الاثنين ٢٧ شباط (فبراير) ٢٠١٧
بقلم طلال حماد

يـــافـــا: بوابـــة البحــــــر

بلادٌ تأخُذُني
ولا تَفْهَمُني
ثُمَّ تلفُظُني
وتمنَحُني لبِلادٍ
لا تعرفُني
ترتَسِمُ الحُدودُ
على جَسَدي
وتنتصِبُ العماراتُ
في عواصم روحي
من حَجَرٍ وإسمَنْتْ
من خَشَبٍ ومن حَديد
فأبْحَثُ عنّي
في دوائِرِ الأمْنِ
وفي سجلاّتِ الحالة المدنيّة
في كلّ دائِرَةٍ ملفٌّ وصورة
وفي كلّ حالةٍ حالة
وفي كلّ بَلَدٍ حكاية
وفي الأصْلِ لي بَلَدٌ
تدورُ كلُّ الدوائِرِ
تَدورُ..
وأعودُ إلى بَلَدي
البلادُ التي أكَلَتْ من لحمي
ملكٌ للآخرين
وأنا بلا سَقْفٍ
والسماءُ التي تُلاحقُني
في كلّ البلادِ
بلا غطاءٍ
والبَحْرُ مرتَعٌ للأساطيلِ الغريبَةِ
فأيْنَ أسْكُنُ إلى نفسي
ونفسي مُتْعَبَةٌ
والنِساءُ هُنا وهُناك
لا ترى فيَّ
إلاّ جَسَدي المُوَزَّعِ في البلاد
وجَسَدي في الأصْلِ
غابَةُ مَوزٍ
وواحَةُ نَخيلٍ
وكرْمَةُ عِنَب
فَكُلي يا نساء الأرضِ كُلي
من زيتي وزيتوني
كُلي من تينِيَ ساعة الفجْرِ
ومن خُبْزِ طابوني
واشْرَبي من نبْعِيَ الرقراقِ
من بئرٍ هنا قُربَ خاصِرَتي
رُغم الجُرحِ لم تهتَدْ إليهِ
معاوِلُ الغُزاةِ
ولا سُمُّهمو
جَسَدي لو شئتِ
في الأصلِ بَلَدي
فاسْكُني فيه
واسْكُني إليه
وأنجبي ما شئْتِ
من زينة الدُنيا
ولا تبْخَلي
ففي كُلِّ أرضٍ خلّفْتُ زرعا
وفي كُلِّ أرضٍ أقمتُ فيها
بَيْتا
لكنّها البلادُ التي
أكلت في كُلِّ دَهْرٍ
من لحمِيَ جَهْرا
مِلْكٌ للآخرين
وليْسَ لي
سِوى بَلَدي
قلبٌ يَنْبِضُ في دَمي
ودَمي يخْفِقُ
في كُلِّ البلاد
ولكنّني....
كُلَّما فَتحتُ باب الصباحِ
في كُلَّ صباحٍ
من هذا العالَمِ
في هذا العالَمِ
على وجْهــــــي
فأرى ملامحي ملامحي
بَلَدٌ من كُلِّ جُرحٍ
وجُرحٌ من كُلِّ بَلد
"مملكة هذا العالَمِ"* في الأصل مملكتي
ومملكتي
تسع العالَمَ
كُلَّ هذا العالم
لكن.. حذارِ
أنا لستُ الملك..
وليست لي صفات الملوك
ولا أباطِرَةُ الزمانِ
أمنَحُ وجهي للحياةِ
وأفتَحُ قلبِيَ للناسِ
ولي بِرغم افتراءات الطُغاةِ تاريخٌ
ـ يمتَدُّ من أول التاريخ ـ
فكيف يُمكنُ أن يُصبِحَ وجهـــــــــي
في أريحا سَراب؟
وأريحا فاتِحَةُ الخطاب
وبواّبَةٌ للبَحر الكبير
فهل يقتَربْ؟
القُدسُ لي
القُدسُ لي
ولا بُدَّ من يافا
لا بُدَّ من حيفا
لا بُدَّ من كفِّ أمّــي
أقَبِّلُها
لا بُدَّ من قَبِرِ أبي
في الٌقُدسِ أو في الرملة
أمسَحُ عنهُ الغُبارَ
وأفتَحُ شُبّاك الذاكرة
على أديم الأرضِ/ أرضي
وعلى سَمَك البحرِ/ بحري
لا بُدَّ، لا بُدّ
لا بُدَّ من أشيائِيَ الأخرى
وأسمائِيَ الأولى
لا بُدَّ من وقتٍ أكسَبُهُ
كَيْ أرَتِّبَ ضفاف البَحْرِ
حَسْبَ مواعيدِيَ القادمة
كي لا تتقاطَعَ
مع عروق دمي الموزّعة
في كلّ البلادِ
لا بَدَّ من أهل البلادِ
لا بَدَّ من منازلهم
كي تلتقي مفاتيحَها
لا بُدَّ، قالت الأشعارُ
والأخبارُ
والأسفارُ
لا بُدَّ من يافا
وإن طال الطريق
لا بُدَّ من وَطَني
وإنْ بَدَّلوا معالِمه
وضاعت منّا الطريق!!!؟

* "مملكة هذا العالَمِ" رواية اليخو كاربنتييه، ترجمة محمد علي اليوسفي: دار الحقائق ـ بيروت 1982.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى