السبت ١٥ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٦
بقلم أنمار رحمة الله

التضاؤل

أستيقظ (وديع) من نومه وكأنه لم ينم لساعات طويلة،فقد كان التعب مستوطناً في مناطق متفرقة في جسده،وما أن استقرت الصورة حوله، حتى قفزت إلى رأسه صورة زوجته وصوتها اللذين لم يقو على مجاراتهما، بعد عراك طويل في الليلة الماضية. أنتبه إلى صوت زوجته في المطبخ:(قم أيها الكسول...ينتظرك عمل شاق...حاول أن تغتسل بصورة أفضل،فزنخ الأصباغ عالق بك منذ البارحة).ثوان مرت ووديع يفكر في المشهد ذاته، زوجته التي تعمل أستاذة في علم (البيولوجيا)،تجهز الفطور لتخرج مسرعة إلى الجامعة،توبخ زوجها أستاذ الرسم الذي ترك وظيفته ليتفرغ للوحاته،متهكمة من ولهه بالفن– كما تقول- أنه هرول وراء أشياء ستنتهي به إلى الفقر أو الجنون.

مرَّر كفيه على رأسه فاركاً،ثم نهض من فراشه متوجها نحو الحمام،بعد أن لبس نعله المركون.خرجت من فمه صرخة تعجب،أثارت الفضول في قلب زوجته التي مدت عنقها،لترى زوجها ينظر إلى النعل،وهو يشير بيديه هاتفاً:(لقد كَبُرَ نعلي !).لم تفهم زوجته العبارة قائلة من دون اهتمام (تفاهة أخرى..؟).لكن الرجل أقسم لها أن النعل قد كَبُرَ،وأن رُدْنا القميص قد طالا أيضا، وسرواله صار يسحل طرفاه من الطول.أنهت الزوجة فطورها،وخرجت حاملة حقيبة أوراقها ومحاضراتها صوب الجامعة،تاركة وراءها زوجها،الذي رجع إلى غرفته متلفعاً بالصمت.أخرج وديع جميع ملابسه،ثم لاحظ أن الملابس جميعها قد كبرت،إلَّا بذلة العمل التي يلبسها في مشغله حين يرسم.حينها فكر من جديد،وقال في نفسه مندهشاً:(هل الملابس كبرت،أم حجمي الذي تضاءل؟!).

في الليل حين اجتمع وديع بزوجته مرة أخرى،أطلق عيار الحديث حين ذكّرها بحادثة الصباح.ردت عليه زوجته بنبرة مشحونة بالانتصار، تعلن فيها صواب رأيها فيه دائماً.ثم عادت لترديد عبارات تعود على سماعها وديع مثل (أنت رجل متكاسل) و (هذه نهاية العزلة والشخبطة)، فرد عليها بصوت مبحوح بعد أن أحمرت عيناه:( حالتي أفضل من حالة امرأة تعيش مع الأوبئة... حماقة كبيرة أن يعيش المرء بين مجاهر وعيّنات ). تشاجرا من جديد،،لعنته ولعنها،ثم دلفت إلى غرفة بحوثها المكتظة بالعينات والمجاهر والميكروبات.وهو دخل إلى غرفته ليقفل النور وينام بعد أن تذكر أن وراءه غداً مشاريع لوحاتٍ لم تُرسَم بعد.في اليوم التالي نهض (وديع) من فراشه ليجد زوجته قد غادرت البيت مبكرة.أحس بالدوار حين تراءت له الغرفة كبيرة كسفينة والسرير كساحة.نهض على مهله،أراد أن تصل رجلاه إلى الأرض فلم تقدرا.حينها عاين المنظر فوجد أن المسافة بين رجليه والأرض تبعد ثلاثة أضعاف المسافة. أطال النظر في أشعة الشمس المتسللة،والتي بدورها أثبتت له بالدليل القاطع، أنه لم يكن في حلم. تسلق على الشرشف ونزل بصعوبة إلى الأرض،راكضاً صوب كومة الملابس.فتبين أن ملابسه صارت كملابس عملاق.لم توافق بدنه في تلك اللحظة سوى بذلة العمل.هرول صوب الباب خارجاً نحو الصالة،كان كل ما يحيطه اكبر حجماً من السابق.فأضطر إلى عدم المغادرة في ذلك الصباح منتظراً زوجته.بعد ساعات من الريبة والقلق القاتل.دخلت زوجته إلى المنزل.طالعته منزوياً في إحدى زوايا الصالة،فهدرت من فمها ضحكة عالية،عالية جداً أزعجت أذنيه الصغيرتين اللتين بدتا تتحسسان الأصوات بتركيز أكبر.كانت تضحك وسبابتها تمتد نحوه منتصرة.حملته كطفل وأقعدته على السرير،وهو يطالعها تغير ملابسها،فرمت عليه سترتها التي خنقته بحجمها السميك،سامعاً من وراء مسامات السترة صوت زوجته الهادر بالضحك،والمغادر شيئاً فشيئاً فضاء الغرفة صوب الصالة.في المساء لم يجد (وديع) ثوباً يلبسه غير بذلة العمل المبقعة بالألوان الخاصة به،مستعيناً على برودة الجو.تجدد تهكم زوجته به من جديد،فانفجر هذه المرة صارخاً،بصوت يشبه صوت الرضيع حين يبكي.فردت عليه زوجته بقرصة أذن قاسية وهمست فيها: (حتى وأنت قزم تُصرُّ على عنادك ).عاش تلك الليلة كئيباً،وزاد حزنه حين وضعته زوجته في سرير صغير للرضع،كانت تدَّخره لطفل لم يأت.
في الصباح تفاجأ حين جلس من نومه،وقد وجد نفسه نائماً على سطح لامع بارد.صرخ مذهولا حين رأى عيناً كبيرة في أنبوب موجه نحوه تطالعه من الأعلى.اختفت العين،وظهرت من وراء الأنبوب زوجته مبتسمة.همست فيه موضحة أنها وضعته على قطعة زجاجية مختبرية،في مجهرها داخل غرفة الأبحاث الخاصة بها.لقد صار حجم (وديع) صغيراً جدا،لدرجة انعدام رؤيته بالعين المجردة.قبل أن تخرج زوجته إلى الجامعة،رمت نحوه بكائن مجهري غريب،بدا كأنه قطعة هلام لزجة..همست:(هذا غذاؤك،كل فأنت بحاجة إلى غذاء كي لا يتضاءل حجمك أكثر).بعد سويعات وحين عادت الزوجة من عملها،وجدت زوجها يرقد ملتحفاً ذراعه،وقد ذبل وجهه.أيقظته بنقرات على الزجاجة أفزعته من نومه.بدأ يلوح للعين التي تطالعه في عدسة المجهر.أراد التكلم معها،لكن زوجته لم تستطع سماعه، ثم تركته بعد أن أغلقت ضوء المجهر والغرفة،وقد غطَّ فضاء الغرفة بظلام دامس.

في صباح اليوم التالي،نهضت الزوجة من نومها،جهزت الفطور،تناولته برفقة صوت مذيع الأخبار،وهي تفكر في زوجها الراقد في غرفة الأبحاث.نظرت إلى باب الغرفة طويلاً قبل أن تقرر الدخول.نهضت صوبها لترى ماذا حل بزوجها الراقد هناك.أضاءت المجهر،ودست عينها في عدسته،لم تشاهد شيئاً سوى الكائن المجهري المقطع..أطفأت مجهرها،تناولت حقيبة أوراقها الجامعية. خرجت من المنزل وهي تفكر في محاضرتها الأولى لهذا اليوم.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى