شكرا «جودت جالي» على كتاب:

جهات السينما الأربع

، بقلم حسين سرمك حسن

تعاني المكتبة العراقية من نقص فادح في مجال النقد السينمائي حيث أن ما يصدر من كتب في هذا المجال لا يزيد عدده على اصابع اليد الواحدة سنويا. وهو نقص لا يعكس فقط تدهور العناية بالسينما والانتاج السينمائي على المستوى الرسمي عموما بل يعكس أيضا خللا كبيرا في فهم ضرورات واسس التعاطي النقدي الواعي مع عملية المشاهدة للأفلام السينمائية فحتى لو اضمحل وجود دور العرض وقلّ الاهتمام الرسمي فإن الأفلام السينمائية و "السينما" تحاصرك من كل جانب في الفضائيات المتخصصة بعرض الأفلام مثل الـ mbc2 وmbcmax وdubai one وغيرها الكثير.

ومن دون تربية حقيقية و "تدريب" على الاستقبال الصحيح للأفلام المعروضة يبقى المشاهد عرضة للتلاعب من جانب الأفكار المطروحة وضحية للاستقبال السلبي الذي قد تكون نتائجه خطيرة وقد تعرضت لهذا الأمر الخطير في مقدمة كتابي: "السينما فن الإبهار المميت" الذي أصدرته دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قبل سنتين. تعود دار ضفاف الآن إلى إصدار كتاب جديد في مجال النقد السينمائي للناقد السينمائي المعروف "جودت جالي" هو " جهات السينما الأربع - متابعات سينمائية" (158 صفحة).

يُعرّف الكاتب بهدف كتابه في مقدمته الموجزة فيقول:

(هذه المقالات التي كتبت في الأصل لتناسب النشر في الصحافة اليومية، يجد فيها القارئ المهتم بالسينما وناسها، وكذلك القارئ العادي، مادة قصدت منها الإفادة والمتعة مبنية على مشاهداتي للأفلام وما توفر لي من معلومات عبر مطالعاتي للصحافة الثقافية الأجنبية، وقد نشرت في جريدة المدى (باستثناء مقال استعادة ملامح شاشة أفلت وأخرى ارتدت النقاب) خلال الفترة 2005-2009، مواد تستقر ما بين التحليل المبسط والعرض للأفلام الجديدة، أو العروض الإستذكارية لأفلام مضت عليها فترة من الزمن، وقد أسميتها في وقتها متابعات. جمعتها هنا تذكرةً بأفلام مميزة ظهرت أو أُستذكرت خلال العشر الأوائل من القرن الحادي والعشرين، وقمت بمراجعتها وبتحديث بعض المعلومات وتغيير بعض الصياغات وبعض العناوين لغرض طبع هذا الكتاب. العنوان يشير الى التنوع الفني للأفلام والى تنوعها من ناحية المنشأ والثقافة. لو أن هذا الكتاب نجح في تحفيز القارئ الى السعي لمشاهدة الأفلام التي تحدثنا عنها أكون قد أنجزت شيئا يشعرني بالرضا) (ص 4).

ويمكنني ككاتب مارست عملية النقد السينمائي في الصحافة وعبر كتاب صدر لي هو "السينما فن الإبهار المميت" (243 صفحة) ومن خلال ثلاث مخطوطات أخرى أن أُطمئِن الناقد جودت جالي بأن كتابه هذا يحفّز القارىء فعلا ليس لمشاهدة الأفلام التي تناولها بالعرض والنقد في كتابه هذا فحسب بل إلى تشكيل "إطار" ولو بسيط يساعده على ترتيب ذائقته السينمائية بصورة صحيحة توفّر له المتعة والوعي العميق. وأنا شخصيا قرأته بمتعة وشغف.

بدأ جودت رحلته بـ "رحلة المدرعة بوتمكين من الحظر إلى المجد" وختمها بفيلم "سراييفو حبّي" مارّاً بثلاثة وعشرين فيلما وموضوعا وشخصيات بعضها من كلاسيكيات السينما العالمية مثل إيزنشتاين صاحب المدرعة بوتمكين الشهير وجون واين وجين فوندا والمخرج غافراس والمخرج ودي بالما وغيرها.

وتهمني هنا الإشارة إلى جرأة جودت جالي في تشخيص مواطن الخلل في الواقع السينمائي العربي والعالمي عبر الأفلام التي تناولها. فحين تناول – على سبيل المثال- فيلم "عمارة يعقوبيان" المُعد عن رواية بنفس الإسم حصلت على أكثر مما تستحق من التضخيم والاحتفاء تحدّث بصورة صريحة عن الإفساد السينمائي النفطي إذا جاز الوصف الذي تقوم به رؤوس الأموال الخليجية التي أوصلت الواقع السينمائي المصري الذي كان باهرا إلى الحضيض. وهذه الحالة هي امتداد لما سمّاه الراحل الكبير "عبد الرحمن منيف" "الإفساد الثقافي النفطي" الذي خرّب الواقع الثقافي العربي بشكل عام وعلى كل المستويات الصحفية والأدبية والفنية وحتى السلوكية. يقول جودت بحق:

(السينما المصرية... من الصعود القومي الطامح لأن يكون عالميا في عهد جمال عبد الناصر الي الإنكماش الفني تحت سيطرة الممولين الخليجيين ونفوذ السلفيين، من عصر ليلي مراد وفاتن حمامة وتحية كاريوكا وشويكار ونجوي فؤاد الى عصر كتاكيت الإغراء اللواتي تحولن بقدرة قادر الى محجبات بأجر عال يدفعه الممولون المذكورون أعلاه وكلما كان الوجه الذي يحيطه الحجاب أجمل كان الأجر أجزل. من عصر الانفتاح والجدل الحي الي عصر الانغلاق والعدمية الفكرية. من استلهام القيم الزاهرة في الدين والتراث الي قيم المافيات الملتحية والموت المحجب) (ص 14).

وفي مقالته (ليلة سعيدة وحظا سعيدا.. فيلم ظلمته الجوائز وأنصفه الجمهور) (وأعتقد أن العنوان غير دقيق لأن المقالة ستتناول فيلما آخر) يستعرض الظلم الذي وقع على فيلم سيريانا syriana حسب تشخيص جودت جالي:

(يبدو أن الحس السياسي، وأكاد أقول الحس السليم كذلك، عند نقاد الغرب في تقييمهم للأعمال الفنية قد أنمحى) (ص 22)

وما أراه هو ليس هذا العامل فقط بل الانحيازات السياسية والتأثيرات المخابراتية التي باتت تخرّب الفن السابع في هوليود والتي تجعل –مثلا- فيلما سخيفا مثل "خزانة الألم" يفوز بالأوسكار على فيلم "افاتار" لمجرد تلميع وجه جيش الاحتلال الأمريكي القبيح في العراق.. تلك الانحيازات التي توجت بالمهزلة المضحكة المبكية التي حصلت في مهرجان الأوسكار الأخير كما تابعه السادة القرّاء.

ومن الملاحظات المهمة هي توجّه هوليود نحو أراشيف وكالة المخابرات المركزية وعملائها السابقين لاستقاء الموضوعات. فمادة هذا الفيلم قدّمها كما يقول جودت (روبيرت باير عميل المخابرات السابق ومؤلف الكتاب الذي إعتمد عليه السيناريو، عمل في خدمة المخابرات مابين عامي 1976 و1997 مختصا بالبلدان العربية، وقد دخل العراق في التسعينيات ليحاول تدبير إسقاط نظام صدام حسين، وقاد عمليات سرية في أيران ولبنان وأفغانستان. يقول بأن « راية الديمقراطية مجرد غطاء. واشنطن فاسدة بالكامل. الأمريكيون لا يفهمون شيئا عن العرب. إن الفيلم مكون من أحداث متخيلة ولكني مستعد للمصادقة عليها وعلى أن ما يروى فيها يصيب كبد الحقيقة». ما أن تقاعد باير حتى ألف كتابه (سقوط المخابرات الأمريكية) الذي وقع بين يدي المخرج ستيفن غاغان ليحوّله إلى فيلم سيريانا الذي جاء عنوانه نحتا من أسماء الدول الثلاث سوريا والعراق وإيران (ص 24).

ومن معلوماتي أن ضابطين سابقين من المخابرات المركزية الأمريكية قدّما أفكار فيلم "استهلال inception" الذي يتناول موضوع اقتحام أحلام الأشخاص لسرقة أسرارهم. في هذا الفيلم، يلعب الممثل ليوناردو دي كابريو دور عميل سرّي اسمه "دورن كوب" هو "مُستخلص أو مُنتزع" أحلام يعمل في برنامج باراسيكولوجي لغزو الأحلام. إن ما قد يبدو خياليا في هوليود كان بعيدا عن الخيال في بحوث وكالة المخابرات المركزية مع مؤسسة التطبيقات الطبية ومعهد ستانفورد للبحوث ومعهد لوسيديتي.

إن عناوين موضوعات في كتاب جودت جالي مثل:

الرياح التي تهز السنابل
المافيا والسينما الهندية
كل رعاة البقر بعده يتامى

(جين فوندا) تمارس الثورة كما تمارس الحب مخرج فيلم (معركة الجزائر)

جولي غافراس (إبنة غافراس مخرج فيلم معركة الجزائر) و (فيدل هو المسؤول) جواكين فوينيكس ودرس السينما

المناضلة (صوفيا شول) وأيامها الأخيرة نساء ألمودوفار ونساء ليلى مراكشي.. وغيرها هي في الواقع "رحلات" ممتعة باهرة ومشوّقة مع قصص حياة أفلام وأبطال سينما ومخرجين وحركات سينمائية أروع ما فيها هي هذه الحياة الإنسانية النابضة الدافئة التي يضعك جودت جالي بهدوء وببراعة في مركزها فتلتحم بها وتشعر بنبضات قلوب صانعيها.

في الختام، أقول وبلا تردّد: شكرا "جودت جالي" على هذا الكتاب الرائع، وننتظر كتبا جديدة منك بمثل هذا المستوى.


حسين سرمك حسن

ناقد عراقي

من نفس المؤلف