ليلة تسليم جلجامش لليهود فضح مغالطات التناص بين الفكر العراقي القديم والفكر التوراتي (٢١)

، بقلم حسين سرمك حسن

لنمضي الآن مع ناجح في تشابهات أخر مزعومة بين باتا ويوسف :
يقول ناجح : (حاز باتا بعد أن صار ملكاً على مهام دينية وصارت لديه خصائص الهية وتميز يوسف التوراتي بهذا المجال من خلال علاقته القوية مع فرعون – ص 220 ) (132).
فما هي المهام الدينية والخصائص الإلهية التي اضطلع بها يوسف بعد أن صار وزيرا لفرعون والتي توازي المهام الدينية والخصائص الإلهية التي حصل عليها باتا ؟ وأعني بالمهام الدينية والخصائص الإلهية على المستويين : التوحيدي بالنسبة للديانة اليهودية ، والوثني بالنسبة للديانة الفرعونية.

هل قام يوسف بالتبشير بالديانة التوحيدية "الجديدة" التي يحملها في مصر ؟ هل عُومِل كإله أو كممثل للإله أو حتى كنبيّ أو رسول في مصر ؟ هل تصرّف كنبيّ او كرسول من الناحية اليهودية ؟ أو كإله شاب أو ممثل له من الناحية الاسطورية الفرعونية ؟ هل قام بأكثر من واجبات ما يقابل وزير التجارة والميرة أو الإقتصاد في حكومة الفرعون ؟ ألم يقم بانتزاع أراضي الفلاحين المصريين المساكين وتسليمها لفرعون رمز السلطة البطرياركية (يا له من إله شاب منحاز للإلهة الأم حسب تصوّر ناجح ؟) وجعلهم عبيداً أجراء لدى الفرعون ؟ ألم يشتغل (وهو الموحّد) موظّفاً في خدمة الفرعون المُشرك ؟ ألم ينتزع أراضي الفلاحين المصريين كلّهم عدا أراضي الكهنة المشركين ؟ ألم يتزوّج مُشركةً ويُنجب منها (تزوج من أسينات بنت كابوسيس وأنجب منها ابنته مانيسا وابنه إفرايم، وفي رواية اخرى أنجب ولدين منها)؟

يقول ناجح : (كانت مكافأة فرعون لـ "يوسف" اعترافا بدوره وإخلاصه للملوكية / المؤلّهة – ص 220) (133) . 
وماذا قال ناجح قبل قليل ؟!
ويقول ناجح هذا ناسياً أن هذا الإخلاص هو بالضد من عقيدة يوسف التوحيدية ، وكانت نتائجها تعزيزاً لسلطة الشِرك.

(وحاز يوسف على الديني والسياسي . وألبس فرعون يوسف أفخر الثياب وقدم له عطايا الفضة والذهب – ص 220) (134).
فما هو الديني الذي حاز عليه يوسف ؟ وهل في إلباسه أفخر الثياب وحصوله على الفضة والذهب تناصّاً مع باتا أم اختلافاً ؟! وهل كل من يحصل على ثياب جديدة أو قميص جديد (خصوصاً إذا كان ملوّناً) يكون في حالة متناصّة مع يوسف ؟! هل نعيد تساؤلاتنا السابقة؟

- (تزوّج يوسف وانجب لكن اسطورة الأخوين لم تخبرنا فيما اذا اقترن "بايتي" بامرأة ما . واعتقد بانه لم يتزوج ولو كان لانتقل العرش لواحد من ابنائه – ص 220) (135).
لكنّ هذا اختلاف جوهري ، ويدلّ على انخصاء باتا الفعلي كما قال لزوجته (أنا امرأة مثلك) في حين لم يكن يوسف مخصيّاً . 
وهل سلّم يوسف حكم مصر لواحد من أبنائه أو لأخيه ؟! 
هل الوزير الغير مقدّس والغير إلهي في الديانة المصرية يتناص مع الفرعون المقدّس والإلهي ؟! هل يُقارَن الإلهي المقدّس الأسطوري بالبشري الديني؟

- (وكان أنوبو عقيما ولم يحقق نسلية له حتى بعد ان صار ملكا وريثاً لاخيه "بايتي" على عرش مصر . وظل فوطيفار خصيا – ص 220) (136).
ولا أدري لماذا يقارن ناجح أنبو الأخ الأكبر الذي اعتبره بمثابة الأب لباتا بفوطيفار ، ولا يقارنه بيعقوب أبي يوسف الحقيقي . وهل كان فوطيفار أخاً أكبر ليوسف ؟! وهل كان يوسف أخاً أصغر لفوطيفار أم عبداً اشتراه من الإسماعيليين ، ثم تطوّر ليصبح مُدبّر منزل ومدير أعمال ؟! وهل العلاقة الأخوية مثل علاقة السيّد بالعبد التي تتنامى لتحمل بعداً إنسانياً من ثقة السيّد بعبده المؤتمن ثقة مطلقة ؟! وهل هناك إلهٌ شاب تمّ بيعه كعبد واشتغل عبداً لوزير بشري ؟! بل هل هناك نبي موحّد – عدا يوسف – ارتضى بالعبودية والعمل كعبد في بيت أحد المشركين الوثنيين ؟ وهل العمل كعبد يساوي العمل مع أخ بالمساواة ، كما رأينا ، وليس كما عرض سليمان مظهر وتبعه ناجح ومتعب مناف ؟ ثم ما أهمية أن يبقى أنبو عقيما وقد صار فرعوناً ، وما أهمية أن يبقى فوطيفار "خصيّاً" – وهو سوء فهم من ناجح كما بيّنا – وقد خبا دوره في القصّة ولم يعد "متناصّاً" مع أي طرف في حكاية الأخوين ؟! هل يتساوى عقيم يصبح فرعوناً مع عقيم موظّف ينتهي دوره في النصّ ؟! وهل كان لفوطيفار العقيم مثل هذا الدور الكبير والحاسم المساند لأخيه الأصغر في إنقاذه وإعادته إلى الحياة بعد موته حين قطع رجال الفرعون شجرة الأكاسيا التي وضع عليها قلبه ؟! أم أن فوطيفار تحوّل إلى عدوّ ليوسف رماه في السجن ونسيه ؟! وهل مرّ باتا بتجربة السجن مثل يوسف وهي تجربة مفتاحية نقلت يوسف والقصة نقلة حاسمة من عبد سجين مشبوه إلى وزير ومسؤول عن خزائن مصر؟!

(وهل يجوز لنبي أن يطلب مسؤولية الخزائن والمال الزائل الملوّث بعرق ودم الضحايا من الفلاحين المصريين ؟! أم أنّها خطوة "يهوديّة" ماليّة لتأكيد سطوة اليهود على ثروات مصر متسقة مع الأرض – وليس الجنة الاسطورية أو الدينية – التي يجري فيها اللبن والعسل التي سيعدهم بها إلههم يهوه ؟!).

- (اشتغل "بايتي" في الزراعة / الرعي وانفرد يوسف بالرعي فقط – ص 221) (137).
هكذا – بسرعة وببساطة - وكأن الأمر لا يعكس فارقاً هائلاً بين حضارتين وثقافتين متناقضتين (الحضارة الزراعية والحضارة الرعوية) !! حضارتان متناقضتان شكلت خصائصهما الإختلافات الجذرية بين حكاية الأخوين وقصة يوسف !


حسين سرمك حسن

ناقد عراقي

من نفس المؤلف