رواية غريبة تربط قيدًا وتفك الآخر عن ذات المرأة

، بقلم رشا السرميطي


مسك الكفاية – سيرة سيدة الظلال الحرة – كما أسماها الكاتب باسم خندقجي، المقيدة كما رأيتها بأغلال الرغبة والشهوة وما تريد من سلطة ومنعة ونفوذ. روايته الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون في عام 2014م، كانت من أغرب الروايات التي قرأتها هذا العام، إذ تصنف ضمن باب الرواية العربية التاريخية التي انتشرت كتابتها في أواخر القرن العشرين، وكان من أشهر كتابها: جورجي زيدان، سليم البستاني، أمين معلوف، نجيب محفوظ وغيرهم...

ها هو باسم خندقجي ينشر روايته التاريخية محاولاً وصف تاريخ الدولة العباسية من حيث: مجالس الحكم، أحوال الرعية، الجواري، مجالس السمر، الحروب، وغيرها، كاشفًا بذلك الستار عن تلك الرايات السوداء التي كان لها عزها قديمًا، وكيف يبلغ الحكم بالدَّم والجواري، معريا الشخصيات التاريخية الحقيقية إبان الصراعات على الخلافة والإمارة آنذاك، ممازجًا ذلك كله بأحداث ماتعة ملأت أركانها شخصيات خيالية رسمها من وحي حبر القلم، وأخرى وهمية ذات ضرب من الشعوذة والضلال وما وراء المجهول، مرتكزًا على شخصيته الأولى " المرأة" التي أسماها المقاء.

في بداية روايته يشير باسم لقرائه بأنَّ ما كتبه ضرب من جنون وذهول وحزن ص(5)، وفي واقع ما قرأته وجدت هذه الثلاثة قد تعاركت أمام قلم كاتب مثقف، محلل، ولديه اطلاع عميق، اتضح ذلك من اللغة الرشيقة المستخدمة في بناء نص الرواية، والصور البلاغية الأنيقة في رصانة بنائها، كما أبيات الشعر التي دمجها بين أسطر روايته لتزيدها ألقا وجمالا فتبدو أبهى بفصاحة نظمها.

أخذ باسم بنظريات الفيزياء الحديثة عندما كتب " مسك الكفاية" حيث سافر نحو الماضي وتقمص أدوار عهود سابقة بشخصيات مختلفة ومتنوعة كانت البطولة فيها لامرأة تدعى " المقاء " أو " الخيزران"، وما هذه المحاولة إلا سفر عبر الزَّمن، كانت ذات أبعاد فلسفية عميقة، وقدرة على التحليل والربط بذكاء. ولعل السؤال الملح على ذهني كقارئة:

لم سافر باسم إلى الدولة العباسية الآن ورجع بقرائه لآلاف العقود الماضية ؟

ربما كان سوء الحال الذي خيم على أرجاء الوطن العربي، وما حل بالعراق ولبنان واليمن وفلسطين وسوريا وما سيحل في بقية مشارق العرب، هو السبب الذي دفعه للرجوع للوراء كي يفهم ما يجري الآن، وليجد ضالته عن مذلة أهل العز من الأمة الاسلامية تحديدًا. وعلى الطرف الآخر أراد باسم أن يتعلم ويعلم قراءه تاريخ الدولة العباسية من هذه الرحلة البحثية التي تكبد مشاقها لتخرج لنا روايته " مسك الكفاية" فتكسر أغلال الأسر، وتهدم الحواجز العسكرية التي تحجب جسده عن النور، لتحلق بنا كلماته هادرة بالمعنى الحقيقي للحرية. الحرية التي لن يفهم معناها إلا من فقدها، ولا يعرف القارئ البتة كيف استطاع باسم اخراج هذه الرواية، وأي ظروف صعبة مرت بهما الكلمات لتخرج من مخاض العتمة لنجومية النجاح الباهر، الذي يسجل لصالحه كروائي فلسطيني، مما يغفر له أيضًا زلاته في تنسيق الرواية من النواحي الإملائية والنحوية وكذا اللغوية ببعض المواطن.

أيكون باسم قد حاول من خلال هذه الرواية جعل الفن الروائي خادما للتاريخ وغايته في ذلك تثقيف وتعليم قارئه على غرار أقرانه ممن سبقوه في كتابة الرواية التاريخية ؟

نعم هذا ما وجدته خلال مروري على صفحات الرواية حيث وجدتني أمام مسلسل ذي حلقات مشوقة، قسمها باسم إلى فصول، ويمكن اختزالها أيضًا لتكون مسرحية بمشاهد واضحة المعالم، تبدأ بالمقاء لتنتهي بأميرة المؤمنين ووليها هارون الرشيد.

ترى ما فائدة الرواية إذا لم تضف جديدا للتاريخ ؟

أعتقد أنَّ طرح التاريخ من خلال رواية يجعله سهلاً، ويقرب الصورة لقرائه، ويعطي مجالا للنقد والتحكيم، لفهم الماضي وأخذ العبرة، كما امتلاك الحاضر والمستقبل. لقد توخى الخندقجي جهدا في أن تكون الرواية حاكمة على التاريخ لا هو حاكم عليها، وقد أتى بحوادثه تشويقا للمطالعين، فتبقى الحوادث التاريخية على حالها، لكنه دمج فيها قصصًا غرامية، وحوارات دافئة، تشوق المطالع إلى استتمام قراءتها، مما جعل الاعتماد على ما يجيء في هذه الروايات من حوادث التاريخ مثل الاعتماد على أي كتاب من كتب التاريخ.

ما هدف الروائي باسم خندقجي من روايته ؟

إن رواية مسك الكفاية ما هي إلا محاولة للبحث عن الذات القومية القوية المنتصرة فترة سطوع فتوحات الدولة العباسية، والبحث عن دواء شاف للمحن التي تتعرض لها الأمة العربية الاسلامية في وقتنا الحاضر، ربما لأجل الحلم والخيال على واقع التمني بالانتصار خلال فترات الانهزام، من خلال تجسيد قضايا عالمية معاصرة بإسقاط ذاك الماضي على الحاضر وتفسيره. هدف الرواية الرئيسي هو التثقيف وتعليم التاريخ، بالإضافة إلى التوجيه والإرشاد، وهذا الباب من الأدب يعد أكثر أنواع الرواية رقيا، فهو يسمو بموضوعاته لتحقيق أهداف ذات أهمية بالغة، إذ يسعى الكاتب من خلال روايته التاريخية لإحياء وبعث ماض تليد لقراءة الحاضر والتنبؤ بالمستقبل، بحيث يصبح التاريخ هو المجتمع، وبهذا أراد باسم خندقجي أن يسمو بالرواية إلى قمة الفلسفة، بإعطاء الصورة الكاملة عن الحكم العباسي.

هل اكتملت العناصر الفنية في رواية مسك الكفاية التاريخية ؟

أتقن باسم خندقجي سرده القصصي كأدب نثري لقصصه عن المقاء وما دارت بأحداث في حياتها، بحيث انتقلت بها من فتاة عادية من "شبوة" التي لجأ إليها والدها الأموي المهزوم وقد غادرها مبكرًا لتتربى في كنف أمها الخائفة عليها من جمالها، ولم تعلم عقلها كيف تحافظ على هذا الجمال وتحتفظ به، لتسقط سبية بيد أمير الجند فينقذها الأعرابي المقنع "الأنهد" ويسترها بعباءته، ليفاجئ القراء بعزوفها عن العودة لوالدتها، رغم إتاحة ذلك بعد قضاء أوقات في الصحراء تعلمت بها البلاغة والفصاحة من خليلتها رقية، فانساقت وراء شعوذة تلك العجوز ذات العيون الزرقاء، التي عششت في رأسها فكرة المستقبل الآخر الذي ينتظرها، فهي ظل بلقيس، حتى انغمست بمجاهل لم تكن على دراية بما فيها من حزن وفرح تعلقت بحبالهما، وتأرجحت على جسد أمير المؤمنين لينتهي بها المطاف وأسرتها في قصور السلاطين، لديها هارون الرشيد بعد أن فقدت زوجها وولديها موسى والبانوقة، وأسرتها التي تشعر بغربة جسدها بينهم.

المكان والزمان واضحين عند الخندقجي وقد امتلك الكاتب لغة وصف تصويرية بالغة الترتيب والجمال فتغنى بالصحراء وبالقصور، وبالجبال، وبفصاحة اللغة والشعر، بل بكل ما تشتهي مآقيه في زنزانته المعتمة التي أضاءها لنفسه ولقرائه بنجوم الكلمات في أفلاك معانيه، ليجسد من جديد المعنى الحقيقي للحرية في " تخيل " الأشياء، وبنائها كما يريد، لا كما أراد سلطات الاحتلال من دفن زهرة شبابه، بدأ من المرأة ليسلط الضوء على وهنها عندما تكون جاهلة، فارغة، وانتهى بعقل المرأة وبراعتها في استخدام ذكائها وحيلتها، إلى جانب الجسد والفتنة، ورغم مبالغته بالأخير إلا أن ذلك واقعا لا يمكننا انكاره خاصة في مجال الحكم والسلطة عند العرب وغيرهم.

الشخصيات كانت ملك كاتبها، أمسكها ببراعة فنان دمى الأصابع وحركها بمهارة على مسرحه الورقي، في كثير من الفصول وجدت اللغة التصويرية في بناء المشاهد، لأرى القصر وتفاصيله، الجاريات وزينتهن. لكنه لم يتطرق للحروب ونقل أحداثها وما سطع في فترة حكم العباسيين، واكتفى بنصر وهزيمة وتقسيم لولائم الحكم، ومرد ذلك رغبته في رؤية ظل لم يرى من غيره، بعيون تلك المرأة سيد الظلال الحرة التي لم أرها حرة، بل وجدتها مغامرة ومشاكسة لعبت بأقدارها، في زمن المتخيل والمتمنى من قصص الجدات وروحانيات زمن ألف ليلة وليلة، إذ اعتمدت على جمالها وذكائها لتغادر عالم الجواري الذي اختارته بنفسها، فتبلغ منصب أميرة المؤمنين بحيل أنثوية.

الحوار بين شخصياته كان محكما ففرق بين لغة الأمير، الصحراوي، الجارية، وبدا اختلاف لسان شخصياته رغم أنَّ كاتبها ذات القلم. كما نادت روايته بمفاهيم: العدل، الإنسانية، المحبة، تقوى الله، وعلى النقيض نهت عن الرذائل والخمر والنساء والتسلط بما يغضب الله ويحل لعنة ذلك على الدم بين الأخوة.

الفكرة كانت واضحة: التاريخ العباسي بين النصر وأسباب الهزيمة. الرواية كانت زاخرة بالمعلومات والحقائق وكذا المعارف المثقفة لقارئها، كانت ثرية جدًا.

الخيال وأساليب اللغة، بدا ممتعًا للقارئ تلك الأحداث الروحانية والتنبؤ بالشعوذة، لاستقراء المستقبل، وعالم الأحلام المتخيل وما يحمله من رسائل للخيزرانة.

مما أعجبني فقطفته من بستان الكاتب: " إن الصحراء امرأة شاسعة .. مرهفة مليئة بالغموض والمفاجآت"، " طرية العود لأنكسر في لحظات، جاهلة وضعيفة نكرة مثقلة بأسئلة ضخمة تحاصرني، تهجم علي، تصرعني بالجهل والضعف والسبي، لو أنَّ أمي أنارت لي درب المعرفة، لو أنها أرضعتني الجرأة مع حليب الحياة في بيت مات صاحبه"، " أنا ما سأكون .. ما سأحلم"، " الخيمة سيدة الرحيل"، " مضى إلى جوفها بقبر من حزن وطين"، " الخوف أول العشق"، " ثمة عرب بائدة، وعرب مستعربة، وعرب عاربة، أنا ابنة العرب الهاربة، ابنة العرب الجارية"، " سيدة الظلال المرتعشة"، " أكتشف هشاشتي وبأنني آنية خزف رغم جمالها الأخاذ، إلا أنها بهزة خفيفة تتهشم في هاوية الدم"..







رشا السرميطي

كاتبة فلسطينية، مراسلة ديوان العرب في فلسطين

من نفس المؤلف