الثلاثاء ٦ حزيران (يونيو) ٢٠٠٦
بقلم رياض بن يوسف

فضة.. وذهب - قسم واحد من اثنين

قصص قصيرة

إهداء خاص:إلى الصديق
عبد الكريم لعجاج
مع خالص المودة

الموتُ صمتًا

كانت أمامي بكامل زينتها..بعينيها الخضراوين الناعستين اللتين تزينهما أهداب وطفاء و يعلوهما حاجبان أزجان مقوسان كأن يدا صناعا رسمتهما بدقة هندسية، و في وسط وجهها الملائكي أنف إغريقي دقيق أسفله فم صغير ترصِّعُه كرزتان حمراوان و يحيط به خدان مدبوغان بالثلج و النار..

يحمل كلَّ ذلك السحرِ جيدٌ عاجيٌّ لبنيٌّ، و يتوِّجُه شعر كستنائيٌّ مُذهلُ البريق... و كانت ترتدي غلالةً ورديةً، رقيقةً، شفـّافةً، يضيق بها صدرُها العامرُ وردْفها المرحُ.
جالسَةً كانتْ، تضعُ ساقا على ساقٍ فتشفُّ جلستها تلك عن بعض فخذيها و عن كل ساقيها، و بين إصبعين من أصابعها الدقيقة تحمل سيجارة و تدخن بأناقة و بطءٍ.
كانت تحدجني بنظرات باسمة و كنتُ أحدقُ إليها بنظرات بلهاء.
فجأة وقفتْ، اقتربت مني، داعبتْ أرنبة أنفي بإصبعها، ثم مسَّدَتْ شعري بيدها الرَّخْصة و هي تـُدْني وجهها من وجهي شيئا فشيئا.. أحسسْتُ بالعطر النفاذ يغزو مسام جلدي و بالحمرة القانية تعلو خدّيَّ و جبهتي. فارت دماء الرجولة في عروقي الصدئة.. أردتُ أن أفعل شيئا، أن أحيط خصرها بشِمالي و أدُسَّ أصابع يميني في شعرها الذي بدا مضيافـًا، ثم أنتهبَ فمها لثمًا...لكنني لم أستطعْ.. كنت مشلولا تماما و ذاهلا إلى أبعد حدٍّ.

طبَعَتْ قبلةً كبيرةً على ذقني الأملس، ثم قالتْ تخاطبني بشيء
من نفاد الصبر:
- لقد تأخَّرَتْ كثيرا.. ترى ما الذي أخَّرَها ؟
أردتُ أن أسألها عن تلك التي أقلقها تأخرُها إلى ذلك الحد،
و لكن صوتي كان يحتبس دون لهاتي..كنتُ تحت سطوة البريق الأنثوي.
أخذتْ تذرع الغرفة جيئةً و ذهابا و تدخنُ ببعض العصبية..
و حين سمعَتْ قرعًا – مُشَفـَّرًا كما بدا- على الباب، هبَّتْ نحوهُ مُسْرعةً. فتحَتْه ُ، فدخلتْ فتاة زنجية حسناء، غليظة الشفتين، ترتدي ثيابا جلدية حمراء. كانت الزائرة طافحة الأنوثة، جميلة كزهرة متوحشة من زهور الجن.. و سرعان ما احتضَنَتْ صاحبتي و قبَّلتْها في فمها قبلةً شرهةً فـَرْقـَعَ صداها في أعماقي، و هي تكاد تغرز أظافرها- الحمراء أيضا- في جيد صاحبتي الأبيض..
ماذا تفعلان أمامي؟؟؟!!!!
ولماذا تتجاهلان وجودي إلى هذا الحد؟؟!!
حتى أن السوداء لم تكلف نفسها عناء إلقاء تحية عابرة عليّ..
و هذه الجرأة..هذه الوقاحة في اجتراح الشذوذ أمامي..
ما سر كل ذلك؟؟
ألستُ رجلا؟؟
أليستْ لي مهابة الرجال؟؟!!

أردتُ أن أصرخ..أن أنهرهُما.. أن أتقدّم نحوهما فأصفعَ إحداهما و أركل الأخرى.. لكنني لم أستطع، و بدلا من أن يطلق فمي صرخته ظلَّ محتـفظا بابتسامته البلهاء الديوثة..

تعانقتا فوق الأريكة أمام عينيَّ الذاهلتين، و غابتا تماما في بُحران اللذة الآثمة..
السالبُ يعتنق السالبَ..
فيتدفقُ الفيض في الفراغ..
ألا تُدْرك هاتان الحمقاوان الخاطئتان ما هما عليه من ضلال؟!

استجمعْتُ قواي كلها لأنقضَّ عليهما.. لم تطاوعني ساقايَ.. رباهُ! ما هذا العجزُ الأزليُّ ؟! سأقنعُ بالكلام إذن.. ملأتُ رئتيَّ من هواء الغرفة المُدنّس، تكوّرت الكلماتُ العاصفة في حنجرتي.. و أطلقتُ قذيفتي.. لا.. لم ينطلق شيء من جوفي الملتهب، بيدَ أنني فقدْتُ توازني فسقطتُ، أحسسْتُ أن الأرضية الملساء بعيدةٌ جدا عني...
هاأنذا أرتطمُ بها فيتهشّمُ رأسي الدّيوثُ...
و بينما أنا أحتضرُ سمعْتُ صاحبتي تصيحُ:
- آه.. تمثالي الصغير..
.. هدية عيد ميلادي الأخير!!

الجسر

كنت أهمز فرسي همزا شرسا لتركض بأقصى قوتها، و خلفي أربعة فرسان يطاردونني بسيوفهم اللامعة تحت شمس الظهيرة، و حين كنت ألتفت مسترقا نظرة عابرة إليهم كان إصرارهم الظاهر على ملاحقتي يزيدني رعبا فتتقلص يداي أكثر..فأكثر على العنان.
استمرت المطاردة زمنا غير يسير و بدأ التعب الشديد ينال مني.. و فجأة وجدت نفسي أمام حافة منحدر سحيق يمتد منها جسر خشبي طويل إلى الحافة الأخرى.
ترجلت عن فرسي، و وقفت أنظر إلى الجسر يائسا، وقد بدا لي هشًّا، أوهى من أن يحتمل وقع خطواتي. حدقتُ فيه مليا، ثم سألتُه بأنفاس متقطعة:
- هل أنت قوي.. أيها الجسر؟ ألن.. تغدرَ بي؟!
لم يجبني الجسر، فعدت أسأله:
- هل أنت هشٌّ حقا.. كما يبدو؟
ظل الجسر العجوز صامتا، فصحتُ به حانقا:
- إن كنت سأهوي و أتهشم على الصخور، فأنا أفضل أن أموت مجالدًا أعدائي بسيفي على ميتة جبانة كهذه!
بعد هنيهة وقع في خاطري الهاجع، اليائس، ما حرك فيه دوائر المرح..ابتسمْتُ، و أخذت نفسا عميقا، ثم امتطيتُ صهوة فرسي ثانيًا عنانها إلى الجهة المعاكسة...جهة أعدائي.

شُدِه الفرسان الأربعة فتوقفوا مرتبكين، و لكنني لم ألبث أن مرقت من بينهم ناثرا عقد كوكبتهم الصغيرة و قد أخذتُ في صولتي تلك رأس أوسطهم بنصل سيفي، ثم استدرت أعارك الثلاثة الباقين، كما لو أن لي ستة أذرع، فجنْدلتُ اثنين منهم بضربة واحدة، وبقي الثالث يجالدني فهويت عليه بضربة خلتُها قاضية غير أنه صدها بسيفه الذي طار من يده فصار أعزل.

رميتُ سيفي بدوري، ودعوته إلى مبارزة بالأيدي. قبلَ دعوتي، فترجلنا عن فرسينا و شرعنا نداور نفسينا، و حين هممتُ بإمساك رأسه أفلتَ مني و استدار هاربًا، حاولت ملاحقته و لكنه سبقني إلى...الجسر.

مشى خطوات على درجاته الخشبية، و إذ أوحى له الجسر ببعض الثقة زاد من سرعة خطواته.. و في منتصف المسافة تماما أنَّتْ إحدى درجات الجسر الخشبية فتوقف، و لكن بعد فوات الأوان، إذ سرعان ما تعددت الأنّاتُ، ثم تناثرت الألواح الصغيرة، و تهاوى الجسر بمن عليه....

كان ذلك هو الجواب.

تعديلات على قاموس الضآلة

مدخل:

ماذا يحدث إذا سكب أحدكم –عامدًا- محتوى كأسه على كم قميص جليسه في مطعم شعبي؟ لا شك أن القضية ستصبح قضية شرف لأن القاعدة الاجتماعية تقول: من رشني بالماء أرشه بالدم، و أنا مضطر إلى أن أرشكمْ بالحبر فاعذروني..
حين غرد الغراب

ذات يوم غرّد الغراب المقهور، المطعون في شرف سلالته منذ الأزل، تدرب دهورًا محاولا التنصل من قدره وذات مرة تقيأ حنجرته السوداء، و حين أفاق من إغمائه أطلق زقزقة بديعة رائقة.. أذهلت المدى كلهُ.
تقدّمَ الغراب الغِرّيدُ إلى مسابقة فنية، كان يرأس لجنتها ثعلب عبقري يلوك جبنة قديمة.. رفضت لجنة المسابقة ترشيحه وكتبت على ظهر ملفه"مرفوض لأن ريشه شديد السواد"
و رشحت اللجنة بدلا منه ببغاءً جميل الريش رغم قبح صوته و كتبت في ملف ترشيحه"يحسنُ تقليد الأصوات التي يُلقــَّـنُها بأمانة ودقة ".

النملة و الجندب

عادت النملة الحكيمة إلى بيتها بعد أن قرّعت الجندب، فحشت بطنها الصغير بُرّا وحنطة، ثم جلست تحدق في الجدار، وبعد ذلك اضطجعت تحدق في السقف، ثم تقلبت ذات اليمين، ثم ذات الشمال، وأخيرا أخذت تفكر في طريقة للانتحار..
قتلها الضجر، فقصدت منزل الجندب بعد طول ترددٍ لتسأله من بعض ألحانه فوجدته على سرير المرض يتضور جوعا، أسرعت إلى مستودعها وأسعفته بما سد رمقه فأسعفها بما بدد جوعها الآخر..
قالت له و هما يتعانقان: لنرقص الآن معا...

معارك مائية

النهر الصغير يعلن التمرد ويقاطع سيده البحر متخذا وجهة أخرى.. لقد مل التبعية الأزلية. لماذا لا يكون هو نفسه بحرا أو أهم من البحر؟ ضحكت الغيوم و قالت له: أتستطيع أن تصنع و لو غيمة صغيرة؟! غضب النهر لهذا التحدي الساخر فقرر أن يواصل التمرد.. بعد مدة يسيرة جف البحرُ فماتت الغيوم الشامتة، و أصبح النهر الصغير طاغية يحفر لنفسه كل يوم ممرا قسريا جديدا، و في خاتمة المطاف أصبح بحرا عظيما تخدمه أنهار صغيرة..
هبنقة
حين سأله من هربت منهم أوطانهم، و فر منهم شرفهم عن ثمن الظبي الذي يقوده، وتهيّأوا لوليمة الضحك العظيم، ابتسم هبنقة، ثم أخرج لهم لسانه..... فقط.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى