احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة ٢٠١٤

الصفحة الأساسية > ديوان الدراسات المحكمة > تاهرت * ابن خلدون مفخرة الفنون

تاهرت * ابن خلدون مفخرة الفنون

٥ حزيران (يونيو) ٢٠٠٦بقلم الأخضر عزي

بعيدا عن صخب الاقتصاد والاجتماع ، والادب والفلسفة ، التي كانت المحاور الرئيسية للملتقى الدولي حول فكر العلامة عبد الرحمن ابن خلدون، الذي احتضنته جامعة ابن خلدون بمدينة تيهرت، لم نسمع اشارات جادة الى ابداعات ابن خلدون في مجال الغناء و(1)الموسيقى ؛ رغم انه قد خصص الفصل الثاني والثلاثين من مقدمته لذلك ، وقد ادرجه في بند صناعة الغناء ، تماما ، و اسماه صناعة ، ومهد شارحا الصنائع وخصوصياتها في المجتمع العربي . على الرغم ان سنة 2006 شهدت العديد من المؤتمرات الدولية حول فكر ابن خلدون ، الا ان تفسير طروحاته قد زيفت تزييفا مفرطا –بفعل التلاعب اللفظي- وهذا ما جعل احد المحاضرين في الملتقى ينادي صراحة بضرورة تخليص البحوث التاريخية من الاخبار الكاذبة ، لتبيان الحقائق التي يتميز بها المجتمع محل الدراسة وهذا لعمري، لن يتم؛ الا ببناء مجتمع صالح قادر على افراز حاكم صالح (2) ، ومنه التركيز على المشاركة المتكاملة ، بدل الاقصاء والتهميش .

لفهم صنعة الغناء ، يتعين فهم باقي الصنائع الاخرى ، لما لها من ارتباطات بين بعضها البعض ، وفي كون الغناء قرينة العمران والتمدن ، ويعكس مرحلة مهمة من مراحل تطور المجتمع محل الدراسة. وقد مهد ابن خلدون لذلك- بالاشارة الى ابجديات دقيقة للصنائع- يمكن تلخيصها في الاتي ذكره:

1-فصل في ان الصنائع لا بد لها من المعلم ؛

2-فصل في ان الصنائع انما تستجاد وتكثر اذا كثر طالبها؛

3-فصل في ان العرب ابعد الناس عن الصنائع ؛

4—فصل في الاشارة الى امهات الصنائع ؛

5-فصول في : صناعة الفلاحة ، البناء ، النجارة ، صناعة الحياكة والخياطة (3) ، الخط والكتابة من عداد الصنائع الانسانية ، الوراقة ، صناعة الغناء ...؛
ولا نريد التعليق على هذا الواقع ، بل الامر الواقع ؛ فقد وجدنا باحثين جزائريين امثال البروفيسور محمد بن احمد باغلي -مهندس مستشار – من تلمسان ، وكانه درس وجاور ابن خلدون في ترحاله وتنقله ، من ذلك انه كان يردد كلام ابن خلدون القائل :" لا بد من المعلم قبل المدرسة"، وهو احدى لبنات البناء التربوي الاصيل ، فالتعليم اساس الصنائع والعمران ، سواء كان نظريا بحتا او تطبيقيا احترافيا . كما اكد لنا مفارقة عجيبة ، ربما تنبه لها قبل غيره وهي ان الدكتور عبد المجيد مزيان (1) ولد يوم 17/03/1928 بتلمسان - وهو نفس التاريخ- الموافق لوفاة ابن خلدون أي 17/03/1406 م، كما ان عبد المجيد مزيان درس في مدرسة العباد بتلمسان؛ وهي المدرسة التي علم بها ابن خلدون قبل مجيئه الى تاهرت(فرندة ) والتي الف بها مقدمته . يبدو لنا للوهلة الاولى، وان هناك اشكالية الاستلاب الثقافي في العالم الاسلامي عامة ، و اقطار المغرب الكبير خاصة ، والتي رغم وجود الصروح الثقافية والعلمية على كثرتها ، الا ان الفرنسية دخلت المنطقة عن طريق مستعمر ذكي عرف كيف يغرس لغته داخل المنازل ، ويرسخها في التعاملات ، لا من بعد متحضر متمدن ؛ لكن وفقط من منظور التباهي والتعالي الاجوف ، بعيدا عن كل استفادة مباشرة او غير مباشرة في البناء بكل مضامينه عبقرية ابن خلدون العلمية

لم يكن ابن خلدون رهين ارهاصات ذاتيةصرفة؛ رغم انه كان متاثرا الى حد بعيد بالمحيط الذي عاش فيه ، عكس الرحالة ابن بطو(2)طة (رحمة الله عليه) ، بل كانت له نظرة شمولية الى محيطه ، نظرة رجل يهتم بالكليات والجزئيات بعمق فكر وقوة نظر ، وقد اثرى علمه من منبع متلون الاشربة - بحيث زاوج بين التجربة العملية والحنكة العلمية ، فكان ناقدا لكل شيئ ؛ حتى يغير كل شيئ. وهناك عنصران يتعايشان بين الناس ، ويتعلق الامر بالتعاون بين الناس وحفظ حياتهم بتوفير الغذاء ووسائل الدفاع ، وان ترسخ العمران يتجلى من خلال :

اولا: هناك عاملا الصنائع والعمران؛

ثانيا: هناك علاقة بين هذين العاملين؛

ثالثا: العلاقة الايجابية بين الصنائع التي تتعدد وتتنوع وتكتمل ؛ أي تتقنن وتكثر بازدهار العمران وكثرته ؛

رابعا: هذه العلاقة شاملة، لا تختص بمصر دون مصر ، فلا مناص اذن من ان تظهر الصنائع الملبية للحاجات الجديدة التي يعبر عنها بالطلب المتزايد سواء اكان كماليا او ضروريا بلغة اهل الاقتصاد.

وهكذا ،فقد استحق ابن خلدون لقب "مشارك"؛ كونه لم يترك شيئا من معارف عصره دون ان يتطرق له. فجاءت المقدمة بمثابة موسوعة خارقة ، تجلت فيها الاصالة والمعاصرة والاستشراف العلمي الاستدلالي. ، ولذا نجد ان ابن خلدون خير من عرف بموسوعته هذه من خلال مقولته : " انشات في التاريخ كتابا، رفعت به عن احوال الناشئة من الاجيال حجابا، وفصلته في الاخبار والاثار بابا بابا وابديت فيه لاولية الدول والعمران عللا واسبابا، فهذبت مناحيه تهذيبا، وقربته لافهام العلماء والخاصة تقريبا، وسلكت في ترتيبه وتبويبه مسلكا غريبا، واخترعته من بين المناحي مذهبا عجيبا وطريقة مبتدعة واسلوبا "(3)

غلب على افكار ابن خلدون قدر كبير من التشاؤم؛ نتيجة حالة التفكك والصراع- التي كانت تمر بها المنطقة انذاك- فتتبع ابن خلدون مثالب الشخصية العربية كرد فعل لذلك، فهو حين يصف العرب؛ انما يصف البدو ساكني البادية وارباب الخيام ، وهذه صرخة على الشخصية العربية؛ التي يرى ان من صفاتها اهمال قيمة وقسط الاجر والثمن للصنائع والحرف، وبالتالي ابتعادها عن الصنائع و احتقار العمل اليدوي ، وفي المقابل هناك الاضطراب السياسي نتيجة التنافس على الرياسة ه كما ينظر ابن خلدون نظرة الشك الى القدرات العربية في الحكم والسياسة دون الارتكاز الى الصبغة الدينية - من نبوة او ولاية او اثر عظيم من الدين-اما الشق الايجابي فيتجلى حسبه في كونهم اكثر الناس قبولا للحق والهدى؛ لسلامة طباعهم من عوج الملكات وبراءتهم من ذميم الاخلاق . وقد تكونت عند ابن خلدون بفعل ترحاله (1)صورة ذهنية للشخصية الاقليمية لبعض البلاد العربية ، فهو يفرق بين اهل الشام واهل الاندلس واهل مصر ، ورغم نقده المرير لبعض منها ؛ الا انه يقدم كذلك الايجابيات مثل:"وصف اهل الشام بالتوسط في السكن واللباس والاقوات والصنائع والابتعاد عن الانحراف " ، فيما يؤكد على" ان اهل مصر يغلب عليهم الفرح والبعد عن الادخار والاكتفاء الذاتي (بلغة عصرنا) "، اما " اهل الاندلس فهم اذكياء ن مع خفة في اجسامهم(الحيوية) وقبولهم التعليم " وهكذا يصف" اهل المغرب (فاس) بانهم مطرقون اطراق الحزن ومفرطون في نظر العواقب" ، وهذا الوصف قرينة لفهم الشخصيات الاقليمية للاقطار العربية، وللدلالة على تميزها. ولم يكن لهذا التشاؤم ان يحدث لولا محدودية رحلات ابن خلدون اذا ما قورنت بتلك التي قام بها ابن بطوطة ، وليس الذي راى كالذي سمع (1)

(1)

بعد الغناء والموسيقى في المقدمة
بعد ان قدمنا صفات المجتمع العربي والاسلامي على اختلاف مشاربه وسلوكياته ،واذا ما نظرنا الى الفكر
الموسوعي لابن خلدون - فاننا نجده - يقر باهمية الموسيقى والغناء ، ويبرز علاقتهما بالعمران ، ويصف وصفا دقيقا الالات من حيث صناعتها و العزف عليها ، وكذلك التناسق في الاصوات وما ينجم عنه من انغام وطرب يحبذ سماعه ، وفي هذا يقول :"...هذه الصناعة هي تلحين الاشعار الموزونة بتقطيع الاصوات على نسب منتظمة معروفة، يوقع كل صوت منها توقيعا عند قطعه فيكون نغمة، ثم تؤلف تلك النغم بعضها الى بعض على نسب متعارفة فيلذ سماعها لاجل ذلك التناسب وما يحدث عنه من الكيفية في تلك الاصوات، وذلك انه تبين في علم الموسيقى ان الاصوات تتناسب فيكون صوت، نصف صوت وربع اخر وخمس اخر وجزء من احد عشر و من اخر واختلاف هذه النسب عند تاديتها الى السمع بخروجها من البساطة الى التركيب "( انظر : المقدمة، ص 469) ، هذه هي عبقرية ابن خلدون الوصفية في الميزان الموسيقي و المدارج الموسيقية ، بحيث يبرز اثر التناغم وكيف للالات والاصوات ان تفعل فعلها في الحس الموسيقي الراقي ، بمعنى ان ابن خلدون قدم اسس بناء السولفيج الموسيقي قبل معاصريه ومن جاء بعده ، ولو ان هذه التقنية لم تتجسد كلغة عالمية الا في القرنين الاخيرين .هذا الكلام يحتاج الى فهم وافهام ، وليس من يكتب بهذا المنطق بغافل ابجديات الموسيقى ؛ بل قد يكون الرجل من ذوي الصنعة والحرفة في هذا المجال ، ولا يبدو أي اثر من ان الرجل لا يفقه ذلك ، بل ان الوصف يجعل منه ممارسا ذكيا للصنعة . ولعل الموسيقار نوبلي فاضل ((11 وهو البارع في الموسيقى العربية بامكانه تقديم المزيد ، خاصة في مفهوم الميزان والمدرج الموسيقي، والمازورات.كما ان ابن خلدون يستدرك اهمية وطبيعة الالات الموسيقية ، فيقول و اصفا ذلك ، ولنا ان تصور ابن خلدون عازفا محترفا وليس مجرد انسان ينظر الى الالة كجماد او شيئ اصم ، ، فهو يقول :

"ومنها الات الاوتار وهي جوفاء كلها اما على شكل قطعة من الكرة مثل المربط والرباب او على شكل مربع كالقانون توضع الاوتار على بسائطها مشدودة في راسها الى دسر جائلة لياتي شد الاوتار ورخوها عند الحاجة اليه بادارتها ثم تقرع الاوتار اما بعود اخر او بوتر مشدود بين طرفي قوس يمر عليها بعد ان يطلى بالشمع والكندر ويقطع الصوت فيه بتخفيف اليد في امراره او نقله من وتر الى وتر واليد اليسرى مع ذلك في جميع الات الاوتار توقع باصابعها على اطراف الاوتار فيما يقرع او يحك بالوتر فتحدث الاصوات متناسبة ملذوذة وقد يكون القرع في الطسوت بالقضبان او في الاعواد بعضها ببعض على توقيع مناسب يحدث عنه التذاذ بالمسموع" انظر : (المقدمة ، ص 470)

من خلال هذا الوصف الحقيقي لتشكيل الالة الموسيقية ، وتسمياتها الراسخة الى يومنا هذا( المربط ، الرباب ، القانون الاوتار) ، الشمع والكندر لتليين الاوتار وتقويتها ، وهذه الالات لم تبق حكرا على الفرق العربية او الاندلسية او باقي الطبوع الافريقية والاسياوية ، وحتى الغربية التي طاوعت الالات العربية ، نرى انه لا يمكن لانسان غافل مبادئ الموسيقى التعرف الدقيق الى هذه الالات التي لا تزال تلعب دورا طربيا حتى وقتنا الراهن ، فهذا الوصف الرائع لما تكون عليه الموسيقى في البيئة العربية ما كانت لتوجد ؛ لولا هذا التاريخ لها ، وبقي المجتمع العربي رهين المسخ الموسيقي ورهين اجتهادات ذاتية لا تمت باية صلة للواقع المعيش . ثم ان ابن خلدون ، وفي بند ربط الموسيقى بالعمران يستطرد قائلا في نهاية السياق :
" وهذه الصناعة اخر ما يحصل في العمران من الصنائع لانها كمالية في غير وظيفة من الوظائف الا وظيفة الفراغ والفرح وهو ايضا اول ما ينقطع من العمران عند اختلاله وتراجعه والله اعلم" انظر : المقدمة ، ص 475
هكذا نجد ان ابن خلدون يبحث عن أي شيئ ليغير كل شيئ وصولا الى هدف موضوعي واضح المعالم
ولننظر تواضع العلماء في استعمالهم عبارة والله اعلم ، فما اروع التواضع وفي التواضع يكمن الجمال ، ولنتمعن في علاقة الموسيقى بالعمران عند تراجعه ، فما اكثر الانكسارات التي نشاهدها يوميا للاسف.

اهمية ماثر تاهرت وعبقريتها

لا شك ان تاهرت مدينة عريقة ،عراقة صنائعها وصناعها ، ولها حظ من العمران الخلدوني ، وقد جسد ذلك صاحب الياذة الجزائر –مفدي زكرياء- مبرزا عبقريات اهلها في الحكم واستلهام البناء الحضاري ، دون الالتفات الى الصراعات ، كما انه انصف المدينة واعطاها بعدها الحقيقي في المجال الحضاري ، بل واخرجها الى دائرة الضوء ، مبرزا مكانتها في بناء امجاد الجزائر قاطبة ، وكلمات الالياذة خير ما نستدل به في عظمة دور الدولة الرستمية ، وقد اخذنا البيتين الاوليين لربط عظمة تلمسان ، وكيف تفتقت عبقرية يحيى ابن خلدون فيها، ومن ثم تبيان مكانتي تلمسان وبغداد مقارنة بتاهرت ذات الفضائل الكثيرة نظاما وحكما وحضارة وفنا ابداعيا

مكانة تاهرت في الياذة الجزائر

كان حظ تاهرت كبيرا ، وهي تردد بالصوت الجهوري لشاعر الثورة الجزائرية، وهو ينشدها بصوته قائلا:

تلمسان انت عروس الدنا.. وحلم الليالي وسلوى المحب
ونافح فردوسك ابن خميس.... ويحيى ابن خلدون فيك التهب (
2
وهال ابن رستم ان لا نسود... ونبني كيانا لنا مستقلا

فقام بتاهرت يعلى اللواء... ويرسي نظاما وينشر فضلا

يوجه حكم البلاد الشراة... بوحي الشريعة حقا وعدلا

ويجعل امر الجماعة شورى.... وحق انتخاب الامامة فصلا

فلم يك للتبعيات ذيلا ... ولم يك بالعصبيات يبلى

فدوخ بغداد في اوجها ...فكانت لتاهرت بغداد ..ظلا

وفاض بها العلم يجلو العقول... ويغمر ارض الجزائر نبلا

وتاه الربيع بجناتها ...يهادي تلمسان وردا وفلا

فكان ابن حماد من وحيها ... كاوصافها عبقريا وفحلا

وافلح خلد امجادها... فافلح افلح قولا وفعلا

ص44(1

لا يتردد مفدي زكرياء في وضع مقارنة بين تاهرت وتلمسان و بغداد وكلها عواصم لحواضر عربية اسلامية ، فكان ان برر ركود جهة ما وكيف تفطن احد ابنائها لبناء كيان مستقل تحكمه الشريعة السمحاء في العدل والبناء من واقع الشورى او ما يطلق عليه في وقتنا الراهن وقت العولمة تسمية الحكم الرشيد وبفعل عبقرية هذا الحاكم فقد ابتعد عن الذيلية او الكبشية والتقليد كما يرددها تلامذة ابن خلدون ، وبخاصة الرواد في الديار المغاربية واستفاد من الجوانب الايجابية للعصبيات على اساس انها من نواة الشوكة العصبية في الحكم والسياسة وقد نافست تاهرت فعلا بغداد وتلمسان ، و افلح خلد امجادها فعلا وقولا ، وكيف للمجد ان ينبلج دون عمران ولا صنائع .

ونحن نلج ابواب جامعة ابن خلدون ، وقفنا على عبقريات ابناء هذه المدينة الطيبة ، العريقة في التاريخ والنسب والجهاد عبر الحقب ، والحضارة المتوارثة جيلا بعد جيل ؛ عبقريات تجلت في كل شيئ ، في البناء والعمران ، في الذوق الفني الراقي ، في الرياضة ، في الموسيقى ، في الرسم والمنمنمات ، في الموسيقى المحلية والشرقية ، وتشرفنا بالاقتراب من فرقة الاخوة سافر من مدينة تيارت ، التي حافظت على اصالة الموسيقى والطرب المحلي ، وتعدى اهتمامها المحلية الى العالمية ، وهذا جلي بفضل التفتح والذاكرة الموسيقية التي لن تندثر بحول الله في هذه المدينة ؛ طالما ان هناك فرقا من امثال هذه التي تتحدى كل شيئ بعنفوان وارادة لا تلين ، ونحن نستمع للتقاسيم على العود او الصولوهات على الكمان ، كانت تدور في اذهاننا تلك التدقيقات الموسيقية التي ابرزها ابن خلدون في الطرح المذكور اعلاه ؛ خاصة الوتريات منها ، والتي بدورها تعتبر قاطرة قيادة لباقي الالات الاخرى من نحاسيات و الات طربية اخرى ، فلا عجب ان تنجب هذه المدينة ابرز فنان تحدى الاستدمار الفرنسي، ودفع ثمنا لحياته اغنية "انغام الجزائر " انه المطرب المثقف الثائر-سفير الطرب- علي معاشي – رحمة الله عليه وعلى كل شهداء الجزائر
وما هذا الجيل الجديد ، حامل لواء الاسلاف ، الا خير ما انتجت المدرسة الجزائرية ، التي رغم محنها المفتعلة ، لا تزال تقدم المزيد والمزيد دون كلل او ملل ، تنجب دوما السفراء على شاكلة سفير الطرب الشهيد علي معاشي (1)
وفعلا فقد ختم اللقاء العلمي بمعزوفات اية في الاتقان والتعبير الفني الراقي ، رغم ادارة الظهر للفن الاصيل من قبل البعض ، لعل رهبة المكان والزمان لعبت دورها هذا ،لكن العبقريات لا تعير لهذا السلوك أي اهتمام ، والعبقريات لا تياس ولا يصيبها الاحباط . وكان للاغاني المحلية والشرقية فعلها السحري في النفوس.

عند استراحة الفرقة ، طلبنا واستفسرنا من اعضائها عن الطبوع والمقامات ، فكانت الاجابة تلقائية وسريعة مما يعكس التكوين الموسيقي لاعضاء الفرقة ، التي كان اداؤها منسجما ورائعا ، فصاحب الكمان بلمساته على الوتر من جهة، وصاحب العود ، الذي اطرب الوتر على عوده الشرقي ، وصاحب الطار وغيرهم كثيرون كانوا في تناغم كبير ، ويحق لمطرب الجزائر خليفي احمد- صاحب القرار- ان يطمئن الى اصالة اغنيته الخالدة : طار وطبلة ، عود وناي ،تحت الرملة... وبان جيل كاعضاء هذه الفرقة الاصيلة لا يندثر ولا يموت ؛ رغم كيد الكائدين ، وحسد الحاسدين ، لقد كان مطرب الفرقة الاول كريما ، لدرجة انه وبسرعة استطاع تكييف العزف ، وادى لنا بصوته القوي :" تحت سماء الجزائر"، بنبرات سيمفونية ، وزادها جمالا لما اسمعنا "انغام الجزائر"(1) ، وكان صوت الكمان الجهير اجهرا كما يقول اصحاب صنعة الموسيقى ، وهذا ما جعل المغادرين يعودون الى بيت الطاعة الموسيقي وهم يسمعون دغدغات العود والكمان والمجموعة الصوتية في تعبيرها وحسها الفني والجمالي المميز.
، كيف لبلادنا لا تسهم في اعادة تسجيل وتوزيع اغانينا التراثية الجميلة خدمة لابناء الوطن؟ لقد كانت اغنية انغام الجزائر اكثر ايقاعا وتاثيرا في النفس ، ولماذا هذه الفرق الا في المناسبات ؟ ويدير لها اصحاب العولمة الظهور ،بل ويستهزؤون ويحتقرون اصالة تراثنا الذي يستغله غيرنا للعلاج النفسي العصبي . ولو جاء الينا هذا الفن من غير اهل ملتنا لقبلناه ، فاننا نقبل هذه الطبوع اذا عادت الينا ، صاخبة بايقاعات الروك والراب وغيرها .... لم يكن المستشرقون بغافلين ذلك . هل طابع التندي والقناوي بقيا حسيرين ، ام تبناه الغربيون ؟ لماذا نقبل ونعطي اهتماما لاغنية فلسطين للموسيقار محمد عبد الوهاب- من تاليف طه المهندس - ونتناسى ان قوة ايقاعاتها ماخوذة من اغنية رحاب الطاهر المعروفة "خويا هيا قابلني " ولماذا نتناسى اغنية "مانيش منا " المعروفة في سطيف والاوراس والحضنة ، ونقبلها في "مرسول الحب" لعبد الوهاب الدكالي ، و في قصيد وردة الجزائرية "ادعوك يا املي " من كلمات الدكتور صالح خرفي ؛ الذي نظم المبتدا وكذا الخبر ، ومن تلحين الموسيقار بليغ حمدي . اني اعترف ببعد المقارنة ؛ الا انني لا اياس من تكرار المزيد من الابداع ، ويتعين ان ننتقل من مرحلة التكديس للتراث الى مرحلة بعثه بعثا يتماشى وروح العصر ، دون تحييد اهل الابداع ، ولا مجال لسياسة الظل ، بل ينبغي الاستلهام من مقولة الفيلسوف زكي نجيب محمود " النمو بنشاط النملة او النحلة "
وصدق عبد المجيد مزيان- حين قال- في موضوع التشكيك في قدراتنا العلمية والابداعية ما يلي "لولا اعجاب بعض الغربيين بابن خلدون لتناسيناه غير انه رد الينا اما راسماليا او ماركسيا او روحانيا متدينا عند البعض وماديا عند البعض الاخر " ، ابن خلدون الذي نبه الى اهمية الموسيقى والوتريات ومناهج البحث الموسيقي مما يعكس موسوعيته والتي لم يترك شيئا يستحق الذكر الا وابانه حتى يجري التغيير . ولفت انتباهنا في اول يوم ، فن تصويري لا يقل اهمية عن الموسيقى ، وهو فن الرسم الزيتي من خلال اطلاعنا على تلك الصورة الرائعة للعلامة ابن خلدون التي انجزها احد فناني تيارت ، ويتعلق الامر بشخص الفنان محمد وضاي(1) (صاحب اللمسات الفنية السحرية والريشة المعبرة ) حيث عبر اصدق تعبير عن صاحب المقدمة امام مغارته ...بل امام قلعته ، وهو في عنفوان شبابه ، وبالزي المحلي التاهرتي ، وفي فصل من فصول السنة ، ويبدوانه كان يعاني من ارهاصات تاليف المقدمة . هذه الصورة تضاف الى باقي الصور التي تبرز ابن خلدون شيخا وقورا ، او شيخا متهالكا ، كما تصوره الفنان الفيلسوف جبران خليل جبران من ديار الشام العريق ، واحمد الله ، ان الاخ الدكتور مدني بن شهرة ، عميد الكلية ، وتحت الحاحنا بتبني ذلك المطلب ، ليخرج من المحلية الى العالمية ؛ كرمنا بعضوية لجنة الصياغة النهائية ، وادرج ذلك في التوصيات .

ولن انهي هذه الورقة ، الا بالالتماس والطلب الصريح والضمني من اخينا وصديقنا اللدود الدكتور بركان بن خيرة ، وهو الرجل الثائر والمجدد ، والمدافع دوما عن الحرف العربي ، ان يسعى مع غيره من ابناء تاهرت ، لترسيم انشودة "انغام الجزائر" كي تكون النشيد الرسمي لجامعة ابن خلدون(2) ، على غرار اناشيد الجامعات العربية المميزة ، ولا اعتقد ان ذلك بالشيئ العسير على صديقنا الذي له في كل عرس قرص .

فخق لابن خلدون ان يفتخر ، بكونه ترك تراثا راقيا ، في شتى مجالات المعرفة ، وهو الموسوعة لكل الازمنة والدهور ، وحق لاهل تاهرت والجزائر والعالم برمته الاغتراف من هذا المنهل الذي لا ينضب ، وهذا السلسبيل.

مراجع الدراسة

1-اسماعيل العربي : القلعة عاصمة بني حماد الاولى ، مجلة الثقافة – السنة الخامسة – العدد 30 ديسمبر –جانفي 1976

2-ابن خلدون : مقدمة ابن خلدون ، دار الجيل ، بيروت ، د.ت،

3- مفدي زكرياء : الياذة الجزائر ، المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر ، ا1987

4-عادل نويهض : معجم اعلام الجزائر ، مؤسسة نويهض الثقافية ، بيروت ، ط3، 1983

5-محمد عزيز الحبابي : ابن خلدون معاصرا ، بيروت ، دار الحداثة ، ط1، 1984

6-الامين بشيشي:اناشيد للوطن، ط1،المؤسسة الوطنية للاشهار والنشر ، الجزائر ،-1998

7- عبد الوهاب التازي: وجها لوجه ، مجلة العربي ، عدد505، ديسمبر، الكويت 2000

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.