الثلاثاء ١٧ كانون الثاني (يناير) ٢٠١٧

سبيريتزما عزام أبو السعود في اليوم السابع

رنا القنبر

ناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية في المسرح الوطني الفلسطيني الحكواتي في القدس رواية "سبيريتزما" للكاتب عزام توفيق أبو السعود وتقع الرواية في 146 صفحة من الحجم المتوسط.
بدأ الحديث ديمة السمان التي أدارت الأمسية حيث قالت:

رواية ( سبيريتزما) للكاتب عزام أبو السعود، جاءت جزءا رابعا من رواياته (صبري وحمام العين والستيفادور)، والتي يبدو أنه لن يكتفي بها، بل سيكون هناك جزءا خامسا، حيث أن النهاية جاءت عند نقطة حاسمة سنعرف تبعاتها في الجزء القادم.

ابو السعود هو كاتب مقدسي.. قدّر أهمية الكتابة عن القدس.. مدينته المقدسة التي تتعرض لشتى انواع الأسرلة والصّهينة منذ ضمها في عام 1967م. وقد جاءت روايته وثيقة تسجل كل ما يسعى الاحتلال إلى محوه، فالتاريخ يزوّر والأماكن تستبدل أسماؤها، والرواية تحرّف لكي تخدم الأهداف الاحتلالية.

اصطحبنا الكاتب في رحلة إلى القدس، داخل الأسوار وخارجها، كان يقف في بداية كل شارع أو زقاق ليعرفنا على اسمه، ثم ندخله لنقف على باب كل محال تجاري لنتعرف عليه، يعرفنا على المحال التجارية الموجودة على صفّي كل شارع، فهي معالم راسخة، أصبحت تاريخا يشهد على عروبة المدينة وأصالتها.

ولكن يبدو أن بعض الأسماء سقطت منه سهوا، حيث أن شارع الزهراء في القدس كان اسمه شارع بورسعيد، وقد أطلق الاحتلال عليه شارع الزهراء.

ويسجل للكاتب أنه لم ينس رموز القدس الذين حُفرت أسماؤهم على حجارتها، فقد كان لهم دور إنسانيّ ووطنيّ لا يمكن تجاهله. قصد الكاتب أن يذكرهم بأسمائهم الحقيقية دون لف أو دوران، ودون اللجوء إلى الرمزية، ربما تقديرا لهم، وعرفانا منه بالجميل، فقد ذكرهم وأتى بأحداث حقيقية حصلت معهم تؤكد مواقفهم وأعمالهم النضالية والانسانية، فمزج الحقيقة بخيال واقعي؛ لتخرج لنا رواية أشبه بالتّوثيقية، وكأن لسان الكاتب يقول بأنه من حقهم علينا إحياء أعمالهم وتخليدها في الذّاكرة.

وعلى صعيد آخر.. قرأنا ما في داخل الكاتب من مشاعر أسى على مواقف الدول الشقيقة التي خذلت الفلسطينيين مرتين، فجاءت النكبة عام 1948، ولم نتعلم، (مع أن المؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين)، فتبعتها نكستنا عام 1967، ولم نعتبر أيضا، فلا زلنا نراهن على أخُوّتهم، فالدم واحد والعرق واحد والدين واحد، والله أعلم أين ستقودنا مشاعر الأخوة التي تقتصر على طرف واحد.
أمّا (سبيريتزما) وهو يعني باللغة العربية "علم تحضير الأرواح"، فلم يثبت صحته، بل هناك من أكد من العلماء أن ما هذا سوى شعوذة، ومنهم الدكتور محمد محمد حسين في كتابه ( الروحية الحديثة حقيقتها واهدافها)، فقد كتب عن تجربته مع هذه "البدعة" كما أسماها، حيث كان ممن خدع بهذه الشعوذة زمنا طويلا، ثم هداه الله الى الحق وكشف زيف تلك الدعوى بعد أن توغل فيها، وإذا بها لا تزيد عن كونها خرافات ودجل، عندها وجد لزاما عليه أن يبين الحقيقة للناس كي لا يقعوا فريسة هذه الخرافات والأفكار الفاسدة – كما وصفها-. وهنا ألوم الكاتب بأنه أدخل تجربة استحضار الأرواح من خلال (جيهان) المتعلمة والمثقفة، وأنجح تجربتها مرّتين، وكأنه لا يريد أن يعطي القاريء حقه – حتى- في الشك بالأمر، على الرغم من أن صوت (علي) زوجها كان معارضا، وكان يستهزيء بما تفعل زوجته، إلا أن صوتها كان الأعلى، خاصة بعد أن أخبرتها (ستها السبيريتزما بما خفي عنها مرّتين، وقد كانت صادقة).

ابو السعود لم يتعامل مع هذا الأمر بحذر، مما جعل القاريء يظن بأن الكاتب يؤمن بفكرة استحضار الأرواح ويدافع عنها. يا حبّذا لو أنه ترك تجربة جيهان مفتوحة، كأوّل مرة، حيث السبيريتزما لم تستجب؛ لأن هناك من لم يكن على يقين من أنها قادرة على ذلك، لكانت أكثر منطقية، ولأثارت مساحة أكبر من الجدل، ولكانت أكثر قوة وتأثيرا على القاريء.

في الختام، كلمة حق تقال، أيّ كتابة عن القدس هي إضافة، كلٌ يقدم "القدس" بأسلوبه وطريقته وقناعاته، فلا زال هناك الكثير من الأمور والخفايا التي تنتظر من يكشف عنها، وينقلها عبر أدواته الابداعية إلى العالم. بانتظار الجزء الخامس.. والذي سيكشف حتما عن بعض الخفايا التي لم يخطّها القلم بعد.

وكتب جميل السلحوت:

تشكّل هذه الرّواية الجزء الرّابع من مسلسل الكاتب الرّوائي"صبري"، "حمّام العين"، والستيفادور" هكذا أرادها الكاتب كما جاء على غلافها الأوّل، ولا أعرف لماذا لم يعتبرها الكاتب جزءا خامسا بإضافة رواية "سوق العطّارين" لها.

اسم الرّواية: توقّفت كثيرا أمام الاسم الذي اختاره الكاتب لروايته"سبيريتزما" أي تحضير الأرواح، ولماذا لم يقم بتعريبه، خصوصا وأنّ روايته باللغة العربيّة، وموجّهة للقارئ العربيّ؟ أم أنّه أراد إثارة فضول القارئ لمعرفة ماذا يعنيه هذا الاسم الأعجمي؟ وطبعا لا ينفي هذا التّساؤل حقّ الكاتب في كتابة ما يريد، وعلينا أن نحترم هذا الحق.

مضمون الرّواية: تسرد الرّواية بعضا من تاريخ القدس الشّفويّ بين نكبتي العام 1948 و 1967، ثمّ تعرّج على حرب حزيران 1967، وما نتج عنها من احتلال وضياع وتشتّت.

تحضير الأرواح: معروف أنّ الخرافة والأساطير موجودة عند الشّعوب كافّة، وإن كان للخيال الشّرقيّ دور الرّيادة في ذلك، وقد انتشرت ظاهرة تحضير الأرواح في القدس وبقيّة الأراضي الفلسطينيّة بشكل لافت، بعد نكبتي العام 1948 و 1967، ويبدو أنّ عدم استيعاب أسباب الهزيمة عند العامّة كان له دور في تغذية االغيبيّات الخرافيّة، ومنها "تحضير الأرواح"، مع أنّها محرّمة دينيّا. لذا فقد وجدنا "جيهان" تلجأ كثيرا إلى سلّة "سبيرتزما" لمعرفة أمور تجهلها، ولا أدري لماذا جاء في الرّواية أنّ جيهان تعلّمت تحضير الأرواح من "ديانا" البريطانيّة، لأنّ الخرافة متنتشرة ولا تزال في الشّرق أكثر من الغرب، ونجد من يغذّيها وينشرها، حتّى أنّ هناك مئات الفضائيّات المخصّصة للشّعوذة وتفسير الأحلام، وقراءة الطالع، وغيرها، وتبثّ باللغة العربيّة، وموجّهة للمشاهد العربيّ لتزيده جهلا على جهل.

وفي المرحلة التي كتب عنها الكاتب روايته كان مشعوذون في القدس، يحضّرون "أرواح الموتى"! وكان لهم دور بارز في تخريب بعض البيوت.

الشّتات الفلسطينيّ: جاء في الرّواية أنّ صبري قد هرب من يافا إلى بيروت زمن الانتداب البريطاني، وتجوّل في بعلبك وبلجيكا وقبض عليه، ونفي إلى جزيرة سيشيل، ليعود بعدها إلى القاهرة، ومن هناك يسافر للعمل في السّعوديّة، ويحصل على الجنسيّة السّعوديّة، ليعود إلى الأردن والقدس كمواطن سعوديّ، حصل على "فيزا" لدخول الأردن ومدينته القدس، ويشارك في المجلس الوطنيّ الأوّل، حيث تمّ تأسيس منظّمة التّحرير الفلسطينيّة برئاسة أحمد الشّقيري، وما دار حول ذلك من تكهّنات تفيد أن تأسيس المنظمّة جاء بايعاز من دول عربيّة لتصفية القضيّة الفلسطينيّة من خلال منظّمة فلسطينيّة، ليعتقل بعدها لمدّة يومين هو وبضعة أشخاص من أعيان القدس. ولتشتعل لاحقا حرب حزيران 1967 وما نتج عنها من وقوع ما تبقّى من فلسطين إضافة إلى صحراء سيناء المصريّة ومرتفعات الجولان السّورية تحت الاحتلال الاسرائيلي. يضاف إلى ذلك مزيد من تشتّت الأسر والعائلات الفلسطينيّة.

تساؤل: لا أعرف لماذا اختار الكاتب متطوّعين "يوسف ونبيل"؛ ليسرد قصّتهما مع حرب حزيران 1967، مع أنّ دورهما كان ثانويّا، ولم يُطلقا رصاصة واحدة في تلك الحرب، ولماذا لم يختر جنودا من الجيش العربيّ الأردنيّ بدلا منهما؟

حيرة الشّباب وضياعهم: لاحظنا في الرّواية حيرة الشّباب الفلسطينيّ بين أن يتمّوا عملهم أو أن يلتحقوا بالعمل الفدائي، حيث كانت منظّمة فتح قائمة قبل الحرب بعامين ونصف، وتحوّلت حركة القوميّين العرب إلى منظمة فدائيّة"الجبهة الشّعبيّة لتحرير فلسطين" وأصبح لحزب البعث جناح مسلّح "الصّاعقة" وتبع ذلك منظّمات أخرى، فنبيل ويوسف قرّرا الالتحاق بالمقاومة، وما لبث يوسف أن سافر إلى القاهرة لدراسة الهندسة، وأحمد بن صبري ذهب للدّراسة في جامعة كامبريج في بريطانيا، حيث درس أبوه.

اختلاف الثّقافات: ورد في الرّواية أنّ أحمد ارتبط بعلاقة حبّ مع فتاة بريطانيّة، واستغرب كيف عرّفته على والديها، وكيف حملت منه، بينما كان هو خائفا من والده إذا ما علم بعلاقته تلك، وأنّ ابنه قد فقد "عذريته" مع تلك الفتاة، وكذلك يوسف عندما أقام علاقة غراميّة مع الفتاة القاهريّة "يسريّة".

موقف مؤثّر: بعد هزيمة حزيران 1967، قامت جيهان وزوجها عليّ بجولة في القدس الغربيّة، وطافوا على البيوت التي يعرفون أصحابها، حتّى وصلوا بيتهما الذي تشرّداا منه في نكبة العام 1948، وكيف سمحت لهما المستوطنة التي تسكن البيت بالدّخول، وأعطت جيهان صورها العائليّة ورسائلها مع شقيقها صبري، وقد أبدع الكاتب في وصف هذا المشهد العاطفيّ المؤثّر.
البناء الرّوائيّ: يلاحظ أنّ الكاتب قد أكثر من السّرد الاخباري-خصوصا في بداية الرّواية- حيث كان السّرد أشبه ما يكون بتقارير اخباريّة.

يبقى أن نقول أنّ هذه الرّواية تضيف شيئا للرّواية الفلسطينيّة عن القدس.

وقالت رشا السرميطي:

هل نصدق الرواية أم كتب التاريخ؟

رواية تستحضر الماضي بما فيه من تاريخ وخزعبلات، لتحكي لنا عن الفترة التاريخية الممتدة بين عام 1948 حتى عام 1967 في مدينة القدس مستخدما لغة فلسطينية أصيلة، لا يشوبها تزيين ولا محسنات ترويجية مما تشهده حالة الرواية الفلسطينية مؤخرا، عزام أبو السعود يوثق تاريخ القدس بحبر أهلها ومن شهدوا تلك الفترة بوقائع حقيقية سمعنا معظمها من الأجداد والآباء والأمهات. من جديد أقرأ عن وجع الغربة والابعاد القسري لمن عاشت القدس فيهم لتردّهم إليها مهما طال المنع والغياب.

يرجع بطل القصة "صبري" ليسترجع لنا الأحداث بأفراحها وأتراحها، متمشيا في القدس متفقدا حجارتها والأرواح التي ضلت عن أجسادها، فبقيت هناك، ثم يجوب الكاتب طرقاتها وأزقتها وعقباتها وحاراتها، عبر مدينة ورقية صنع تفاصيلها أبو السعود لقرّائه ببراعة الدارس، المفكر، والروائي المتمرس، فنجح باستقطابي كقارئة لأتمّ روايته، ونجح بالحصول على قارئة ستبحث عن أعماله القديمة والحديثة؛ لتقرأ عن تاريخ مدينتها بلغة صادقة.

يبحث القارئ في رواية " سبيرتزما" عما تبقى في القدس عبر تنقلات وشواهد يسردها لنا الكاتب المقدسي العارف المتمرس بتفاصيل ذلك المكان، وأدق جزئيات موجودة به قبل الاحتلال والتغيرات التي طرأت على هوية المكان حتى يومنا هذا، وما تبدل من معالمه ليغدو غريبا لمن لم يسكنه في تلك الفترة عما كان سابقا. تلتحم شخصية صبري العائد من غربته مثقلا بحنينه للوطن، بأخته جيهان التي وقعت أسيرة لأوهام "سبيرتيزما "، فتسوقها تلك الطقوس لتحضير سلة القش وتفسير خرابيش القلم الموصول فيها لمعرفة المجهول واستكشاف مخبوءاته، عبر محاولات تحضير الأرواح وما تؤوله هذه الأفعال، التي سادت في حياتنا ومجتمعنا بتلك الفترة، وشغلت الكثيرين من أبناء المدينة. تتصاعد الأحداث ثم تنمو الشخصيات بينها لتأخذ القارئ لوقائع كثيرة، منها يوسف -دلوع - أمّه " جيهان" الذي وصل القدس في عام 1967قادما من القاهرة، يتداخل بالقارئ لحياته وتفاصيلها أيضا في طلب العلم، ومع صديقته جين واندلاع حرب حزيران، وتطوعه مع زميلة نبيل للجيش الأردني، حبال قطعت أواصر هذه العائلة؛ ليكون جزء منها في أريحا والقدس وآخر في الحرب، أمّا صبري فقد كان في بريطانيا في بريطانيا. بعد ذلك يصطحب الكاتب قارئه لاحتلال سيناء وضياع فلسطين بالكامل حتى الجولان، ثم توجه يوسف ونبيل إلى دمشق لينتهي الأمر برفض يوسف الانضمام في صفوف فتح، حيث أكمل دراسته، وأخيرا حالة التيه والحيرة التي مرّ بها هؤلاء الشباب نحو الاستقرار والدراسة أم الذهاب للنساء وقضاء العمر باللهو.
لقد كانت الهوية الانسانية والمكانية لون النص- سبيرتيزما- ذاكرة تحتفظ بالتفاصيل وفاء للمدينة، بل حكاية مجتمع فلسطيني مقدسي يعلو صوته؛ ليخترق الورق نحو أرواحنا بهلوسات اجتماعية سادت قديما، وربما حتى الآن يعتقد البعض فيها، وحقائق تاريخية لايمكن أن نغفل عنها أو ننكرها مهما حاول الآخر عكس الحقيقة، وتزييف أغصانها ما دامت الجذور عربية فلسطينية سليمة المنبت.

هدف كتابة الرواية بيّن لقارئها، وهو توثيق التاريخ الفلسطيني برواية صحيحة منفصلة عن الحزب والعدو معا، حيث رافق الروائي عزام أبو السعود قارئ " سبيرتيزما " عبر تسعة عشر عاما منذ النكبة وحتى النكسة، قائلا له بصريح العبارة: تمهّل.. هذه القدس!

هل اكتملت أدوات وعناصر الرواية الفنية في هذه الرواية؟ رواية الشخصيات بدت واضحة المعالم لها هويات خاصة ومحددة عرفها الكاتب، واستطاع توظيفها داخل إطار الرواية بمهارة فنان الظلال، حيث استطاع القاء الضوء من زاوية وتعتيم زاوية أخرى ليستنهض قوى القارئ الفكرية، النفسية، الاجتماعية، والعاطفية، لرؤية ما رأى ويحجب عنه ما أراد اخفاءه، لقد تمكن الكاتب من شخصياته باحكام واستطاع تحريكها بيسر وبراعة تأخذ القارئ لمتابعتها، ولديه رغبة في اكتشاف نهايات موضوعاتها الرئيسية والفرعية.

الزَّمان والمكان؛ كانت القدس حاضرة في فترة النكبة والنكسة ضمن عائلة شخصيات الرواية، ولا يخفى على القارئ أن الروائي عزام أبو السعود هو ابن المدينة، ومتخصص في الكتابة عن قضية القدس وتاريخها والدفاع عن عروبتها، ولديه تحصيل أكاديمي رفيع، مما جعله جديرا في الكتابة عن مدينته وبسبب اطلاعه الغزير برع بتوثيق تجربته وتجربة من يعرفهم في مدينة القدس؛ ليكون هذا العمل الأدبي العريق اليوم أمامنا كقراء عربون وفاء لمدينة القدس.

الحبكة لم تظهر لدي حبكة قوية في الرواية، رغم أنني أحببتها كقارئة، فبدت لي سردا سهلا ومتسلسلا بلغة مجتمعية بسيطة وأنيقة، أخذتني لتفاصيل المكان وأحاديث الأشخاص من ذاك الزمان، وكأنّي بعزام يحمل هذا الجيل على بساط المعرفة؛ لاكتشاف أصالة مدينة انتكبت وانتكست، وها هي اليوم تتصدى لكل سبل التهويد وطمس معالم هويتها؛ لتذود عنها الأقلام مستبسلة بالتاريخ والفن؛ كي تقدم القضية بأسلوب حضاري ومقبول عالميا.

اللغة كانت سهلة وبسيطة، لغة اجتماعية وروائية بلا تكلف أو تعقيد، ولا يوجد بها رمزية ذات طلاسم، لقد كانت بمثابة سرد تاريخي بقالب روائي فني، وقد أعجبت بتقديمه لهذه القصة التاريخية عن تلك الفترة الزمنية (1948-1967) بهذا الأسلوب الذي يجعلني أقترح وأوصي بطرح هذه الرواية ضمن المنهاج المدرسي والجامعي أيضا، وإن لم تكن مقررا للدراسة فلتكن منهاجا خفيا تضاف لاثراء المقرر الذي يتعلمه أبناؤنا عن القدس وما مرت به من أحداث ومواقف تاريخية كانت مفصلية بما نراه اليوم، ونعيش به من ظروف مختلطة قد لايفهمها الجيل الصغير الذي ولد بعد انتكاستنا في أوسلو تحديدا.

عنصر التشويق كان متربعا على غلاف الرواية، منذ البدء باسمها الغريب واللافت على الغلاف الغامض حتى آخر صفحة قرأتها، كانت الرواية ممتعة، مشوقة، جذبتني لتقليب صفحاتها، كنت شغوفة بمعرفة ما أراده الروائي عزام أبو السعود، وأكرر لقد أعجبت بالرواية وسأقرأ ما فاتني من أعمال الكاتب وما سوف يكتبه مستقبلا، خصوصا أن الكاتب يتطرق للمجتمع الفلسطيني ويذكر عاداته وتقاليده إلى جانب وصفه المستفيض للأمكنة، مما يجعل فصول الرواية تصويرية تحمل القارئ وتهبط به لترفعه من جديد في تنقله بين فصولها جميعا.

نحن في سبيرتزما أمام روائي كبير وصاحب مخزون فكري ومعرفي عظيم، وعمل روائي متقن، لقد زاد ثراء مكتباتنا الفلسطينية بهذه الرواية.

وكتبت سوسن عابدين الحشيم:

رواية تاريخية توثق الاحداث التي مرت بها القدس أيام حرب النكبة عام 1948. ابطال الرواية صبري وعائلته وأولاده فؤاد وأحمد وعائلة علي المقدسية ، لجأ الكاتب إلى التاريخ الشفوي والذي يعد أصدق من أيّ وسيلة اعلام أخرى، حيث أن الشهود يروون ما حصل معهم بكل مصداقية، دون تزييف أو تغيير، كما أن الكاتب لم يغفل عن ذكر الروحانيات في البلدة القديمة بالقدس، فذكر استحضار الأرواح عن طريق السلة والقلم، والتي كان معظم أهل القدس آنذاك يمارسونها ويؤمنون بها، وسميت الرواية باسم الأرواح باللغة الانجليزية ، لم يكن الجهل وحده هو سبب إيمانهم بالأرواح، بل ما كان يحصل لهم من أمور يصعب عليهم إدراكها، كقصة البنت التي وقعت في البئر ولم تغرق بل ظلت على قيد الحياة. يحاول الكاتب الاستفسار وإثارة الأسئلة بخصوص قضية فلسطين، ففي صفحة 23، يتساءل عن طريق شخصية صبري: هل المقصود أن يرفع العرب أيديهم عن القضية الفلسطينية، بعد فشلهم في حرب ١٩٤٨؟ هل يريدون أن يعيدوها إلى الفلسطينيين؟ هل سينسى العرب موضوع تحرير فلسطين؟ كان يرد عليها بتناص من القرآن "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون" ويرد أيضا بسؤال: هل سيترك العرب الجمل بما حمل: كان يبدو على الكاتب عاطفة اليأس من النصر أو حل القضية الفلسطينية، فاستشهد ببيتين من للشاعر العراقي الكبير الزهاوي:

وأما السياسة فاتركوا أبدا والا تندموا إن السياسة بحرها لو تعلمون مطلسم
ما يميز الرواية هي بعض القصص التي لم يتم توثيقها في كتب التاريخ، وهي قصة استشهاد ابن فخري أبو سعود في أحد زوايا القدس، قبالة حارة اليهود، وموت والده فور سماع استشهاد ابنه، وطلوع جنازتهما معا في اليوم التالي، واستسلام ألف يهودي بعد قتال بينهم وبين الفلسطينيين، واصابة علي برصاصة تسببت في بتر يده لجيش الانقاذ الفلسطيني وأسرهم، لكن وصول عبد الله التل وجماعته أرجعوهم بلا مقابل في اتفاقية الهدنة، فيتساءل الكاتب على لسان أمّ محمود: "آه يا صبري لو الأردنيين عرفوا كيف يساوموا على هدول الأسرى ... كان ممكن يسترجعوا بدلهم جزء من الأرض اللي استولوا عليها اليهود: قصة اخرى يرويها الكاتب هي هروب كثير من المقدسيين إلى عمان عن طريق نهر الأردن وفتح باب الجهاد، فيتطوع يوسف وصديقه نبيل وبعد وصول يوسف إلى عمان بعد قضاء أيام عصيبة في حرب حزيران يقاتل ببندقيته كما الآخرين مقابل الصواريخ الاسرائيلية المدمرة، ينسحب يوسف من الجهاد؛ ليكمل تعليمه بعد رؤيته انسحاب الجيوش العربية واعلان هزيمتهم، واحتلال اسرائيل للقدس والضفة وقطاع غزة وسيناء والجولان، كانت فاجعة للشعب الفلسطيني والتي يعاني منها حتى يومنا هذا، انتهت الحرب واستولى اليهود على الأحياء المقدسية، ومنها بيت الدكتور فؤاد في حي البقعة، وعند زيارة جيهان ابنته للبيت تستقبلها عجوز يهودية وتقول لها: هكذا هي الحروب منتصر ومهزوم، رابح وخاسر. عاطفة اليأس ما زالت تسيطر على الكاتب فقد ختم روايته بنية صبري السفر إلى ابنه في لندن؛ ليكشف حال ابنه المقيم مع صديقته البريطانية في بيت واحد، كما شاهد من قبل ما آل اليه حال ابن اخته يوسف في مصر؛ ليرى بنفسه سوء أحوال من هاجروا من الشباب للتعليم خارج بلدهم، فتجرفهم رياح الغربة إلى طريق الهاوية وتنسيهم قضيتهم العادلة.

وقالت هدى خوجا:

روح القدس وعبق المدينة المقدسة طيلة خمسة وعشرين عاما، وطيفها لا يفارق صبري، لا يكاد يصدق أنه مسافر إلى معشوقته القدس.

ويعود إليها اليوم سعوديّ الجنسية، مع تأشيرة بالسماح لدخول الأراضي الأردنية والقدس.
عاش حياة ترحال وعدم استقرار بين لبنان وسوريا ورحلة البريّة إلى ألمانيا والمنفى لجزيرة سيشل والرحيل على القاهرة أو اختيار منفى آخر.

قال هامسا: سأدوس على الثّرى وأقبّل تراب القدس!! ص15

كانت الدّمعة بادية في عينيه، يمسحها بمنديله الأبيض بين الفينة والأخرى. ص22

اتغيرت المنطقة الشّوارع ...راحت البقعة الفوقا والبقعة التحتا والطالبية يا جيهان.ص26

الفرح والحزن والسّعادة والذكريات الجميلة والتناغم في عزف اللحن الجميل ضاع في بيت البقعة.
ما هو سر سبيريتزما؟

تظهر سبيريتزما ص 32علم دراسة الارواح وعلاقتها بالحياة الماديّة.

ولكن كان صعوبة في استيعاب أن جيهان المرأة المثقفة تؤمن بخرافات وتضيع وقتها فيها، ولكن تغير دورها في النهاية بالعمل التطوعي؛ لدى جمعية الهلال الأحمر.

وهل كان يمثّل استعمارا فكريا للمرأة؟

دور المرأة كان جليا وواضحا في الرواية، فهي سيدة مثقفة وذكية ومتعلمة .

فلماذا تلجأ إلى الخرافات؟

فإذا تم السيطرة على المرأة تم اقتحام الأسرة والمجتمع.

كان التزام بالطرح للقضايا التاريخية والسّياسية، ورسالة وهدف مع إتباعها للحقائق التاريخية، اللغة سلسلة ومناسبة وواضحة نابعة من القلب إلى القلب.

وكتبت ديانا أبو عياش:

تتحدث الرواية عن رحلة الغربة الفلسطينية عن الأهل والوطن، رحلة تاريخية زمانيا ومكانيا، بدءا بعودة صبري الى مدينته ومسقط رأسه القدس، بجواز سفر سعودي، بعد 25 عاما، حيث خرج منها آنذاك بجواز سفره الفلسطيني الذي منحته إيّاه سلطات الانتداب البريطاني سنة 1950م.
يتذكر رجوعا إلى الخلف سنوات تم فيها اعتقاله في عدّة أماكن وعدّة دول، ما بين لبنان والعراق وسوريا، وألمانيا، وروسيا، والقاهرة وغيرها.

ثم يتذكر القدس القديمة بشوارعها، وأسواقها، وكبرى عائلاتها، وبيوت كبارها ومشاهيرها، التي تحوّلت إلى فنادق وأماكن عامة، ومدى اشتياقه لها.

بعد استقباله في مطار قلنديا ونزوله ضيفا على عائلة شقيقته جيهان وزوجها علي، يطلب منها صبري أن تقوم بالعزف له على الآلات الموسيقية، فيكشف له زوجها أنها تركت العزف؛ لتشتغل بشيء اسمه سبيرتيزما، أي تحضير الأرواح، والاستعانة بالقوى الخارقة لمعرفة الغيبيات، بواسطة سلة قشّ، وقلم، وبعض الآيات القرآنية.

يتم اعتقال صبري من قبل الحكومة الاردنية سنة 1965م بسبب اجتماعه مع ياسر عرفات، وبعض الأشخاص، حيث يتم الوشاية بهم عن طريق خائن بينهم، ويتم سجنهم في عمان، ويطلق سراحهم بعد ذلك بفترة بسيطة.

ثم ينتقل إلى حرب 1967 م حيث يتطوّع يوسف ابن جيهان وعلي ونبيل ابن صبري في الجيش الاردني للدفاع عن ثرى الوطن، مارّا بمحطات عديدة فرقت فيها الحرب ما بين الأحباب بشكل غير متوقع.

ومن شدة قلقها على يوسف الذي خرج ليشتري الخبز ولم يعد، إذ تطوّع في الجيش وغادر القدس إلى ساحة المعركة، تقوم جيهان بالاستعانة بروح سبيرتيزما للسؤال عنه، في هذه الفترة كان صبري وأبناه أحمد وفؤاد في بريطانيا يسمعون الأخبار من هناك.

خلال الرواية يدور الكاتب بين حارات القدس القديمة وأحيائها، ويسترسل في ذكر أسمائها من عائلات، ومتاحف، وشوارع، وجبال، وفنادق، وقنصليات وغيره، كما ذكر وقوف الجيش الأردني والعراقي والمصري والمتطوعين الفلسطينيين للدفاع عن القدس، حيث اختلطت دماء الشهداء منهم ببعضها البعض، وكذلك موقف الناس من تنحي عبد الناصر عن حكم الجمهورية المصرية، وكيف طالبوا بعودته.

يكون المشهد المؤلم حين يتوجه علي وجيهان إلى بيتهما في القدس العربية، وتدعوهما ساكنته اليهودية للدخول إليه، وتسلمها بعض رسائلها التي وجدتها فيه، وبعض الأوراق، ثم تقول لها وهي ترى الدموع تحتقن في عينيها ألا تتألم فهي تتمنى أن تعود إلى بيتها في وارسو، الذي هربت منه خوفا من النازيين، حيث خسرت بيتها، ولا بد أن هناك عائلة بولندية قد استولت عليه، ثم أضافت:

هكذا هي الحروب .. منتصر ومهزوم .. رابح وخاسر.

وعندما تعود الى البيت، وتقلب الأوراق والصور التي أعطتها لها تجد وصلا من المالية البريطانية بدفع رسوم تسجيل الأرض، لكنها لم تجد "قوشان الطابو" نفسه ص 116.

ينتقل الكاتب للحديث عن أحمد ابن صبري الذي انجرف في حياته كعازف في ملهى ليلي أثناء دراسته في لندن، ودخوله في علاقة غرامية مع صديقته جين، وتكون نتيجتها أن تحمل منه، وهو ما زال تحت العشرين من العمر، ومثل هذا الأمر يتكرر مع نبيل ويوسف، حيث يقع الشباب في براثن الرذيلة.

وفي الصفحة الأخيرة من الرواية يقوم الكاتب بطرح العديد من التساؤلات على لسان صبري، الذي يكتشف وقوع ابن أخته في الخطيئة.. "فهل يخبر جيهان بما رآه في مسكن ابنها يوسف؟ وماذا سيكون رد فعلها إن أخبرها بالمصيبة التي يفوح عطرها في بيت ابنها في القاهرة؟ هل عليه أن يطلب من جيهان أن تعود إلى سلتها لتسأل سبيرتيزما سؤالا محددا واحدا: هل هذا الجيل يمكن أن يعوّل عليه في تحرير فلسطين، وهو منغمس في لذاته؟"

هنا يقرر صبري السفر الى ابنه احمد في لندن وهو يتوقع وقوعه في الخطيئة.

رنا القنبر

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى