«حرام نسبي»رواية نسويّة بامتياز نزهة أبو غوش

حرام م نسبي، رواية للكاتب المقدسي عارف الحسيني عن دار الشّروق للتّوزيع والنّشر، في 312 صفحة.

من النّاحية الفنيّة اختار الكاتب عارف الحسيني في روايته" حرام نسبي" طريقة سرد الرّواية بضمير الأنا، مرّة على لسان الأُنثى، ومرة على لسان الذكّر؛ علما بأنّ نفس الحدث كان يتكرّر، لكن بوجهة نظر تختلف أحيانا حسب المتحدّث،عندما اختار الكاتب الحسيني شخصيّة حوريّة بطلة الرّواية ساورني الشّك بأنّ اختيار شخصيّة امرأة يعبر عنها، هو اختيار غير موفّق؛ لأنّني أعتقدت دائمًا بأنّه لا يعبّر عن المرأة إِلّا المرأة نفسها؛ لكنّي فوجئت بعكس ما كنت أعتقد. فقد أبدع الرّوائي عارف الحسيني في التّعبير عن مشاعر وأحاسيس وتطلّعات البطلة حوريّة، تلك المرأة المقدسيّة المتمرّدة، الّتي لم تسكت أبدا عن الخطأ المجتمعي، وتمرّدت على عادات وتقاليد كثيرة لم ترق لها؛ لأنّها رأت بأنّها تقف عائقا أمام تقدّمها ومسيرتها الفكريّة والعمليّة. ذكّرتني شخصيّة حوريّة ببطلة بوصلة من أجل عبّاد الشّمس للرّوائيّة الفلسطينيّة ليانا بدر. إِذا ما فكّرنا أن نعقد مقارنة ما بين الشّخصيّتين، فلا نجد فرقا من ناحية التّعبير عن مشاعر القهر والظّلم المجتمعي الواقع على المرأة. المرأة الّتي لم تنجب، المرأة المطلّقة، المرأة مسلوبة الحقوق والارادة، المرأة الّتي تتحكّم بها عادات وتقاليد مجتمعيّة بائدة. المرأة الّتي يرى المجتمع فيها مرتكبة الحرام، بينما لا تراه هي حراما؛ لأن الحرام هو نسبي حسب القناعات الدّينيّة عند كل شخص.

في رواية " حرام نسبي" دخل المؤلّف إِلى بيوت وشوارع القدس. رصد عاداتها وتقاليدها وخنوعها، وخوفها. في الفقرة الّتي عبّر فيها عن الكشف عن عذريّة سميرة صديقة حوريّة وعرضها على طبيب نسائي؛ كانت الصّورة معبّرة عن إهانة المرأة بأقصى الدّرجات: سأل الطّبيب ببرود: مين بدو يعرف أنت ولا أُمّك؟ أجاب "كرّوم " باستنفار:

- . أنا وأُمّي وكلّ لبلد ص 105."

بيّن عارف الحسيني في روايته قساوة وبشاعة الاحتلال، ومدى سيطرته وسلطته على مدينة القدس. الهويّة الزّرقاء الاسرائيليّة هي بمثابة تأشيرة للمقدسي؛ كي يخطو على أرضه المحتلّة، فهو بالنّسبة لباقي الأراضي المحتلّة "إِنسان مميّز"! هذه المفارقة بدت واضحة من خلال عدّة صور تبيّن مدى حاجة المقدسي لمحتلّه ؛ من أجل لقمة عيشه، فمن تقبله المحلّات التّجاريّة في القدس الغربيّة للعمل عندها، فهو ملك زمانه. مثل بائع الفلافل – زوج حوريّة – الّذي طرد من عمله حين تبيّن بأنّ له ملفا أمنيّا ضد الاحتلال. في القدس نرى أشياء لا نراها في باقي المناطق مثل مدينة رام الله أو نابلس أو... السّجين الأمني مثلا عندما يخرج من سجنه في مدينة القدس، يظلّ محاصرا ومراقبا لا يقبله أحد للعمل ويخافون التّقرّب منه تماما مثلما حصل لبطل الرّواية؛ بينما في باقي المناطق، فإِنّه يكرّم وينال أعلى المناصب والدرحات. هذه صورة من بين مئات الصّور الّتي أبرزها الكاتب والّتي يجهلها الكثيرون في العالم.

أدخل الكاتب بعض العبارات، والمصطلحات العبريّة الّتي اندمجت بلغة المواطن المقدسي نحو " الرامزور" بدل الاشارة الضوئيّة.

على لسان الشّخصيّات عالج الكاتب بعض المواقف بشكل فلسفيّ ينمّ عن تجربة وثقافة المؤلّف، حيث أدخل أسماء بعض الرّوايات الّتي اطّلع عليها. مثل: جلجامش، كتاب الملل... وغيره.

هناك أحداث حصلت في القدس كان لها الأثر الكبير على نفسيّة البطل، مثل المقهى الّذي انهار نتيجة للأمطار والعواصف في شارع السّلطان سليمان، كذلك انهيار المقابر وسقوط الهياكل العظميّة فوق الرّجال تحت المقهى. لقد كانت هذه الصّورة مؤثّرة جدّا؛ لأنّها فعلا حدثت.

في الرّواية حضرت أمكنة وقعت عليها بصمات التّاريخ.

قال عارف الحسيني هذه هي القدس أيّها العالم. القدس شيء آخر يختلف عن كلّ المدن. في القدس يسكن اليهوديّ ملاصقا للعربي. في القدس تسلب البيوت من أصحابها. في القدس يلبسون الحجاب والقناع. في القدس متديّنون وماجنون. في القدس كلّ شيء مباح للمحتلّ. في القدس عمليات تهجير وتهويد، وتطويع، ومحو ثقافات. في القدس الانسان محاصر ومكافح؛ من أجل بقائه وكيانه. في القدس يسيطرون على أماكنك المقدّسة وينسبونها لهم. في القدس حبّ ومحبّين، لكن فيها يضيع الحبّ ويختفي. في القدس متمرّدون، وثائرون، ومقهورون.

رواية "حرام نسبي" تعتبر توثيقيّا لمدينة عاشت وما زالت تحتلّ مساحة كبيرة في صدر التّاريخ.