بزنس الشيعة في مصر

، بقلم عادل عامر

هناك عدد من المدن في مصر برز التشيع فيها وارتبط بها دون غيرها من مدن مصر. ولعل السبب في ذلك يعود إلى هجرات الطالبيين أو العلويين إلى هذه المدن. أو يعود إلى وجود عدد من دعاة التشيع الذين استقروا بها. وجنوب مصر بمدنه أسو أن واسنا وادفو وأرمنت وقفط كان مركزا للتشيع حتى فترة قريبة و لا تزال به بقايا تشيع حيت اليوم. حيث كان الجنوب ملجأ للشيعة الفارين من وجه الأمويين والعباسيين والأيوبيين والمماليك فيما بعد.

و كان وجود الصالح طلائع كوال للصعيد من قبل الفاطميين قد أسهم إلى حد كبير في نشر التشيع بين ربوعه. فقد كانت للصالح اهتمامات دعوية وثقافية وأدبية بالإضافة إلى اهتماماته السياسية. و كانت القاهرة هي مركز حركة التشيع في مصر باعتبارها عاصمة الدولة الفاطمية ومقر الدعوة و منها ينطلق الدعاة إلى أقاليم مصر ونجوعها.

والمدن الشيعية بالصعيد هي التي فجرت الثورات ضد صلاح الدين كما فجرت ثورات أخرى ضد المماليك والعثمانيين. وعلى الرغم من وجود الدولة الفاطمية في مصر وسيطرتها على كل ربوعها شمالها وجنوبها لا نجد أثرا بارزا للتشيع في مناطق الوجه البحري (الشمال).

و ربما يكمن السبب في هذا إلى أن الهجرات العربية إلى مصر و التي تتابعت مع حركة الفتح الإسلامي استقرت في الجنوب و تمركزت به. و أن الشمال حتى ذلك الوقت كان يتكون من أخلاط الناس ممن أصولهم غير عربية. و قد كانت هناك أماكن ومدن في مصر موقوفة على العلويين. كمدينة قفط التي كانت وقفا على العلويين من أيام الإمام علي (ع).

و كان في القاهرة تجمعات شيعية تقل وتكثر حسب أحوال الزمان في حي الحسين و كانت أغبلها من الشيعة الوافدين إلى مصر بهدف الاستقرار فيها. والذين كانوا يقدمون من الشام وبلاد فارس والعراق و غيرها.

و لا تزال لهذه العائلات بقايا في مصر حتى اليوم. يروي صاحب الخطط التوفيقية أن الأعاجم عن الشيعة كانوا يفضلون السكن بالقرب من المشهد الحسيني ويتظاهرون في مولده بالزينة الفاخرة والولائم العظيمة ويحزنون عليه حزنهم المشهور. ويجتمعون في منزل يتخذونه لذلك ويخطب أحدهم بالفارسية شعر رثاء آل البيت. و قد استمرت مواكب الشيعة احتفالا بذكرى عاشوراء حتى فترة قريبة و يبدو أن هذه المواكب من بقايا العهد العثماني الذي أتيحت في أواخره فرصة لبروز شيعي و أن كان محدودا. و قد ذكر صاحب الخطط التوفيقية ما يشير إلى ذلك.
طغت الطبيعة المصرية على التشيع كما طغت على التسنن. وأصبح للشخصية المسلمة في مصر سماتها الخاصة التي ميزتها عن الشخصيات الأخرى. ولقد تعاملت الشخصية المصرية مع الدين وفق ثوابت لا تتغير حتى و لو كانت تتناقض مع هذا الدين وتصطدم به. وتحاول الشخصية المصرية على الدوام صبغة الدين بشخصيتها لا أن تنصبغ هي بالدين. و يبدو ذلك من تركيز المصريين على الجانب السهل البسيط من الدين الذي يتفق مع إهمال الجانب الآخر الذي يفرض عليهم تبعات وتكاليف لا تلائمهم. و يبدو لين المصريين في تناول الدين بشكل عام. و في تناول التشيع بشكل خاص. فهذا اللين هو أحد الملامح الثابتة في الشخصية المصرية. ولقد ولد هذا اللين ميلا من قبل المصريين للترهبن والمبالغة في الانغماس في الشعائر الشكلية والأمور الهامشية والتعلق بمثالية الماضي. و أنعكس هذا الأمر على التيارات الإسلامية العاملة بالساحة المصرية و التي صبغت جميعها بالصبغة السلفية. مما سهل على المد السعودي الوهابي التغلغل في صفوفها واحتوائها.

ومن أبرز المراقد التي نجحت المراجع الشيعية في تحويلها إلى حسينيات ضريح الإمام سلامة الرضا، والسيد الشاذلي، وضريح السيد أبو العزائم، وضريح الإمام صالح الجعفري، وضريح الإمام علي زين العابدين بن علي، وضريح الإمام محمد بن الحنفية الأخ غير الشقيق لسيدنا الحسن والحسين، وأخيرًا ضريح الإمام مالك الأشتر الذي يعد أخطر وأحدث حسينية في مصر، تكلف إنشائها نحو 5 ملايين دولار من أموال الحوزات الشيعية الإيرانية وبمباركة كريمة من وزارة الأوقاف المصرية.

وفي محافظة أسوان على وجه التحديد نجحت إيران في إنشاء عشرة حسينيات شيعية داخل أضرحة ومراقد بعض الأولياء المنتسبين لآل بيت النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه المراقد الصوفية الشيعية ترفرف فوقها الأعلام الحسينية الشيعية الخضراء، تمتد خريطة الحسينيات الشيعية في مصر ويأتي على رأسها (حسينية الأشتر) حيث يعد مقام الأشتر من أبرز الحسينيات والعتبات المقدسة الشيعية التي تُلقى فيها الدروس الدينية الشيعية، وتُوزع فيها الكتب والمراجع الخمينية، وفي حدائقها يتم التبشير للمذهب الشيعي الأمامي، ومن قداسة هذا المقام لدى الشيعة والتجارة الشيعية تقدربـ10 ملايين جنيه و تمتلك الشيعة في مصر الكثير من القصور والعمارات ولا يذهبون إلى المدارس في مصر، بل يُدرّسون لأنفسهم ولا يُريدون الشهادات من أحد، وذلك من أسرار المذهب ولا تزال مخطوطات الطائفة لا يُسمح بطبعها والاطلاع عليها. بل اتجهوا إلى أقامه المشاريع التجارية داخل مصر وأقامه مصانع بمدينه 6 أكتوبر، وبعضهم اشتروا بيوتاً ومحلات تجارية في الشارع القديم الذي يشق قلب القاهرة القديمة والمسمى بشارع المعز لدين الله الفاطمي. وتشمل تجارتهم في مجالات الملابس والخيوط والنسيج والأجهزة الكهربائية والرياضية وغيرها إضافة إلي شراء رجال الأعمال الشيعة حوالي 8% من المحال التجارية بمنطقة الحسين والقاهرة الفاطمية «أحد مناطق تمركزهم» بعدما جددوا مسجد الحاكم بأمر الله واتخذوه مقراً لشعائرهم الدينية حيث يعتقدون أن جدهم مدفون فيه وهو الاعتقاد الذي دفعهم إلي قصر الوضوء في بقعة محددة من المسجد.يضاف إلى ذلك احتلالهم وتمركزهم بمدينة الإسكندرية بشارع النبي دانيال.تقدر خمسون مليون دولار تعتمد السياسة الخارجية الإيرانية في تمددها في المشرق العربي على بعدين أساسيين الأول يتمثل بالبُعد الطائفي وهو ما يلحظ بشكل جلي تجاه دول الخليج العربي ولاسيما مع بروز الهوية الشيعية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق. فهذا البُعد يشكل القوة الضاربة لاختراق دول الخليج العربي، فهي لا تملك غيره لزعزعة استقراها، ولمواجهة ذلك البُعد لا بد من التخلي عن سياسات إقصاء الشيعة نفسها التي انتهجتها بعض دول الخليج العربي، لكونها أصبحت غير مجدية، بل تدعو إلى المزيد من التأزيم لصالح الجانب الإيرانيّ، وهذا ما يدعو تلك الدول إلى التفكير بعمق أكثر والتخطيط الشامل والخلاّق لدمج المواطنين الشيعة في مجتمعات دولها، وإعطائها الشعور بالحقوق المتساوية والكرامة والانتماء إلى وطنها. أما البعد الثاني للتمدد الإيراني في المشرق العربي ويتمثل بالبعد الاقتصادي – الديني، ويبرز بشكل جلي في مصر، فإيران تغدق الأموال على القُراء والمشايخ والأزهريين الذي أحيلوا على التقاعد، كما تستغل حاجة المعوزين من الفقراء والعاطلين عن العمل، ونظراً لغياب السياسات الاقتصادية التي ترتكز على العدالة الاجتماعية والتي من شأنها أن تعلي من قيمة المواطن لذا ستجد إيران في غيابها فرصتها للتمدد الطائفي في مصر. أما على الجانب الديني المتعلق بها أيضاً، تحاول إيران أن تتغلغل بين أتباع الطرق الصوفية التي تقوم على محبة بيت رسول محمد عليه الصلاة والسلام مستغلة هذا الأمر، لتدفعهم إلى التشيع، والذي يشجعها على القيام بذلك أيضاً تعدادهم الذي لا يستهان به في مصر، إذ يبلغ عددهم11مليون مصري وفق ما صرّح به شيخ مشايخ الطرق الصوفية في مصر الشيخ حسن الشناوي، والذين يتبعون 72 طريقة منتشرة في مختلف أنحاء مصر. وهذا يعد مدخل آخر للتمدد الإيراني في مصر إذا لم تتيقظ الحكومة المصرية لذلك.


عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبيرفي القانون العام

من نفس المؤلف