سَفَرٌ حَوْلَ الْمُسْتَقْبَلِ

، بقلم لحسن الكيري

كانت الساعة تشير إلى الثانية صباحا تقريبا عندما استيقظ المدير مذعورا. لمس زر الإنارة وأشعل الضوء. عندما تفحص ساعته الجيبية، انتبه إلى أنه لا زال الوقت باكرا جدا كي يستيقظ. أطفأ الضوء و حاول أن ينام مجددا. كان بإمكانه أن ينام نومةً هنيئة حتى الثالثة والنصف. كانت زوجته تبدو مستسلمة لنوم عميق. لم ينتبه المدير إلى أنها أحست به وأنها كانت هي الأخرى مستيقظة في تلك اللحظة. غير أنهما معا استمرا في صمت، جنبا إلى جنب، وسط العتمة التامة داخل غرفة النوم.

لكن بعد مرور بضع دقائق، لم يعد النوم للمدير ولا إلى زوجته التي لم تتبين السبب وهي تتبع بسمعها الحركات التي كان يقوم بها زوجها في السرير وحتى إيقاع تنفسه ورمْش عينيه. لقد تزوجا منذ سنتين. كانت بُنية ذات ثلاثة أشهر تنام في مهدها بالغرفة المجاورة تحت رعاية إحدى المرضعات. تزوج المدير من إيفا ليس عن حب و إنما من أجل منفعة إذ كانت هذه الأخيرة ذات قرابة بعيدة مع ضون خوليو، صاحب المزرعة. لقد قام المدير، بالفعل، بصفقة جيدة: بمجرد زواجهما رقاه المشغل من مجرد كبير الخدم بالحقل مقابل أجر قوامه 60 صُولًا و حصة بسيطة من اللحم والأرز، إلى مدير عام للمزرعة، مقابل 150 صولًا شهريا و ثلاث وجبات يومية. من جانب آخر، و لأن القرابة المعنية لم تكن تعني الشيء الكثير في عيني المشغل - قاس، متبجح و بخيل - فإن هذا الأخير، بعد الزواج، قد غير نسبيا التعامل الذي كان يخص به كبيرَ خدمه السابق في الحقل. كان يبتسم في وجهه، على الأقل، مرة في الأسبوع. كان كذلك قد اعتاد على أن يسبغ تعليماته أحيانا، أمام العمال و باقي المستخدمين الآخرين، بنبرات مفاجئة تنم عن الاحترام. كما سمح للمدير رفقة زوجته، مرة في الشهر، بالذهاب في زيارة إلى منزل المزرعة و تناول الطعام على مائدة أقارب المشغل الفقراء. أخيرا، في 28 يوليوز من كل سنة، يوم العيد الوطني، كان أمين الصندوق يتلقى أمرا يقضي بأن يعطي للمدير أجرة مجانية. لكن الأُعطية الكبرى ما زالت لم تُستلم بعد، رغم كونها موعودة.

في يوم ميلاد ابنة المدير، قالت زوجة رب العمل لزوجها، بينما كانا يتناولان العَشاء:

- هل تعرف أمرا؟

و إذا برب العمل الذي لم يستثن جبروته و قساوته حتى زوجته، يحرك رأسه نافيا.

لقد ولدت إيفا، هذا الصباح - أضافت ربة العمل - و المولود طفلة صغيرة.

- غبية! تذرع رب العمل بنبرة مستهزئة -. لا تعرف كيف تلد طفلا. لماذا لا تلد صبيا ذكرا؟

كان رب العمل يتكلم ناطقا الكلمات كصيني يجهل الإسبانية. لماذا هذه العادة الفريدة جدا؟ هل كان يفعل ذلك ربما لأنه في الواقع لم يكن قادرا على نطق الإسبانية جيدا؟ لا. لقد كان يفعل ذلك بدافع التكبر و الغطرسة اللذين تعود عليهما. عندما كانت المزرعة لا زالت بين يدي أبيه - مهاجر إيطالي اغتنى في البيرو ببيع منتوجات وافدة من وراء البحر بالتقسيط - كانت أغلبية عمال الحقول فيها من الصينيين. عندها كان يعامل هؤلاء العمال الآسيويين كعبيد. كان بإمكان أب رب العمل الحالي و أي واحد من رؤساء عمله و مستخدميه السامين أن يضرب بالصوت أو العصا أو يقتل بطلقة نارية من المسدس أحد هؤلاء العمال لأتفه الأسباب. و هكذا إذن، فإن رب العمل الحالي قد نشأ مخدوما من طرف الصينين و مستسلما لظاهرة غريبة تمثلت في العلاقة الجامعة بين اللغة المستعملة آنذاك في التعامل مع هؤلاء العمال و وضع العبيد الذي تعود ضون خوليو أن يراه في العمال، و بصفة عامة، فيمن هم أقل منه رزقا. لقد كانت عادة أن يسمع المرءُ ربَّ العمل يُكلم بإسبانية متخللة بالصينية كل سكان مزرعته. قلما كان يهم ألا يتعلق الأمر بهؤلاء العمال الآسيويين و إنما بسكان أصليين متحدرين من جبال البيرو. لهذا كانت لغته تبدو مثيرة للسخرية غير خالية من هالة فيودالية و دموية.

كان ضون خوليو، ليلة ولادة ابنة المدير تلك، قد نادى على هذا الأخير إلى مكتبه بعد أن تناول العشاء و قال له بحزم:

- أنت أصبحت أبا لطفلة. لماذا لا تنجب ولدا؟ أنت غبي!

كان المدير، و هو يقف متخذا وضعية تنم عن التواضع، قد احمر وجهه من شدة التأثر عندما شعر بأنه تشرف بأن يهتم ربُّ العمل هكذا بأحوال أقاربه. هزه خليط من الفخر و الحياء أمام الكلمات الراعية لرب العمل و لم يعرف كيف يجيبه. تكلف ابتسامة و أحنى جبينه. عندها، أضاف رب العمل بأبوية:

- تشجع و أنجب صبيا ذكرا، ولدا فحلا. إن أنت أنجبت صبيا ذكرا فإنني سأهديك عشرة آلاف صُولٍ.

بعدها خطا ضون خوليو بضع خطوات عريضة بساقي العملاق الطويلتين و خرج من المكتب، دون أن يترك للمدير وقتا كي يشكره على هذا الوعد الوازن.

منذ ذلك الحين و المدير يعيش بشغل شاغل باستمرار يتمثل في إنجاب ولد ذكر. بمجرد ما عبر رب العمل عن هذا الوعد، سارع المدير فورا إلى إبلاغ ذلك إلى زوجته، و التي هي في لا وعيها قليلة حياء بشكل كبير، فاستقبلت الخبر بالقفز فرحا و حماسا. بدأ كلا الزوجين يحلمان ليلَ نهارَ في إنجاب ذاك الولد الذكر الذي سيجلب إليهما تلك العشرة آلاف صُولٍ الموعودة...ليلَ نهارَ. كان هذا الأفق يتجلى لهما، بصفة رئيسة، كلما حلت بهما ضائقة مالية، و في بعض الأحيان كانا يتحدثان عن مشاريع السعادة المستقبلية. كانا يحتاجان إلى أن يلبسا أحسن من آل كيسادا. كانا في حاجة إلى اقتناء أثاث جديد لمنزل مدينة تشيكلايو. زيادة على ذلك، سيكون من الملائم القيام بجولة صغيرة في مدينة ليما. لماذا يملك آل هيريرا و آل أُوليركادو وحدهما فقط الحق في الذهاب كل سنة للتجول في ليما؟

- اُنظر، أرتورو - كانت تقول إيفا لزوجها في هذيان وهمي -، إن تمكنا من إنجاب الابن خلال هذه السنة فإنه سيكون بإمكاننا أن نقضي فترة الصيف في ميرافلوريس. أُواه، يا له من أمر رائع ذاك! كيف ستموت كل صديقاتي من شدة الحسد!

في غمرة من الحماس، كانت إيفا تضع ذراعيها في عنق المدير و هي تعلق بنبرة فيها مسحة جدية:

- أعتقد أن ضون خوليو يفعل ذلك كي تشتغل أنت أفضل و تقوم بكل واجبات منصبك كما يجب. هل تعتقد أنت أنه راضٍ عن عملك؟

- أعتقد ذلك كثيرا. إنه فرح جدا. لو كان العكس ما كان ليعدني بالهدية. في ذلك اليوم، جعلته من جديد يربح من المزرعة مالا وافرا.

- كيف، حبيبي أرتوريتو؟ كيف فعلت ذلك؟

- خلال الأسبوع المنصرم، اشتغل فريق من العمال المياومين المتعاقدين مع منشأة بوجا لمدة ستة أيام بالمقطوعية من أجل أن يُقطعوا القصب. و أنا كنت أعرف ذلك تمام المعرفة. و كان رئيس العمال قد سجل هو الآخر في جدول الرواتب تلك الأعمال. لكن يوم السبت مساءً، كمن لا يعرف عن الأمر شيئا، مررت على الصندوق ساعة أداء الرواتب الأسبوعية. رأيت بالصدفة جداول الرواتب الأسبوعية على المائدة و عندما وجدت ذاك الجدول الخاص بالعمال المياومين، تصرفت كما لو أن رؤيته فاجأتني. ناديت على رئيس العمال و سألته عن السبب الذي كان سيجعله يؤدي لأناس عن عمل كنت أجهله و، بصفة خاصة، لم أصدر أمرا بإنجازه. تم الإدلاء بالبيانات الضرورية في القضية و خلصت إلى القول إنه لن تؤدى تلك الرواتب ما دام الأمر كان يتعلق بعمل لم آمر به أنا. و هكذا قُضي الأمر. المجموع: بضع مئات من الصُّولِ تم ادخارها لمصلحة المزرعة.

بقيت إيفا مستغرقة في التفكير ثم سألت مترددة:

- و لكن، لم يتقاضَ العمال أجرهم؟

- بالطبع لا. إن كنت تقصدين، على وجه التحديد، هذا الأمر.

- لكن...المساكين! و لا حتى المتعاقد معهم قد أدى لهم؟

- يؤدي لهم المتعاقد معهم، تقولين؟ - هتف المدير ساخرا - حسنا، سيكون المتعاقد غبيا إن هو صرف مالا لم يجنه...

آنئذ اتفقت إيفا مع زوجها حول كون الهدية الموعودة من طرف رب العمل لا علاقة لها بأعمال المدير و إنما كان ذلك فعلا كريما بعيدا عن أي مصلحة ضيقة.

في هذه الليلة، حيث لم يغتمض للمدير جفن، كانت قد خطرت بباله فجأة فكرة الهدية الموعودة من طرف ضون خوليو. لو نجح المدير في إنجاب طفل ذكر فإن ذلك سيكون أمرا رائعا. لكن، ما السبيل إلى ذلك؟ لقد طرح هو و زوجته هذا السؤال على نفسيهما أكثر من مرة. ما السبيل إلى إنجاب ابن ذكر؟ لقد كانا يفكران معا في أن القضية رهينة بالأكل جيدا. في أحايين أخرى، كانا يعتقدان أن ذلك مسألة تقنية، و في ساعات الشك كانا يفكران، و هما يواصلان التجريب، في أن المسألة مرتبطة بتدابير القدر و أن ما باليد حيلة لتُفعل. كانت الزيجة تقضي لياليها و هي تتحرق من شدة الجهد و الشوق. في بعض المناسبات، كانت إيفا، بعد انكماش بطولي و محسوب مثل مبرهنة الجذر المكعب، تستغرق في صمت تجريدي لتهتف بعد ذلك فجأة و هي تقبل زوجها و تتصبب عرقا:

- لقد حُلت المسألة! أعتقد أنها حلت! أحس أنها حلت الآن! أحس بها. أحس بها بكل وضوح!

- لا - كان يجيب أرتورو و هو منهك و خائر الهمة -. أنا أحسست بأن الأمر ليس كذلك. هذا مجرد مزاح.

في أحايين أخرى، كان المدير هو من اعتاد الهتاف في غمرة نشوته:

- قُضي الأمر!... قضي الأمر!...قضي الأمر!...قضي الأمر!...

في المقابل، كانت إيفا تبدو مشككة لكنها لم تكن تجرؤ على إحباط زوجها بل كانت تجيبه بصوت لاهث و ضعيف:

- نعم...ربما...ربما...

عندما تذكر المدير، في ليلة الأرق هذه، كل هذه المشاهد و النضالات من أجل العشرة آلاف صُولٍ الموعودة من طرف ضون خوليو، تعكر مزاجُه. استدار بجسده في الفراش فجأة و أطلق نفخة غضب. هل سبق أن عرف الناس قضية غبية كهذه! عدم القدرة على إنجاب ابن ذكر. لقد كان ذاك قمة سوء الحظ!

سمعت إيفا نفخة زوجها الحانقة و فهمت فورا ما كان يفكر فيه أرتورو. تروَّت قليلا و تظاهرت بأنها كانت تستيقظ لتوها مُقربة بطريقة عشوائية جسدها العاري و الساخن من جسد زوجها. بعد ذلك مدت ذراعها فوق كتفه و استمرت في التحرك و الاحتكاك به. من جانبه، فكر أرتورو في ضرورة أن يكون ملحاحا لقاء هدفه و ألا يهجر بأي سبب كان مشروع العشرة آلاف صُولٍ. دقائق بعد ذلك، مسك بدوره زوجته من خصرها و قبَّل بعضُهما البعض دون أن ينبسا ببنت شفة. لكن، فشل المشروع كليا هذه المرة؛ إذ سبعة أشهر بعد ذلك كانت إيفا تستعد لإنجاب مولودة أنثى.

*شاعر و كاتب و صحافي و مترجم بيروفي مشهور جدا. وُلد في بلدة دي تشوكو في جبال الأنديث (البيرو) عام 1892، ثم توفي في العاصمة الفرنسية باريس عام .1938 ويعتبر باييخو واحداً من أعظم شعراء اللغة الإسبانية في كل العصور، وأكثرهم صعوبة وتعقيداً على الإطلاق. ولكنه يبقى على الرغم من ذلك أحد أوسع الشعراء شعبية. في بداية عام 1918 سافر إلى العاصمة ليما، ونشر بعض قصائده في مجلاتها. وفي نهاية العام نفسه ظهر كتابه الشعري الأول "النذراء السود". وبالرغم من أن الكتاب يحمل بصمات تيار الحداثة الأمريكي اللاتيني، إلا أن باييخو يظهر فيه كشاعر مختلف. وقد جلب له هذا الكتاب شهرة كبيرة وبدأت سمعته الأدبية بالتعاظم إثر ذلك. و في وقت سابق، كنا قد أقدمنا على ترجمة قصيدته "النذراء السود" إلى اللغة العربية و هي نفسها التي أخذ منها الشاعر عنوان الديوان السابق الذكر كذلك. و هي قصيدة مليئة بالوجع و الإحباط و الألم و الشك و القلق الوجودي الذي تستشعره الذات الشاعرة و من خلالها الكائن الإنساني في دوامة الحياة التي يبدو على أنها ليست في عقيدة الشاعر خير العوالم الممكنة بل هي جهنم و خراب بحكم الظروف السياسية و الاقتصادية و التاريخية و الاجتماعية التي عاش فيها الشاعر و التي نظم فيها هذا الديوان ككل، و التي كانت تجتازها البشرية جمعاء غداة نهاية العقد الثاني من القرن العشرين.