في حوار مع الشاعرة اللبنانية لورين القادري:

، بقلم عادل سالم

- يلزمنا ألف عام حتى تستطيع المرأة الشاعرة ان تصرخ بصوت هادر يرسّخ وجودها أمام تسونامي الرجل الشاعر ...

أقرأ أي كتاب تقع عليه عيني وأشعر تجاهه بنبض مختلف نثرًا أو شعرًا

*- مبكّرا جدًّا قرأت معظم كتب الأديب اللبناني جبران خليل جبران وقد تركت في داخلي بصمة واضحة من حيث الصور، والمفردات، والخيال.

شاعرة لبنانية مبدعة، تعزف على أوتار الحروف سمفونية عشق لا ينتهي. ولدت في قرية (ذوق مكايل) في جبل لبنان، وترعرعت في قريتها (كفر شوبا) في الجنوب اللبناني قرب الحدود مع فلسطين. فأخذت من الجبل شموخه، ومن الجنوب صموده أمام الغزاة الذين تسببوا باستشهاد والدها وهي في الخامسة عشرة من عمرها.

كتبتْ الشعر في سن مبكرة، وما زالت تواصل إبداعها دون كلل رغم كل مشاغلها اليومية. مربية أجيال، وأم حنون، وعاشقة للبنان بجباله وسهوله. بدأت بنشر قصائدها منذ سنوات قليلة، صدر لا حتى الآن ديوانا شعر هما: (أنثى أنا)، و(أرجعتني طفلة)، ولها ديوان آخر تحت الطبع. ورواية في طريقها للنشر.

ديوان العرب تستضيف الشاعرة اللبنانية لورين القادري، فأهلا وسهلا:

ـ في البداية حدثينا عن طفولتك، متى بدأت تتجهين لكتابة الشعر؟ هل ساعدك أحد؟ هل وفر الأهل لك الوقت للكتابة؟

- ولدت في ذوق مكايل - جبل لبنان - و كنت أنعم بطفولة هانئة بريئة قبل أن نسكن في قريتي كفرشوبا التي تقع في جبل الشيخ جنوب شرقي لبنان قرب الحدود الفلسطينية حيث بدأت الاعتداءات الاسرائيلية وبدأ مسلسل النزوح والعذاب والرعب ....

بدأتُ كتابة الشعر غير الموزون في سنٍّ مبكرة حين كنت في الثانية عشرة من عمري وكان والداي يشجعانني على الكتابة حيث كانا يستمعان لقراءاتي البسيطة ويثنيان عليّ .. استشهد والدي وشعرت بفقده فجأة وانا في الخامسة عشرة من عمري.
لم اكن أفقه طعم الموت ولا عهد لي به، وكانت أزمة عظمى بالنسبة لي زلزلت كياني وصهرتني لأولد فتاة أخرى بشخصية مختلفة وقلب جريح وقلم مفعم بالألم .. من هنا بدأت رحلة الكتابة من استشهاد والدي وقد كانت مهمة أمي صعبة جدا وهي رعاية سبعة أولاد أكبرهم أخي في الثامنة عشرة.
تخبّطت مشاعري بين حرقة اليتم وألم الفقد حيث نأى قلمي عن شعر الحب والغرام وعمر المراهقة عمر الورد والفراشات ...

- كتاب وشعراء أثروا في الشاعرة لورين القادري؟

- مبكّرا جدًّا قرأت معظم كتب الأديب اللبناني جبران خليل جبران وقد تركت في داخلي بصمة واضحة من حيث الصور، والمفردات، والخيال.

وقرأت الروايات والقصص ثم دواوين لشعراء معاصرين، وشعراء قدماء منذ الجاهلية حتى العصر الحديث من أمرئ القيس مرورا بشعراء العصر الإسلامي وصولا إلى المتنبي الذي تأثرت به كثيرا وترك في داخلي إعجابا لتطلعه دوما إلى العظمة وارتقاء النجوم، ولا زالت أبياته راسخة في مخيّلتي مثالا يحتذى به..

أما في العصر الحديث فبدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، ونازك الملائكة، ومحمود درويش والأثر الاكبر للشاعر المختلف نزار قباني.
كما قرأت روايات الجزائرية أحلام مستغانمي ولا غرو إن قلت إنها امرأة كاتبة وكاتبة امرأة ...

- ما الذي تقرئينه هذا الأيام؟

- أقرأ أي كتاب تقع عليه عيني وأشعر تجاهه بنبض مختلف نثرًا أو شعرًا .. روايات الجزائرية أحلام مستغانمي ..دواوين شعراء، معاصرين وشعراء أصدقاء.

- لو لم تكوني شاعرة ماذا كنت تحبين أن تكوني؟

- لو لم أكن شاعرة لكنت شاعرة أعزف على أوتار الحروف سمفونية عشق لا ينتهي

- في ضوء ما تشهده بلادنا العربية من أحداث أين وصلت فكرة تقبل الآخر في الأدب العربي؟ هل قصر الأدب (والشعر من ضمنه) في إرساء قيم التسامح والمحبة بين أبناء الوطن الواحد؟

- ما تشهده بلادنا من احداث ينأى بالناس عن الأدب فقد أصبح حلم الإنسان الأمن والأمان والملجأ وخاصة في البلاد التي تدور فيها رحى الحروب وقد قصّر الأدب كما قصّر العلم والدين في إرساء قيم المحبة، والتسامح فكشر الإنسان عن أنيابه مفترسا أخاه مبتعدا عن كل ما يمت للإنسانية بصلة ضاربا بالقيم الدينية والأخلاقية عرض المصالح الخسيسة التي يجري خلفها ..

-
أين تقف المرأة في العالم العربي من الانقسام الحاد بين التيارات الفكرية المتصارعة؟ هل أصبحت جزءاً من المشهد السياسي المتأزم؟

- المرأة منذ بدء الخليقة هي المرأة الأم والزوجة والأخت والحبيبة ووو وهي التي كانت ولا تزال تقف خلف الرجل لتجعله عظيما في حين ما زالت نظرته إليها نظرة قاصرة معتبرا إياها عنصرا ضعيفا بل ناقصا في مجتمع يزخر بالتناقضات.

وقد نزعم أننا نسير في ركب التقدم العالمي العلمي والتكنولوجي لكن الأفكار الصدئة لا تزال تتحكم بعقل الرجل العربي فلا يفسح لها مجالا لتكون في واجهة المشهد السياسي بل يدفع بها لتكون في الخلف لذا فلا حول لها ولا قوة في ما يحصل ولا حصة لها في المشهد السياسي وإن كانت جديرة فهو لا يعترف بوجودها أصلا لانها منافس كفؤ له ...


- دور الشاعرات العربيات في الساحة الأدبية، هل وصل إلى ما تطمحين إليه، أم أن مشاركتهن ما زالت في بدايتها؟

- طالما كان الشاعر رسول مجتمعه والناطق باسم أهله ومواطنيه، وباعث الهمة فيهم .. أما المرأة الشاعرة فما زال دورها ووجودها محدودا إذ يحتل الرجل الواجهة، وما زالت نظرة العامة إلى الشعر نظرة ناقصة باهتة فكيف إن كان من يكتب هو امرأة؟ يلزمنا ألف عام حتى تستطيع المرأة الشاعرة ان تصرخ بصوت هادر يرسّخ وجودها أمام تسونامي الرجل الشاعر ...

- هل الشعراء في لبنان موحدون في اتحاد واحد؟ وهل يلعب هذا الاتحاد دوره في النهوض بالوضع الثقافي والشعري اللبناني، والعربي؟

- الشعراء هم شريحة المثقفين الواعين من المجتمع الذين كان ولا يزال همهم الوطن ككلّ لا يتجزّأ فيجتمعون، ويوحدون تحت لواء واحد والمبادرات للنهوض بالشعر اللبناني كثيرة وذلك يتجلى بالنشاطات الأدبية واللقاءات والامسيات الشعرية في شتى المناطق اللبنانية لا سيّما في الجنوب.


- هل أثرت التقنيات الحديثة من فيس بوك وما شابهها على تطور االشعر العربي، أم أنه أدى إلى تراجعه لانشغال الشعراء بالتواصل الاجتماعي وإبداء الآراء؟

- وسائل التواصل وصلت الأواصر بعضها ببعض وأفسحت حقلا رحبا للتفاعل وتلاقح الافكار والشاعر يحتاج بشدة للتواصل والتلاقح الفكري ليغني لغته وصوره وشعره وللاطلاع على نتاج الآخرين، والاستفادة من خبراتهم وتجاربهم الشعرية وهنا أرى في الأمر إيجابية أضافت دفعا من نوع آخر لنشاط الشعراء حيث وفّرت سهولة النشر والاستفادة من آراء ونقد الآخرين الإيجابية والسلبية ما أغنى التجربة الشعرية وأنضجها ..


- شعر المقاومة الذي انتشر في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، أين هو اليوم؟
أغاني جوليا بطرس (وين الملايين؟) أين هي اليوم من الجماهير العربية؟

- طالما كان الوطن بوصلة الروح والمبادئ وقبلة المواطن والوطنيّ الصادق وذات احتلال كان جلّ المواطنين مقاومين يذودون عن حياض الوطن ويقدمون الروح قربانا على مذبح الفداء، واليوم لم تتغيّر المبادئ لكن اتجاه البوصلة انحرف قليلا فبات لكل مواطن أكثر من وطن فله وطن يحمل جنسيته وآخر يشعر بالولاء نحوه، وتشده قضاياه أكثر من الأول.
والشعر منذ الأزل كان مرآة تعكس ما يراه ويشعر به الشاعر وما يستطيع أن يذكي به وطنية النائمين وعاطفة الوطنيين.
أما أغنية «وين الملايين» فعبثا غناؤها لأنك لن تسمع من فقد حواسّ السمع والبصر والإحساس ....

- المثقفون العرب هل هم مستقلون فيما يبدعون، أم أنهم أسرى الحاكم، والسلطة، وأصحاب النفوذ، والمال؟؟؟

- المثقفون هم شريحة من المجتمع يتأثرون بما يدور في فلك بلدانهم إن سلبا أو إيجابا ووظيفتهم تحريك الماء حتى تتكوّن الموجة لكن أحيانا تكون الموجة عكس اتجاه الهواء ...


- واضح أن الانقسام في الشارع العربي بين قوى التكفير والجهل والتخلف قد امتدت لكل الساحات العربية، بما فيها ساحات الأدب والثقافة، ما دورنا كمثقفين في هذا المجال؟

- دور المثقف أن يجلو الغمة عن عيون الآخرين لكن إن كان المثقف قد غشي على بصره فالمصيبة عظيمة متفاقمة والداء مستفحلٌ لا أمل بالبراء منه ...

أما زال الشعر ديوان العرب، أم أنه أصبح أحد وسائل الإبداع الأدبية الكثيرة والمتنوعة هذه الأيام؟؟

- كان وما زال وسيبقى الشعر ديوان العرب، وجعبة العواطف، والمشاعر والذكريات والشجن والفرح، وسجلّ التاريخ ومرآة الروح ...وهو في الآن ذاته وسيلة إبداع وأداة صنع جمال ورهافة أحاسيس ...


- تكثر هذه الأيام عمليات السطو على الإبداعات الأدبية خصوصا الشعر، وقوانين الدول العربية لا تحمي حقوق الكتاب، والشعراء؟
من يتحمل المسؤولية؟
وكيف نواجه هذه القرصنة؟

- منذ القدم والأعمال الأدبية معرّضةٌ للسرقة وخاصة الشعر أما اليوم في عصر الانفتاح، وسهولة النشر والعرض صارت السرقة أسهل وقد سهّل هذا الأمر وسائل التواصل الاجتماعي وما من رقيب ولا حسيب ولا قانون يحمي.
فكلٌّ من الأدباء والشعراء عليهم توخّي وسيلة لحماية نتاجهم ولكن عبثا واللصوص لا يرتدعون ...يجب العمل بقانون حماية الملكية الأدبية وصيانة الإبداعات الأدبية، ومعاقبة السراق ليعتبر من تسوّل له نفسه بالسرقة ...

- هل الإعلام العربي يقوم بواجبه في نشر الثقافة، والشعر؟

- الإعلام العربي منشغلٌ بالسياسة، والبرامج التلفزيونية التي تدرّ أرباحا أما الشعر فهو عالم آخر بل صناعة من عالم آخر لا يجذب سوى القلة القليلة من الناس ..

- سبب قلة الجماهير التي تتردد على المهرجانات الشعرية مقارنة بالمترددين مثلا لحفلات الأغاني، والرقص؟ هل هو ابتعاد الشعر عن الناس؟ أم أن الذائقة الشعرية للجماهير أصبحت متدنية؟ من يتحمل سبب ذلك؟


إنّ مرتادي المقاهي والحفلات أكثر عددًا من مرتادي منتديات الأدب، والثقافة ومردّ هذا عدم اهتمام المثقف العربي بالأدب بعد أن وجده لا يؤمن له المتعة المرجوّة مقارنة بنارجيلة تزقزق بين يديه وهو مستلقٍ مسترخٍ.

ربما كان السبب في هذا الوضع السياسي العربي والتردّي الثقافي الحاصل في معظم بلداننا العربية والتراجع الآيل إلى الانحطاط في معظم مرافق الوطن ..

- بدون مجاملات، كيف تقيمين أداء ديوان العرب على الساحة الأدبية؟؟

- ديوان العرب موقع ذو أهمية عظمى يتفوّق على ما عداه من حيث المستوى والأداء وذلك يتأتى من رقي مستوى القيّمين عليه وهنا لا بدّ لي ان أذكر أن ديوان العرب هو أول بقعة جغرافية على خارطة التواصل نشرت فيها قصائدي وكنت قد بحثت عن وطن ضئيل المساحة أنتمي إليه لأحط فيه رحال قصائدي فكان ديوان العرب.
و إني لأفخر بهذا وما زلت أفخر بانتمائي لهذه العائلة الراقية ...

- كلمة أخيرة توجهينها للقراء؟

- القراء الأعزاء أدمنوا القراءة فالثقافة لا تتأتى إلا بالقراءة، والمطالعة والاطلاع وسبر غمار العمق واصطياد النفائس ...وإن جولة في ديوان العرب كافية لتكوين ثروة لا يستهان بها ...
شكرا لديوان العرب
شكرا للأستاذ عادل سالم دمتم بخير وألق


عادل سالم

- رئيس تحرير ديوان العرب.

من نفس المؤلف