تيمة الدفن حيا

، بقلم مهند النابلسي

"اقتل بيل والغراب والظلال المظلمة"!

تناولت هوليوود عبر العديد من أفلامها هذا الموضوع المرعب، ولكن ما يهمني هنا هو القاء الضؤ على ثلاثة أفلام عصرية رائعة، تناولت هذه التيمة بطريقة مختلفة ومدهشة ومشحونة بالمغزى والمدلول الدرامي وحتى الكوميدي، ناهيك عن طريقة الاخراج المذهلة والحابسة للألنفاس، التي تكاد تقنعك كمشاهد بالرغم من كونها غير منطقية ولا واقعية! ومن الأفلام العصرية التي استعرضت هذه التيمة ببراعة متناهية، فيلم "اقتل بيل"(بجزئيه الاول والثاني 2004/2005) للمخرج الأمريكي كوانتين تارانتينو، حيث يتم دفن العروس (بطلة الفيلم الممثلة اوما ثورمان) وهي حية في حفرة عميقة وبعد توثيقها باحكام، وتقوم من داخل قبرها بسلسلة من الحركات البهلوانية الخارقة المستمدة من رياضة اليوجا والرياضات الشرقية –اليابانية، وبعد مشقة لافتة ومشاهد تحبس النفاس تتمكن اخيرا من الخروج حية وسليمة، لتفاجىء خصومها ومنهم رئيسها السابق، وتدخل معهم في معارك بهلوانية بالسيف تنتصر فيها، لا يمكن منطقيا الاقتناع بمثل الحركات البطولية الخارقة، ولكن المخرج المتمرس والممثلة البارعة يقنعاك بهذه الامكانية الخيالية الافتراضية، وتكاد تشعربالاختناق والرعب وكأنك انت المدفون! أما المفارقة الفلسفية المجازية في الفيلم فتكمن في أن الفتاة (الخيرة) قد تفوقت على الأشرار وانتصرت عليهم، ربما عملا بمقولة افلاطون الشهيرة: لا تصاحب الشرير، فان طبعك يسرق من طبعه،وانت لا تدري!

اما في فيلم "الغراب" الذي يتطرق للأيام الأخيرة للشاعر الأمريكي الشهير "ادجار الآن بو" (الذي مات مبكرا في الأربعين من عمره في العام 1849)، حيث يقوم قاتل متسلسل بارع باختطاف حبيبة الكاتب من حفل راقص لاجباره على مجابهته، ومن ثم يقوم بدفنها حية تحت الأرضية الخشبية لغرفته، سامحا لها بالتنفس عبر شقوق مموهة، وينجح أخيرا باستدراج الشاعر والقاص البائس، ويعقد معه صفقة غريبة تسمح له بانقاذ حبيبته مقابل تناوله لسم قاتل بطيء المفعول، وبالفعل تنجو الفتاة، ويتم العثور لاحقا على ادجار الآن بو بحالة صحية بائسة، قبل ان يتوفى في المستشفى بعد ساعات، ابدع جوني كوساك في تقمص شخصية الشاعر الغريب الأطوار – المدمن للكحول، والغريب أن القاتل المتسلسل يستلهم معظم جرائمه وطريقة تنفيذها الغريبة من قصص بو نفسه المنشورة بالصحف في لعبة بوليسية متداخلة ومثيرة، كما ان عنوان الفيلم مقتبس من احدى قصائد ادجار بو الشهيرة التي نشرت في العام 1845، وتكمن الكوميديا السوداءيعد حبيبته بعد معاناتها المرعبة وتضحيته بنفسه بانقاذها " لأنه سيتزوجها لاحقا في الجنة "!

أما الفيلم الرائع الثالث واسمه "الظلال المظلمة " ومن بطولة "توني ديب " الذي يتماهى عادة بشغف مع أدواره الغريبة المتنوعة، فالأمر يتعلق بساحرة فتاكة خالدة، عاقبت ديب لتعاليه ورفضه العنيد لحبها في العام 1772، ولقيامه بتفضيل فتاة جميلة وبريئة عليها، وتمكنت اخيرا بسحرها الأسود الطاغي من أن تفجر حقدها الدفين تجاهه، وهكذا دفنته حيا بعد أن كبلته بسلاسل حديدية متينة، وبعد أن حولته بسحرها الخرافي لمصاص دماء قاتل، وتسنح له الفرصة بعد مئتي عام تحديدا وفي العام 1972، وبفضل "أعمال انشاءآت وحفر في موقع مهجور تمس قبره المنسي، فيخرج متعطشا للدماء من قبره الأبدي، مهاجما بضراوة عشرة عمال مساكين لارواء عطشه المزمن، ثم يحصل صراع مافيوزي- اسطوري جديد بين عائلته (التي تعمل في تجارة السمك) من جهة والساحرة المتنفذة التي عادت بشخصية جديدة مزيفة من جهة اخرى، رغبة منها لاحياء حقدها القديم ولتدمير عائلته ونفوذها، والطريف أنها تتمكن منه للمرة الثانية (بالايحاء والمعاشرة والسحر)، وتنجح بدفنه حيا بعد ان تغطي رأسه بسروالها الداخلي الأحمر (كتذكار للمغامرة العاطفية الأخيرة)! وذلك قبل أن ينجح صبي يافع من الأحفاد في فك قيوده وانقاذه من الدفن حيا لمئتي سنة اخرى كما وعدته الساحرة الشريرة! نجح هنا المخرج العبقري تيم بيرتون مع جوني ديب وباقي الفريق السينمائي في اخراج فيلم اسطوري حافل بالمؤثرات المدهشة، ومليء بالمشاهد المتنوعة الخارقة والقفشات الكوميدية المجازية، مستغلا عنصر الزمن وعودة مصاص دماء مهووس وبرجوازي عتيق للعيش ثانية مع أحفاده في قصره القديم المهجور في سبعينات القرن الماضي، بوجود ساحرة خالدة حقودة مهووسة! وقد مكنته الشخصيات المتعددة الخرافية والعصرية، ومستويات الأجيال، والصراع المزمن المتجدد لمعالجة سينمائية مجازية ممتعة ومشوقة لحالتي "الضؤ والظلال المظلمة"! لكل الأسباب التي أسهبت في شرحها فأنت سترغب بالتأكيد كمشاهد ذواقة للعودة ثانية لمشاهدة هذه الأفلام والتمتع بمكوناتها الفنية المختلفة، كما أني انسب ذلك لمعظم السينمائيين العرب لكي يتعلموا عناصر الادهاش والاثارة والامتاع والاقناع ، ولكي يتعلموا طرائق الابداع والتجديد في فن السينما، ولكي يتواضعوا فيشاهدوا أفلام المبدعين المتمرسين!


مهند النابلسي

عضو رابطة الكتاب الأردنيين- عضو اتحاد الكتاب العرب

من نفس المؤلف