمة من الجيتارين كأنها منبعثة من قاع البحر‏.‏

كان عبد الحليم حافظ يطلب نزار قباني بالتليفون ويسدد آلاف الجنيهات لأجل تغيير بعض الكلمات وكان يفعل ذلك أيضا محمد الموجي.

تحسنت حالة عبد الحليم حافظ وخرج من المستشفى وعاد من لندن إلى القاهرة مع مجدي العمروسي والدكتور وهشام عيسى وبعد عدة أيام زاره في بيته محمد الموجي وكمال الطويل ومحمد عبد الوهاب ومصطفي أمين وكمال الملاخ وأنيس منصور والدكتور مصطفي محمود وغيرهم‏.

أحمد فؤاد حسن قائد الفرقة الموسيقية لم يفارق عبد الحليم حافظ منذ وصوله إلى القاهرة إلا بعد أن يستغرق في النوم وتقرر أن يغني عبد الحليم حافظ قصيدة رسالة من تحت الماء في حفل شم النسيم بقاعة جمال عبد الناصر بجامعة القاهرة يوم ‏17‏ إبريل 1973 ولكن في إحدى البروفات استمر عبد الحليم في أداء القصيدة لمدة ساعتين ولذا سقط مغشيا عليه ودخل في غيبوبة تامة ومجدي الحسيني عازف الأورج أول من شعر بها فاستنجد بأحمد فؤاد حسن ومجدي العمروسي ومحمد الموجي وتأجلت البروفة ليوم آخر‏.

‏شهد هذه البروفة كمال الملاخ والشاعر الصحفي مصطفى الضمراني والتقط مصور جريدة الأهرام صورة لعبد الحليم حافظ أثناء سقوطه من فوق الكرسي بسبب الإغماء والدخول في غيبوبة ونشرها كمال الملاخ في صدر الصفحة الأخيرة لجريدة الأهرام وعلق عليها بشأن مرض عبد الحليم التي تسبب في تأجيل حفل الربيع لمدة ثلاثة أشهر أخرى لحين إتمام شفائه‏‏ مما جعل التليفونات لا تنقطع في بيت عبد الحليم حافظ للسؤال عن صحته .

اشتد المرض على عبد الحليم حافظ وبعد ثلاثة أسابيع من العلاج الذي كان يشرف عليه طبيبه الخاص الدكتور هشام عيسي عاد عبد الحليم إلي البروفات مرة أخرى استعداد للحفل الذي تقرر أن يقام يوم ‏5‏ أغسطس‏ عام 1973 بدلا من يوم ‏17‏ أبريل وذات مرة وفي ساعة متأخرة من الليل انتهت البروفة واستعد الجميع للانصراف فإذا بعبد الحليم حافظ يفاجئهم بطلب لم يتوقعه أحد وهو إجراء البروفة النهائية للقصيدة فقال له محمد الموجي وأحمد فؤاد حسن : كفاية النهارده كده يا حليم أنت تعبت وخلي البروفة النهائية بكره ولكن عبد الحليم أصر علي ذلك وجلست الفرقة الموسيقية بأكملها مرة أخرى وطلب عبد الحليم من مهندس التسجيل تسجيل البروفة كاملة على التسجيل‏ وانتهت البروفة مع صوت أذان الفجر.‏
في صباح اليوم الثاني تلقي عبد الحليم حافظ اتصالا هاتفيا من الشاعر نزار قباني يسأل عن صحته وما إذا كان الحفل سيقام في موعده أم أن هناك تطورات ؟ فطمأنه عبد الحليم حافظ وأخبره بأن الإذاعة سوف تنقل الحفل على الهواء مباشرة وأيضا سنقله التليفزيون وأنه سيذهب مع الفرقة لإجراء بروفة نهائية على المسرح قبل الحفل بساعتين .

جاء موعد الحفل‏‏ واكتظت قاعة مسرح جامعة القاهرة بالجمهور‏ وبعد فتح الستار ظهرت الفرقة وقرأ مذيع الحفل القصيدة كاملة وظهر عبد الحليم حافظ واستقبله الجمهور بحفاوة بالغة‏ وبدأ عبد الحليم الحفلة باغنية أحلف بسامها وبترابها كلمات عبد الرحمن الأبنودي وألحان كمال الطويل وقاد للفرقة الموسيقية أحمد فؤاد حسن وغني حليم في هذه الحفلة رسالة من تحت الماء وكان الجمهور في قمة الإنصات إلى عبد الحليم حافظ وكان الشاعر نزار قباني يستمع إلى القصيدة وسجلها وهو في منزله بسوريا وبعد انتهاء اتصال هاتفيا بعبد الحليم حافظ وبارك نجاح القصيدة وشكره عبد الحليم حافظ وقال مجدي العمروسي للشاعر نزار قباني أن الحفل تم تسجيله بالكامل‏‏ وأن قصيدته ستطرح في الأسواق للجمهور في جميع الأقطار العربية بأداء عبد الحليم كما هو ومن الحفل مباشرة مع تصفيق الجمهور‏‏ بالإضافة إلى قصيدة يامالكا قلبي غناها عبد الحليم حافظ وأغنية عاطفية أخرى وأصبحت قصيدة رسالة من تحت الماء حديث الناس في مصر والدول العربية وبسببها نفدت كل دواوين نزار قباني من المكتبات الأمر الذي أثار انتباه موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب والفنانة نجاة الصغيرة للبحث عن قصيدة أخرى لنزار قباني لتكون من نصيب نجاة‏.‏

من نفس المؤلف