أثير نظرية التطور على الفكر المعاصر؟

، بقلم محمد زكريا توفيق

نظرية التطور لداروين أُستخدِمت استخداما خاطئا في بداية القرن العشرين، لتبرير مفاهيم العنصرية البغيضة والامبريالية الظالمة. مبدأ «الاختيار الطبيعي»، تم توظيفه لكي يعطي مبررا شرعيا وأخلاقيا لاستعمار الشعوب ونهب ثروات الأمم الضعيفة والمغلوبة على أمرها.

الأخطر من ذلك، هو ظهور فكرة إمكان تطور الجنس البشري أو بعض الأمم إلى جنس أرقى، عن طريق تنظيم عملية التزاوج وقصرها على الأقوياء والأصحاء والأذكياء فقط من جنس معين. النازية في ألمانيا، والسوبرمان بين البشر. هذا ما نفعله بالنسبة للخيول والكلاب والحمام وبعض المحاصيل الزراعية. التهجين وانتقاء السلالات.

أما الضعفاء والعجزة والمشوهين من البشر، فيجب تعقيمهم وجعلهم غير صالحين للإنجاب. فهل يمكن أن نلوم داروين على ذلك؟ ومن هو المسؤول عما أسماه أشلي مونتاج ب"الاستخدام المتطرف والغبي والشرير" لنظرية داروين؟

جاء في كتاب "فكرة داروين الخطرة" للفيلسوف الأمريكي المعاصر دانيال دنيت ، أن داروين له قدرة خارقة على جذب معجبين غير مرغوب فيهم. هم معجبون مصابون بأمراض نفسية، كارهون للبشر، وغيرهم ممن لا يفهمون فكرة داروين الخطرة على حقيقتها، ويستخدمونها استخداما بشعا.

دنيت نفسه، كما يقول عالم البيولوجيا الأمريكي ستيفن جولد، قام باستخدام نظرية داروين استخداما خاطئا في كتابه "فكرة داروين الخطرة"، عندما افترض دنيت أن كل شئ يخص وجود الإنسان يمكن أن نفسره بنظرية التطور لداروين ومبدأ البقاء للأصلح. الخطأ هو تفسير هذا المبدأ تفسيرا ميكانيكيا بحتا.

دانيال دنيت يرى أن نظرية التطور لداروين، تقودنا إلى نظرية الذكاء الطبيعي للكمبيوتر. هذا يعني تحويل عمل مخ الإنسان، ومفهومي النفس والوعي إلى مجموعة موديلات أو برامج كمبيوتر. الإنسان عبارة عن إنسان آلي تتحكم فيه مجموعة برامج كمبيوتر، موروثة أو مكتسبة. شئ مخيف.

باختصار، يحاول دنيت إخضاع برامج الكمبيوتر إلى نظرية التطور لداروين، العكس صحيح. بخلاف "ستيفن جولد"، الذي يرى أن التطور يحتاج إلى أشياء أخرى بجانب مبدأ "البقاء للأصلح". مثل ضغوط المجتمع والعوامل النفسية، إلخ.

يأتي بعد ذلك علم الأحياء الاجتماعي، "سيسيوبيولوجي". وهو أحد العلوم الحديثة التي أثارت جدلا وخلافا شديدا بين العلماء. أحد رواد هذا العلم هو الأمريكي إدوارد ويلسون.

يقوم علم السيسيوبيولوجي بدراسة السلوك الاجتماعي للحيوانات والإنسان والحشرات التي تعيش في مجتمعات مثل النمل. ويثبت أن السلوك في هذه المجتمعات له جذور بيولوجية، أي موروث. من ثم، يخضع السلوك عند الحيوانات والإنسان والحشرات لنظرية التطور لداروين ومبدأ البقاء للأصلح.

علم السيسيوبيولوجي، يفسر لنا أسباب النزعة العدوانية، والشذوذ الجنسي ، وحب الملكية عند الإنسان والحيوان والحشرات. وكذلك كره الأجانب، ونقاب المرأة، واغتصابها وسجنها في المنزل. السبب بيولوجي موروث.

لكن، من أين أتت ظاهرة الإيثار عند الإنسان والحيوان؟ الإيثار بمعنى أنك تفضل غيرك على نفسك. وما الذي يجعل الأم تضحي بنفسها لكي تحمي أولادها؟ ومن الذي يجعلنا ندافع عمن ينتمون إلينا بصلة القرابة ضد الغرباء، "أنا واخويا على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب"؟ السبب أيضا بيولوجي محض. وهو: لكي أضمن استمرار جينات ابني وجينات ابن عمي، التي هي تشبه إلى حد كبير جيناتي، وانتقالها إلى أجيال جديدة.

مكرمة الإيثار هذه ليست فضيلة يمتاز بها أهل الصعيد وحدهم، وإنما هي غريزة بيولوجية. لم تأت عن تعاليم دينية أو اجتماعية موروثة. لقد جاءت عن طريق مبدأ البقاء للأصلح، لكي تساعد على حفظ الجينات. من ثم، جاءت لحفظ النوع.

بعد نشر ويلسون نظريته في السيسيوبيولوجي عام 1975م، واجه معارضة شديدة، بحجة أن هذا يعني حرمان الإنسان من حرية الإرادة، وتجعله مسيرا لا مخير مئة في المئة، بذلك يكون غير مسؤول عن أعماله بالمرة. لكن سلوك الإنسان، كما يقول المعارضون، أكثر تعقيدا من أن تفسرة نظرية واحدة.

لكن العلماء قد اكتشفوا حديثا نوعا من الديدان له جين واحد، يعتبر مسؤولا عن السلوك الاجتماعي للدودة عند تناولها الغذاء. مما يعطي لعلم السيسيوبيولوجي، الذي يعتمد على نظرية داروين، دفعة كبيرة إلى الأمام.

هل التطور عموما وتطور الإنسان بالأخص، عملية بيولوجية ميكانيكية محضة؟ أم عملية تتأثر أيضا بالمجتمع والثقافة والحضارة والفن والموسيقى والعوامل النفسية والإرهاب وقانون الطوارئ؟

الشئ المؤكد هو أن البيئة والمناخ عاملان أساسيان للتطور. من لا يستطيع التكيف مع التغيرات الجديدة للبيئة والمناخ ينقرض ويطويه النسيان ويذهب في خبر كان، ومن يستطيع البقاء، يتكاثر وينتشر.

هذا يجعل قضية الحفاظ على البيئة سليمة نظيفة، ومحاربة القذارة والتلوث، أكثر من قضية أخلاقية. حماية البيئة مسألة حياة أو موت بالنسبة للجنس البشري، وليس لنا خيار آخر يا أولي الألباب.

بالنسبة لعلاقة نظرية التطور لداروين بالأديان، نظرية الخلق التي أتت في الأديان الكتابية الثلاث، لا يعتبرها العلماء نظرية علمية. العلوم لها قواعدها وأصولها التي لا تنطبق عليها نظرية الخلق في الأديان السماوية.

العلوم ليس لها دين أو وطن. وليست لها أيديولوجية أو عواطف. لا تعرف معنى للحق والعدل، أو الشفقة والرحمة. إنما هي مجموعة بديهيات وقوانين منطقية تحاول اكتشاف أسرار هذا الكون حسب الفهم الإنسانى.

العلوم تحاول اكتشاف طبيعة الأشياء. هي محايدة في بحثها الدؤوب عن الحقيقة. تحكمها في ذلك التجربة والمشاهدة وعدم التعارض المنطقي بين قوانينها وبديهياتها.

يمكن تلخيص الأسلوب العلمي المتفق عليه في الخطوات التالية:

1- الملاحظة
2- الفروض
3- التنبؤ باستخدام الفروض
4- التجربة لاختبار صحة التنبؤ
5- تكرار 3 و 4 حتى تتفق التجربة مع التنبؤ.

أي شئ يعتمد على الغيبيات والمعجزات، لا يخضع للخطوات السابقة، لذلك لا يمكن أن يكون علما. إنما هو دين وعقيدة، لا أكثر ولا أقل. ليس هذا عيب في العلوم أو الأديان، إنما مجرد اختلاف في طبيعة الأشياء.

من ثم تصبح بدعة الإعجاز العلمي لما جاء في الكتب السماوية، مجرد دجل وخرافة. الإعجاز العلمي، لا هو علم يمكن أن يمدنا بنظرية جديدة تنفعنا وتشفي أمراضنا، ولا هو دين يضيف شيئا نبيلا إلى قيمنا الخلقية.

حتي لو كان الهدف من بدعة الإعجاز العلمي هو إثبات صحة الأديان، ونفض غبار الشك عن مصداقيتها، فالإثبات هنا لا يخضع للمنطق المتعارف عليه. لأن المنطق السليم، هو الآخر له أصوله وقواعده المعروفة.

فكرة التطور كان لها تأثير كبير على الفلسفة والفلاسفة. في الماضي البعيد، نجد الفيلسوف اليوناني القديم هيرقليطس (540-470 ق م)، يقول بأنه لاشئ يبقى على حاله. دوام الحال من المحال.

كل الأشياء في حركة مستمرة، بما في ذلك عملية الخلق. الأشياء تتغير مثل ماء النهر، وأنت أيضا لا تستطيع أن تسبح في نفس النهر مرتين. لأن ماء النهر في المرة الثانية يكون قد تغير وضعه ومكانه. من ثم، يمكننا القول بأن داروين كان قد تأثر بفلسفة هيرقليطس.

الفيلسوف الأمريكي البرجماتي جون ديوي (1859-1952م)، يشتق الكثير من داروين. ومذهب الفلسفة الوجودية يقول: "الوجود سابق على الماهية". بمعنى أن الوجود لم يسبق تصوره في عقل الخالق قبل وجوده. الفلسفة الوجودية هي أيضا فلسفة تنطبق على فكرة الخلق الميكانيكي في نظرية التطور.

نظرية التطور، التي تقول إن دوام الحال من المحال، ونضال الأحياء، هو نضال دائم من أجل البقاء، تقودنا إلى ما يعرف بالأخلاق التجريبية أو البراجماتية. مؤسس البراجماتية كفلسفة، هو وليام جيمس (1842-1910م).

فلسفة جيمس البراجماتية، أو التجريبية، هي مجرد تدعيم لأفكار لوك وهيوم التجريبية، التي تقول إن المعرفة تأتينا من خلال الحواس فقط. قيمة أي فكرة، تقع في مدى فائدتها وتأثيرها في التجربة الإنسانية. التأكيد على الجانب التجريبي في فلسفة جيمس، يظهر في تبني الأفكار العملية في الولايات المتحدة. فلسفة جيمس تعارض كل صور المطلق.

عملية الخلق بصفة عامة وخلق الإنسان بصفة خاصة لم تنته بعد، كما يقول جيمس. الرب ليس قدرة مطلقة كما تقول الأديان السماوية الثلاث، لكن قدرته محدودة. الكون ليس منتج نهائي، إنما تجربة أو حقل تجارب. كل شئ يتوقف على أعمال الإنسان. لذلك حرية إرادته شئ حقيقي لا خيال.

لذلك لا غرابة في أن تكون الفلسفة البراجماتية لوليام جيمس، هي الكتاب المقدس للأمريكيين الأوائل ورجال الصناعة في الولايات المتحدة. فلسفة جيمس تقول أيضا إن الحياة مجرد صراع أخلاقي.

الصلاح، هو مجرد سلوك، ليس له علاقة بالعقيدة الدينية أو الميتافيزيقية. الأخلاق تنحصر فيما يخدم الإنسانية ويعلو من شأن المجتمع ويعمل على سعادة الفرد. هذا التفسير لمفوم الأخلاق، إلتزم به عالما اللاهوت الألمانيان ريتشل وشلايماخر. لقد قاما بتحويل الأخلاق من أوامر ربانية وقضايا ميتافيزيقية إلى خبرة وسلوك. وقاما بالدلالة على ذلك بآيات من الإنجيل نفسه:
" لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ." إنجيل متى.

مفهوم الأخلاق كسلوك نجده في أشعار روبرت برونينج. الرجل منا ليس إنسانا بعد، لكنه مشروع إنسان، كالطفل نأمل أن يكبر لكي يكون كاملا. الإنسان يجب أن يشق طريقه وينحت في الصخر بأظافره إن لزم الأمر في هذا العالم الملئ بالتنافس..

الفشل والصعاب هي المادة الخام التي تكون الإنسان وتصقله. الحياة عبارة عن موجات مد وجزر متعاقبة تساعد على تكوين شخصية الفرد.

إذن مرحبا بكل غدر وشر
يحول أديم الأرض إلى صخر
مع كل لسعة ألم،
لا تجلس أو تقف بل استمر

برونينج، شاعر الإلهام والشجاعة، رجله المثالي هو:
من يسير رافع القامة إلى الأمام
لا يشك في انقشاع الغمام
نحن نسقط لنقف
نهزم لننتصر
وننام لكي نقوم

إذا لم يستطع الدين أن يقوم الإنسان ويجعله أفضل مما كان، ويعمل لما فيه مصلحة المجتمع، فما هي فائدته إذن؟ إنه دين لا يستحق أن يعيش. هذا بباسطة.

حركة الحداثة في نهاية القرن التاسع عشر، بمفهومها البراجماتي، امتد تأثيرها للفكر الديني وأعطتنا الفكر الديني الليبرالي الذي انتشر في المئة سنة الأخيرة.

تأثير التطور على القيم الخلقية يتضح من كون الأخلاق تتغير على الدوام. فهي ليست ثابتة منذ أن نزل بها النبي موسى، منحوتة على ألواح الصخر من أعلى الجبل.

لقد تطور الوعي الإنساني على مر العصور إلى مستويات أعلى. ما كان مقبولا أيام النبي إبراهيم، لا يمكن قبوله بعد ذلك ب4000 سنة.

كما أن المكان أيضا له علاقة باختلاف القيم الخلقية. ما نعتبره عمل أخلاقي في مكان ما، لا يمكن قبوله في مكان آخر. القرن التاسع عشر، اكتشف نسبية الأخلاق. مبدأ له مضاره وفوائده.

في فيلم "الأبرياء المتوحشون"، يقوم بطل الفيلم، أنتوني كوين، بقتل كاهن قام بزيارته ضربا، لأن الكاهن رفض ما قدم له من طعام ومشاركة زوجة الإسكيمو الفراش.

رفض مشاركة الفراش مع زوجة الإسكيمو تعتبر إهانة بالغة للمضيف وللزوجة. هي قيم خلقية معكوسة تقريبا إذا ما قورنت بالقيم الخلقية في بلادنا.

مبدأ البراجماتية، إذا طبق على الأخلاق، يعني أنه يجب البقاء على ما يفيد المجتمع من القيم الخلقية ونبذ الباقي. لكن من يقرر ما هو المفيد وما هو الغير مفيد؟ حرية الرأي بدون حدود مثلا، هل هي قيمة مفيدة أم ضارة؟ التعليم المختلط، هل هو مفيد أم ضار؟ نحن بشر، والخطأ في الحكم على الأمور لايمكن تجنبه. فماذا نفعل؟

الحل نجده في تقدير الفائدة التي تأتي من تطبيق القيمة الخلقية على المجتمع. القيم التي تعمل على استقرار المجتمعات والنهوض بها، وترفع من شأن الفرد داخلها، هي التي يجب أن تسود. إلغاء الرق وتجريمه، كذلك مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة وحرية العقيدة. خير دليل على ذلك.

لكن في كل الأحوال، المؤسسات الدينية لا يجب أن يسمح لها بالتدخل في شئون الناس. فالإنسان يجب يصنع قيمه الأخلاقية بنفسه وفقا لما يناسبه وينهض بمجتمعه.

هذه تداعيات نظرية التطور لداروين، فهل هي نظرية علمية أم دين؟ وهل تثبت النظرية وجود الخالق أم تنفيه؟

معظم العلماء والفلاسفة المعاصرين تؤمن بالنظرية، وتختلف فقط في تداعياتها وكيفية حدوث التطور وبعض التفاصيل التي لا تهم سوى المتخصصين. فوائدها لا يستطيع أن ينكرها أحد.

لكن رجال الدين، تقف منها موقف العداء الشديد دون أن يكلفوا خاطرهم بدراستها وتفنيدها. إذا أرد رجال الدين أن يثبتوا خطأ نظرية التطور من الناحية العلمية، فما عليهم إلا أن يكتبوا بحثا يوضح من الناحية العلمية خطؤها. وينشروا هذا البحث في المحافل العلمية وبين المتخصصين، ولن يمنعهم أحد.

أما أن يقفوا على المنابر وفي القناوات الفضائية، ليسبوا ويلعنوا داروين ووالدي داروين. وينعتوه بالكفر ويتوعدوه بعذاب الآخرة، فهذا ليس هو الطريق السليم للدفاع عن أدياننا.

إذا كانت نظرية داروين صحيحة، فهذه الحقيقة لن نستطيع إخفاءها مهما حاولنا وعلا صوتنا فوق المنابر أو عبر الأثير. وإن كانت خاطئة، فعلينا إثبات ذلك.

نظرية التطور لداروين جعلتنا نفهم بطريقة أفضل أنفسنا وعملية الخلق. ساهمت في إنقاذ أرواح لا تعد، وساعدت في توفير الغذاء للملايين. فكيف تكون خاطئة أو من أعمال الشياطين؟


محمد زكريا توفيق

كاتب مصري مقيم في نيويورك

من نفس المؤلف