بعض الاتجاهات الشعریة فی عصرالنهضة حول المراة

، بقلم مقصود عباسي

المقدمة:
عصر النهضة كان حركة ثقافية أثرت بعمق على الحياة الفكرية الأوروبية في الفترة الحديثة المبكرة. بدأ في إيطاليا، وينتشر إلى بقية أوروبا من القرن السادس عشر، وشُعر بنفوذها في الفلسفة والأدب والفن والموسيقى والسياسة والعلوم والدين، وغير ذلك من جوانب التساؤلات الفكرية. علماء عصر النهضة استخدموا الأسلوب الإنساني في الدراسة، وبحثوا عن الواقعية والمشاعر الإنسانية في الفن.
النهضة العربیة او حرکة التنویر العربیة، هی الحالة الفکریة و الاجتماعیة التی سادت اساسا فی مصر و سوریا، و امتدت لتشمل عواصم عربیة اخری کبغداد و فاس و مراکش.رفع اغلب رجال النهضة شعارات الثورة الفرنسیة بالحریة و العدالة و المساوات کما تاثروا بفلاسفة عصر الانوار الاروبی، کان من سمات النهضة،انتشار المدارس و الجامعات، تاسیس الصحف و المجلات، والاهتمام بالعلوم. انتقدت النهضة بوصفها محصورة بالطبقات العلیا الارستقراطیة فی المدن، و لم تمس الاریاف و جماهیر الشعب العریضة الا بشکل هامشی.

الکلمات الدلیلیة:عصر النهضة،الاتجاهات الشعریة، المراة

أ- الاتجاه التقلیدي:

«بدأ الشعراء في عصر النهضة بالسیر في رکب الأقدمین َ، مِن حیث الأوصاف المادیة والتشابیه و الأستعارات و لکنهم سرعان ماتحرَّوا مِن ربقة الماضي و أدخلوا علی الغزل صوراً جدیدة، حَلَّلوا معها العواطف أجمل تحلیل و صوّروا فیها النزوات و الخلجات أصدق تصویر.». [1]

«بدأ شعراء مدرسة الإحیاء بتقلید الشعراء العرب القدماء في تعدد الأغراض داخل القصیدة و الإفتتاح التقلیدي بالغزل و النسیب، و اعتماد هم في القصیدة علی وحدة البیت بحیث یکون البیت بمفرده أومع بضعة أبیات مستقلاً عن غیره مِن أبیات القصیدة، و العنایة بالأسلوب، و اختیار الألفاظ الضخمة الفخمة الرصینة مما جعل الجانب البیاني یتغلب علی المضمون أحیاناً، و متابعة القدماء في أغراضهم و موضوعاتهم مِن مدح و الغزل ورثاء و فخر و اقتباس المعانی و الصور و الموسیقي مِن کبار الشعراء القدامي، و مِن ذلك: ذکر الرسوم و الوقوف علی الأطلال و الخیام و الرعیان، و الاستعارة الفاظ الشعر القدیم، کعیون المها و ملاعب و الآرام، و مناجاة الصاحب واالخلیل » [2]«و من هؤلاء الشعراء محمود سامی الباروديقد تحلّل مِن کل تلک القوالب القدیمه و ترفّع في نظرته لِلمرأة، فحسبه منها نظرة:

إني لِأقنعُ مِن هَواكِ نظرةً
و أعدُّها صلةُ إذا لم تمنِعي
هذي مُنايَ و حبَّذا لو نلتُهَا

عَنْ طیبِ نفسي فهي أکبرُ مُقنِعِ» [3]«و هذا المعنی قدیم طرقه جمیل بُثینةَ مِن قبل في قوله:

وَ إنّي لِأرضی مِن بُثینةَ بالذي
لو ابصرهُ الواشی لِقرَّت بلابلَهْ
بلا و بألاّ أستطیعُ و بلمُنَی
و بالوعدِ حتَّی یَسأمَ الوعدَ آملَهْ
و بالنظرةِ العجْلی بلحول تنقضِی
أواخِرهُ لا نَلتقي و أوائلَهُ» [4]و کذلك إستعمل أحمد شوقي العبارات القدیمة، فقال:

«مَشتْ علی الجِسرِ ریماً في تلفُّتِهَا
للنَّا ظرینَ و باناً في تثنّیهَا
کأنَّ کل غوانیْهِ ضرائِرُهَا
عُجباً و کلُّ نواحیْه ِ مرائیها» [5]

ب - الاتجاه التنویري:

إرتفعت في هذا العصر أصوات الأدباء المنادین بتحریر المرأة و إعطائها حقوقها الکاملة في المجتمع.
و مِن أبرز هؤلاء قاسم أمین « کان بعض المفکرین یرون وجوب سفور المرأة و مساواتها بالرجل في کل شئ، إلا أنهم لم یجرؤوأ علی الجهر بآرائهم في ذلك الوقت لِتمکُّن عادة الحجاب مِن النفوس، حتی ظهر قاسم امین، فرأی أنّ المرأة المسلمة محرومة مِن العلم، ترسف في قیود مختلفة تقیّد حریَّتها و تقف حاجزاً دون عملها الاجتماعی و القیام بمهمتها التربویة، و رأی أن جهلها یَحطّ مِن شأنها الاجتماعی و یبعدُ مابین عقلیّتها و عقلیة رجلها، فراح ینادي بالحریة ووضع کتاباً سماه (تحریر المرأة) و الذی قال فی کتابه» [6]فمن طبیعة هذه الحالة أن الإنسان لایحترم إلا القوة. و لما کانت المرأة ضعیفة اهتضم الرجل حقوقها و أخذ یعاملها بالاحتقار و الامتهان، و داس بأرجله علی شخصیتها. له العلم و لها الجهل له العقل و لها البله. له الضیاء و لها الظلمة و السجن. له الأمر و النهي و لها الطاعة و الصبر.له کل شئ في الوجود و هي بعض ذاک الشئ الذی استولی علیة. “ [7]

« ولکن حافظ إبراهیم لایدعو المراةَ إلی الحریة المطلقة و یدعو الي الرعایة الحالة الاعتدال، کما یقول فی قصیدته:
أنا لا أقولُ دعُوا النساءَ سوا فِراً
بین الرِّجالِ یجُلَن في الأسواق ِ
یَد رجنَ حیث أردنَ لٰا مِن وازع ٍ
یحذرنَ رُقبته و لا مِن واق ٍ
کلّا و لا ادعوکُمْ أن تسرفُوا
في الحُجُبِ و التِّضییق و الإرهاقِ
فتوسَّطُوا في الحالتین و انصفُوا
فالشرُّ في التضییق و الإرهاق.» [8]

« أما معروف الرصافي فنادی بإعطاء المرأة حقوقها، واعتبرها مظلومة فی أواسط المجتمع الشرقي، وردّ ذلَّ الشرقیین، إلی نشوئهم في أحضان الذلیلات:

ألم ترهُم أمسُوا عبیداً لِأنَّهم
علی الذُّلِّ شَبُّوا في حُجُورِ إماءِ
وهانَ علیهم حین هانَتْ نساؤهُم
تحمُّل جورُ السَّاسةِ الغُرباءِ» [9]

« و تحدَّث الرصافي عن ظلم الأهل لِلفتاة في الزواج، لِأنهم طمعوا بالمال و أکرهوا تلك الورده المتفتحة علی العیش مع ذلك الکهل المتصابی. فهي مِن أجمل الکواکب السماویة، و یریدون أن یزوّجوا بکوکب نحس، لمعت أمواله فبهرت عیون و عقول الوالدین، و هانت علیها سعادة الفتاة مِن أجل الحصول علی الاموال:

ظلموکِ أیّتها الفتاةُ بجهلِهمْ
إذ أ کرهوکِ عل الزّواج ِ أشیباً
طمعُوا بوُفْرِ المال منه فأخجلوا
بِفُضُولِ هاتیك المطامع أشعبَا
أفکوکبٌ نحسٌ یُقارنُ في الوَری
مِن سَعْدِ أخبیة الغوانِي کوکبَا» [10]

ج – الاتجاه المثالي:

« رأی معروف الرصا في أن لِلمرأة دوراً هامّاً في المجتمع. فهي مدرسة تعلّم البنین و البنات. کما تقاس اخلاق الأبناء بأخلاق الأمهات. و هذا ما بدا و اضحاً في قصیده ( التربیه و الأمهات):

فَحُضنُ الاُمِّ مدرسة تسامَتْ
بتربیتةِ البنیْنِ أو البنَاتُ
و أخلاق الولید تُقاسُ حُسنا
بِأخلاَق ِ الأُمَّهات الوالِدات ِ » [11]

«و رأی حافظ ابراهیم أن لِلمرأة مکانتها السَّامیة المرموقة. و مصدر لِلعطاء الوافر. فهی مدرسة تخرِّج الأجیال العریقة الأنساب إن أعدَّت الإعداد الصحیح، و هي جنة زاهرة، مُخضلَّة بالأوراق و الثمار و النعمی، إن جاءها الغیث و تعهَّد ها المطر. و إن أي تاخیر في الشرق یعود إلی تأخر المرأة:

مَن لي بتربیة ِ النّساء فإنَّها
في الشّرق‌ ِ علَّة ذلک الإخفاق ِ

الأُمُّ مدرسةُ إذا أعددتَها أعدَدتَ شعباً طیِّبَ الأعراقِ
الأُمُّ رَوْضٌ أنْ تعهَّدهُ الحَیا
بالریِّ أورق أیَّما اوراق‌ِ» [12]

«و أعطی خلیل مطران صورة المرأة المثال فی الشجاعة و القتال. فهو رأی أنها یستطیع المحاربة کما الرجال ببسالة و بأس و إرادة، و أشار إلی أن فتاة الجبل الأسود هي رمز ِلتحریر الاُوطان:

فما بلد تفتدیةِ النِّسا ءُ کهذا الغداء
بِمستَعبَدِ » [13]

« و صوّر کذلك جرأة المرأة و بسالتها، و ثقتها بنفسها، واقفة أمام الملك، مستخفَّة به ورعیَّته:

ما کانت ِ الحسناءُ ترفعُ سِترَها
لوْ أنّ في هَذي الجُموع ِ رجالاَ»

« و وصل أحمد زکي أبوشادي ألی احترام المرأة و تقدیسها و رفعها إلی مراتب العباده:

أنْفَقْتُ فیك ِ عبادَتي و سعادَتي
إنْفاقَ إیْمَانِ بِجُودِ إلهي
و عرفْتُ فیكِ لذاذتي و تأوُّهِي
سیَّانَ حظُّ فؤادِي الأوّاهِ
وعشقَتُکِ العشق َ الذّي لاینتهِي
دینٌ فُتِنتُ بِه و لستُ أباهی » [14]

د- الاتجاه العاطفي:
« إبراهیم ناجي في قصیدته «الأطلال » یتحدث عن قصة حب حزینه لعاشقین تحابَّا و تقوّض حبها. فأصبح العاشق أطلال روح، و أصبحت العاشقة أطلال جسد:

یا فُؤادي رَحمَ اللهُ الهَوی
کانَ صرْحاً مِن خیالٍ فَهوَی
أسقِني و اشربْ علی أطلالِه ِ
وٱروِ عَنِّی طالما الدَّمعُ روَی
کیفَ ذاكَ الحُبُّ أمْسَی خبراً
وحدیثاً مِن أحادیثِ الجَوی
وبِساطاً من ندامَی قلَّمَا
هم تواروا أبداً وهو انطوی. “ [15]

« فأحمد زکی أبوشادي، شعر أنه قد لثم أحلامه الجمیله، و أطیاف ربیعة الخصب، و ضمَّ هالة مِن النور. إنه شبقٌ لایشبع، و نهم ٌ لایملُّ حتی یحقّق رغبته في تمازج الروحین.
قبَّلتُها فلثمتُ أحلامي و أطیافَ الرَّبیع
وضَمَمْتهَا فَضَممتُ أَغلی النُّور مِن ربٍّ ودِیعِ
لا الرُّوحُ تشبَعُ لا ولا قلبی بحفق یتَّئدْ
نهمٌ علی نهمٍ و... وجود لایملّ و لا یُحَدْ
حتّی إذا سقط الرِّداءُ و قد یرادُ سقوطهُ
هَرعَ الَوی لِلحُسنِ یحمُي مِلکَهُ ویُحیطه
رُوحان ِ قد خُلِقا کما خُلِقَ الضِّیاء مع الحرارهْ
یتمازجانِ تها فتاً و کلاهما قد نال تارَة» [16]

هـ - الاتجاه العدواني:

« شاع الحدیث بین الشعراء عن المرأة المخادعة. فقال أحمد شوقي في حسناء غانیة، لم تکن صادقة في حبِّها:
خدعوهَا بقولِهم حسناء
و الغواني یغَرُّهُنَّ الثَّناءُ
أتُراها تناست اسمي لمَّا
کثُرَت فی غرامِها الأسماءُ
أن رأتنی تمیلُ عنِّي کأن لم
تك بیني و بینِها أشیاءُ» [17]

« و قال خلیل مطران فی خداع المرأة فی قصیدة « الجنین الشهید » التی عرف الشاعر حقیقتها و عرف أشخاصها:
و تکذِبُ في میلادِها و ولائهَا
تکذِبُ في میعادها و رجائِهَا
و زُرقَةِ عینیهَا و برْدِ صفائِهَا
حُمْرَةِ خدَّیْهَا وورد حیائِهَا
و في عطفها المُضنیَ و في ردفِهَا العَبْل» [18]

النتیجة:

یمكن أن ننظر إلى عصر النهضة على أنه محاولة من قبل المفكرين لدراسة وتطوير الجانب العلماني والدنيوي، من خلال إحياء بعض الأفكار القديمة بالإضافة إلى إيجاد مناهج فكرية جديدة ومبتكرة. نهض الشعر في هذا العصر مع نهوض الآداب و العلوم و الفنون، و لیس غریباً أن یتَنکب الشعراء بعض الآغراض الشعریة القدیمة، التي لاتتّفق مع روح العصر،‌عصر العلم و النور و الحریة‌ و المساواة، فخفتَ صوت المدیح و الهجاء و الفخر و الوقوف علی الأطلال، و إرتفع في المُقابل صوت الغزل و الوجدانیات و الوطنیّات و الموضوعات الإنسانیة و الفکریة و الإجتماعیة.

أصبح الشعر في هذاالعصر تعبیراً التجربة النفسیة الکاملة و جاء في أسلوب رو منطیقی و رمزی کما جاء واقعیاً منسجماً مع التقدم الحضاري.

إرتفعت في هذا العصر أصوات الأدباء المنادین بتحریر المرأة و إعطائها حقوقها الکاملة في المجتمع.کان بعض المفکرین یرون وجوب سفور المرأة و مساواتها بالرجل في کل شئ.بعض لایدعون المراةَ إلی الحریة المطلقة و یدعون الي الرعایة الحالة الاعتدال،بعض ینادون بإعطاء المرأة حقوقها، ویعتبرونها مظلومة فی أواسط المجتمع الشرقي. تحدَّث البغض عن ظلم الأهل لِلفتاة في الزواج. رأی العض أن لِلمرأة دوراً هامّاً في المجتمع. فهي مدرسة تعلّم البنین و البنات. کما تقاس اخلاق الأبناء بأخلاق الأمهات، أن لِلمرأة مکانتها السَّامیة المرموقة. و مصدر لِلعطاء الوافر. فهی مدرسة تخرِّج الأجیال العریقة الأنساب إن أعدَّت الإعداد الصحیح، و هي جنة زاهرة، مُخضلَّة بالأوراق و الثمار و النعمی، إن جاءها الغیث و تعهَّد ها المطر.

المصادر و المراجع:

1-إبراهیم، حافظ:الدیوان، تحقیق أحمد أمین،أحمد الزین، إبراهیم الابیاری، الطبعةالثانیة،الهیئةالمصریة العامة للکتاب،القاهرة،1980م.
2-أبوشادي،أحمد زکي:أطیاف الربیع،مطبعة التعاون،قاهرة،1933م.
3-أمین،قاسم:تحریرالمرأة،دون النشر، 1899م.
4-البارودي،محمود سامي:الدیوان، ضبطه وصححه وشرحه علی الجارم ومحمد شفیق معروف،المطبعة الأمیریة،القاهرة، 1954م.
5-خور شا، صادق: مجانْي الشعرالعربي الحدیٍثة ومدارسة، سمت، طهران، 2007م.
6-الرصافي،معروف:الدیوان، دار العودة، بیروت،1986م.
7-شوقي،أحمد: الشوقیات، الطبعة العاشرة، دارالکتاب العربي، بیروت،1984م.
8-الفاخوری، حنا: تاریخ الأدب العربي، الطبعةالثانیة، توس، طهران، 2007م.
9-مطران، خلیل: الدیوان، مطبعة دارالهلال، مصر، 1949م.
10-ناجي، إبراهیم: الدیوان،تحقیق أحمد رامي،مصر، 1961م، دارالمعارف.
11-ناصیف، إمیل، أروع ما قیل في الحب والغزل، الطبعة العشرون، دارجروس برس، طرابلس، دون تاریخ.

حواشي

[1ناصیف،امیل:اروع ماقیل فی الحب و الغزل،ص91

[2خورشا،صادق،مجانی الشعر العربی الحدیث و مدارسه،ص63

[3سامی البارودی، محمود، الدیوان،ج1،ص191

[4جمیل بثینة،الدیوان،ص83

[5شوقی احمد،الشوقیات،ج2،ص145

[6امین،قاسم،تحریر المراة،ص15

[7تاریخ الادب العربی،ص1056

[8حافظ، ابراهیم، الدیوان،ص279

[9الرصافی، معروف، الدیوان، ج2،ص127

[10م.س.ص135

[11م.س.ص145

[12ابراهیم،حافظ،الدیوان،ص271

[13مطران،خلیل،الدیوان،ص183

[14زکی،احمد،الدیوان،ج2،ص104

[15ناجی،ابراهیم،الدیوان،ص341

[16زکی، احمد، اطیاف الربیع،ص191

[17شوقی،احمد،الشوقیات،ج2،ص112

[18مطران،خلیل،ج1،ص233


مقصود عباسي

كاتب إيراني

من نفس المؤلف