قارب الموت والظمأ العظيم(١١)

، بقلم حسين سرمك حسن

تحليل طبي نفسي ونقد أدبي لقصص مجموعة "أوان الرحيل" للدكتور علي القاسمي

"ظمأ الوجود العظيم"
تحليل قصّة "الظمأ"
يقولون لا تبعدْ وهم يدفنوني
وأينَ مكانُ البعدِ إلّا مكانيا؟!
"مالك بن الريب"

يُهدي القاسمي قصّته العاشرة: "الظمأ":

(إلى روح الفنّان الكبير الدكتور خالد الجادر)

ومن الواضح أنّ هذه القصّة ترتبط بالقصّة السابقة: "القارب" من خلال شخصيّة الرسّام "خالد" صديق الراوي في القصّة، والمبدع الكبير "خالد الجادر" كان فعلاً مريضاً جدّاً، ومريضاً بالقلب تحديداً، مرضاً تحدّث عنه ذات مرّة قائلاً:

(لا تهمّني هذه الأزمة والإنسان مُعرّض لذلك، ولا بُدّ من نهاية، ومصائر البشر بيد الله. ولكن أنا صاحب رسالة فنّية، وأحملُ همّ هذه الرسالة، وأخشى من هذا القلب أن يتوقف وأنا بعدُ لم أُكمِل هذه الرسالة..).

ولكن الأهمّ الذي يفصل المقال كما يُقال، هو أنني وجدتُ قصّة القارب منشورة في ملحق جريدة "المدى" العراقية يوم الأربعاء – 18/12/2012، وهي مهداة أيضاً "إلى روح الفنان الراحل خالد الجادر".

ومن المهم الإشارة إلى حقيقة أنّ إهداء النصّين إلى روح خالد الجادر لا يعني لزاماً أنّ الشخصيّة المحوريّة في النص هي خالد الجادر الحقيقي الواقعي. وحتى مع تأكّد القارىء من أنّ المَعنِي في النصّين هو خالد الوا قعي، فإنّ الشخصيّة الفعليّة تتحوّل إلى شخصيّة "نصّية" في العمل الإبداعي، بمعنى أنّ هناك حقيقتين في أي نصّ أو منجز فنّي: الحقيقة الواقعيّة والحقيقة الفنّية، وهاتان الحقيقتان (وتتبعهما الشخصيتان) ينبغي عدم الخلط بينهما أبداً، لأنّ الخلط بينهما سيجرّنا إلى عواقب وخيمة تتعلّق بمسألة "مصداقيّة" العمل الفنّي، وجواز الحكم "الواقعي" عليه. وكمثال على ذلك نقول: هل تستطيع زوجة رجل شاعر تقديم طلب بالطلاق من زوجها إلى المحكمة لأنها وجدت قصائد يتغزّل فيها زوجها الشاعر بامرأة أخرى؟ وهل يستطيع القاضي الاعتماد على هذه القصائد كمستندات وأدلّة ثبوتية ليحكم بالتفريق؟

طبعاً الأصوليون ورثة الإله المُشمئز يحاولون الآن تثبيت هذه الواقعة الشائهة في حياتنا اليومية والثقافية، ولهذا طلعوا علينا ببدعة محاكمة الروايات وحرق النصوص الشعريّة.

إنّ المهم في هذين النصّين القصصيّين هي الكيفية الخلّاقة التي تلاعب بها القاسمي بتسلسلات الحوادث التاريخية والواقعية، وتحويلها إلى "مادة" سرديّة يمتزج فيها ما هو واقعي بما هو مُتخيّل، في "تركيب" جديد يُمرِّر من خلاله رؤياه إلى أخطر معضلة في الوجود وهي معضلة "الموت". ولو عدنا إلى النصّين، لوجدنا فارقاً جذريّاً بينهما يُثبت "لا واقعيّتهما" النصّية، ففي النصّ الأوّل: "القارب"، يموت الرسّام خالد في شقّة الراوي، ويحضر مراسم دفنه في البلاد ذات البحر، ومن المؤكّد أنّها ليست بلاد الرسام الأصلية التي تخلوا من "البحر الهائج" كما ورد في القصّة، ويمكنكَ أن تربط بعض الإيحاءات المتعلّقة بسيرة الجادر واستقراره في بلاد مماثلة (هي المغرب التي يقطنها القاسمي) قبل موته. أمّا في النصّ الثاني: "الظمأ" فإنّ الرسّام يموت في شقّته، وتتولى الشخصيّة الرئيسية في القصّة، وهي تُحكى بضمير الغائب، إرسال جثمانه إلى وطنه الأصلي.

ما فائدة هذه المُداخلة؟

فائدتها مهمّة، وتتمثّل في أن التفريق بين الحقيقة الواقعيّة الموضوعية والحقيقة الإبداعيّة النصّية الذي ندعو إليه لا يعني أبداً أن النصّ يصبح كياناً هلاميّاً طافياً فاقداً لأيّ ارتباط بأرض الواقع. فمهما حاولنا عزل النصّين عن الحقائق الواقعيّة ستبقى المرجعيّات "الأرضيّة" تتمظهر بين سطور الحكاية المُتخيّلة.

وقد شعر القاسمي بأهميّة وإلحاح هذه المُعضلة، فأشار إليها في "تقديم" أعماله القصصية الكاملة - وهذا ما ستكون لنا معه وقفة مقبلة أكثر تفصيلاً - حين قال:

(إنّ منْ يقرأ هذه القَصَص لكي يستخلص منها جوانب من سيرتي، سيُصاب بخيبة أمل، ومن يقرأها بوصفها من نسج الخيال، سيفوته الشيء الكثير من الحقيقة، لأنّ الفنّ عموماً، والأدب على وجه الخصوص، ينطلق من أرض الواقع ليحلّق في سماوات الخيال) (ص 12).

وإذا كانت قصّة "القارب" قد أشادت معمارها على ركيزة القارب "الوحيد"، لتمرّ باستجابات الرسّام تجاهه، وتصل إلى موته، مع التركيز على تداعيات الراوي الحاكمة حتى في تأويل استجابات الرسّام بدايةّ ونهاية، فإنّ قصّة "ظمأ" تُستهَل بموت الرسّام، ولكن السطوة السلوكيّة والانفعالية والفكرية الكبرى على أجواء الحكاية فيها هي لصديق الرسّام. وقد أحسستُ أن استخدام القاص لضمير الغائب – كما سنرى - في قصّة "الظمأ" قد شكّل تحوّلاً هائلاً في كشف انفعالات الرجل وتحقيق أعمق تأثير لها في نفس المتلقّي، حيث يبدو أنّ استخدام ضمير الأنا – كما حصل في قصّة "القارب" – قد شكّل "حاجزاً" في "رؤيتنا" المباشرة لانفعالات الشخصيّتين فيها وانعكاسها على مكوّنات المكان أو انفعال المكان بها إذا جاز التعبير، كما لو أنّ "ستارة" شفيفة من ظلال "الأنا"، أنا الراوي، تقف بيننا وبين الوقفة المجاورة الحميمة للرسّام، والمكان – القارب خصوصاً –، وتحوّلات الزمان ؛ كأنّ أحداً آخر يتولى شرح الحوادث لنا كما يفعل المُرشد السياحي وهو يقدّم لنا المعلومات عن محتويات بيت تاريخي، مثلاً، ونحن نقف على أبوابه. كان أنا الراوي هو السارد الذي يحكي لنا عن أفكاره وأحاسيسه، ولكنه اتسم بخصائص "الراوي الكلّي العلم – Omniscience Narrator" أيضاً في اطلاعه وكشفه للأفكار والمشاعر الدفينة التي يضمرها صديقه الرسّام. وقد حكمت هذا الموقف الضغوط التي يعاني منها الراوي و"أزاحها" (بالمعنى النفسي – Displaced) إلى الرسّام لأنّ من المؤلم للذات الاعتراف المباشر بها للقارىء وعرضها أمامه. ومع ذلك – وكما رأينا – فليس شرطاً، وبالمعاني التحليلية النفسيّة، أن يكون السارد / الراوي "كليّ العلم" بالدوافع والمحفّزات المستترة، ولعلّ هذه واحدة من أعظم الفتوحات التي حقّقتها ثورة التحليل النفسي حين أثبت أنّ "أنا" ليس "أنا"، مُطيحاً بالكوجيتو الديكارتي المُضلّل. لقد كان الراوي في الواقع الفعلي هو "السارد" و"بطل" الحكاية في الظاهر، لكنه كان بحاجة إلى مَن "يسرد" عنه، ويشاركه "البطولة"، فكان وجود الرسّام "الغائب" الذي "أربك" أداء الراوي "الحاضر".

أمّا في قصّة "الظمأ" فإنّ السرد – وسنتناول خصائصه ودوافعه في مسار التحليل – يأتي بضمير الغائب منذ لحظة الاستهلال مع تحوّل إلى الضمير المخاطب في لحظة واحدة عابرة لكن مُهمّة:
(سقطتْ سمّاعة الهاتف من يده قبل أن يسمع بقيّة كلام مُخاطبه، وهبّ يهرول متعثّراً في اتجاه الباب، مُغالباً الدمع المُنبجس في مآقيه، وهو في طريقه إلى شُقّة صديقه الرسّام الكبير) (ص 279).

لم يُفصح الراوي للمتلقّي عن سبب هذا الانفعال العاصف الذي ألمّ بالرجل، ولكن الانتباهة "الجانبيّة" التي أظهرها الرجل للوحات الفنّان الراحل المُتراكمة، ووصف "المناخ" الاكتئابي القاتم الذي خيّم عليها:

(بدت له جميعها داكنة الألوان، متكسّرة الخطوط، متبعجة المنظور، وتكتسي كلّها مسحة أسىً دفين في عصر ذلك اليوم الشتائي الغائم)

تُسهِم في تهيئة القارىء لاستقبال الواقعة الصادمة المُقبلة المتمثّلة برحيل الرسّام الكبير.
وسيلاحظ القارىء أنّ هناك إيقاعاً سرديّاً "سريعاً" (عدد الأفعال مقسوماً على الزمن) في سلوك الرجل الذي دخل غرفة الجلوس الخافتة الضوء الباهتة اللون (تتجانس مع جو الانثكال)، ولم يعبّأ بالفتاتين اللتين تنتحبان حول التابوت المُغطّى بقطعة قماش سوداء، ولم يعبأ بهما أو يوجّه الكلام إليهما. وضع يده اليمنى على رأس التابوت، وأخذ يقرأ الفاتحة ويدعو للراقد داخله. ثم دلف مُسرعاً إلى غرفة النوم الوحيدة في الشقّة، ليلقى أخا الرسّام وهو مُستلقٍ على وجهه في سريره، وقد وضع كفّيْه على عينيه، فبادره سائلاً:

وماذا عن نقل الجثمان إلى الوطن؟

عليّ الإنتظار يومين لعدم وجود طائرة هذا اليوم.

بلى. هناك رحلة مباشرة بعد ساعتين، وسأهاتف وكالة السفر... سآتي بسيارتي خلال خمس دقائق، وعليك إنزال النعش إلى هناك.

انطلقت السيّارة كجوادٍ جامح على الطريق المُحاذي للبحر نحو المطار...) (ص 279).

وبإهمال الفتاتين المثكولتين، والتوجّه، مباشرة، نحو التابوت لقراءة سورة الفاتحة على روح الرسّام الراقد فيه، ثم سؤال أخي الراحل الأصغر بصورة مفاجئة وبلا مقدّمات عن نقل الجثمان إلى الوطن، والمدّة الوجيزة التي سيتفق فيها مع شركة السفر وجلب السيّارة (خمس دقائق)، ومعرفته المسبّقة بوجود رحلة جوّية إلى الوطن بعد ساعتين، وعدم التفكير في الكيفيّة التي سيُنزِل بها الشاب التابوت وبمساعدة مَن، ثم النقلة المباشرة إلى انطلاقة السيّارة نحو المطار.. كلّ ذلك يعكس إيقاعاً سريعاً.. بل سريعاً جدّاً يتجاوز الكثير من المسلّمات والاعتبارات الاجتماعية المُتعارف عليها. وأعتقد أنّ سرعة الإيقاع هذه تعكس – عن بعد – الربكة التي يُحدثها الموت في روح القاسمي التي تقف خلف أفعال شخصياته المُمتحنَة وهي تواجه المُثكل، ربكة تحدّثت عنها سابقاً، ولا صلة لها بالسارد (الورقي) العليم أبداً، فهو "وسيط" بمفهوم الوساطة الذي تناولته في تحليل القصّة السابقة، بل باختلاجات روح (المؤلّف) حين تلوب في داخلها غيلان قلق الموت. هل كانت هذه السرعة السلوكيّة تعكس تصاعد ضغوط النفس الداخلية الطامحة منذ عقود للتخفّف والعودة إلى الرحم الأم؟ هل كانت سرعة إرسال جثمان الرسّام الجامحة شكل لممارسة "مُقبلة" تهدّد الذات المُنجرحة، مُختزنةً لوعاتُها في اللاوعي، وتشتغل تحت رماد الغربة والنفي؟ هل كان في هذه السرعة تخفّفاً من مُمثل شديد التاثير لفعل المُثكل في النفس بفعل العلاقة الإنسانية الدافئة والقويّة التي تربط الرجل بالرسّام؟ لقد عمل الرجل على إرسال جثمان صديقه بأسرع وقت، كجزء من وفائه بالتزامات صداقته له، وها هو ينطلق بسيارته بأقصى سرعة نحو المطار، يرافقه شقيق الرسام والفتاتان المنتحبتان، في يوم عاصف ممطر مظلم يجعل السياقة خطيرة قد تؤدّي إلى انزلاق السيّارة.

وفي الطريق نحو المطار، يستعيد – في تخييل يقظة طويل - جانباً من ذكرياته مع صديقه الراحل الذي لو كان بجانبه الآن – مزيحاً شقيقه في الرجاء -، لراح يحدّق، بعينين مغرورقتين، في الحقول، وللفتَ نظر صديقه المُنهمك في قيادة السيارة – يقصد الرجل – إلى تنوع أغطية الرأس التي يلبسها الفلاحون وغنى ألوانها.. أهل الأسكيمو وأهل الصحراء لا يعرفون سوى نوع واحد من غطاء الرأس! ولا يستطيع العقل المُراقب الإمساك بأهميّة هذه المُلاحظة عن غطاء الرأس إلّا إذا أُخذ معناها الرمزي في الحماية والزهو، المُتظافر مع زهو الطبيعة وبهجتها بتنوّع نباتاتها وأزاهيرها، مع تخييل يقظة مُقبل سوف يمرّ به الرجل. ويتفق هذا أيضاً مع تصوّر الرجل عن لفتة صديقه الراحل، "لو" كان بجواره الآن، إلى ظاهرة الضوء العادل العدل الذي يهب الأرض ألوانها الساحرة الفاتنة. حتى أمهر الرسّامين لن يستطيع أن ينقل روعة الطبيعة في لوحاته، دون أن يعضده الضوء المُعتدل العادل العدل، فينفذ من خلاله إلى موضوعه ويندمج فيه، بحيث تغدو الذات والموضوع كياناً واحداً ينبض بالحياة على سطح اللوحة (ص 280).

وفي مواجهة ضربة باطشة مثل هذه، من قبضة المثكل التي لا ترحم، يلجأ الإنسان المثكول إلى دفاعاته الحمايوية التي تتنوّع حسب مخزوناته وخلفياته الثقافية والاجتماعية والدينية من جانب، وتجاربه الماضية مع انثكالات وفقدانات سابقة من جانب آخر، وكلاهما سوف ينسربان في فانتازيا اليقظة المقبلة. لكن الدفاع الطارىء المباشر لدى الرجل كان في الاحتماء بالطبيعة (الأرض ومظاهر خصبها وتحوّلات فصولها) كمكافىء للرحم الأمومي الأصل. ففي كل الانجراحات التي تصيب الإنسان وتكشف هشاشة وجوده ككائن محكوم عليه بالفناء، يكون الرجوع إلى الموئل الذي لا يجد دونه ملتجأ حامياً، وهو الرحم الأمومي المُجرّب بقدرته الحمايوية الناجزة، فهو الفردوس الأوّل الذي ذقنا طعم الخلود فيه، والذي قيست على صورته الإغفاءة الخلودية المُنعّمة في فردوس الآخرة، أي أنّ فعل الرحم الأمومي المُختزن في طيّات لاشعورنا الفردي والجمعي هو الذي يُقاس عليه فعل الأرض في خصبها ونمائها المُتجدّد، وليس العكس، كما حاول بعض الباحثين المشهورين في مجال الأسطورة حين قلبوا العلاقة ووضعوها على رأسها. والرجل حين يتذكّر عطايا الطبيعة السخيّة في فصلها الانبعاثي: الربيع، بضوئه المعتدل العادل العدل، الذي "ينفذ" إلى موضوعه، و "يندمج" فيه، وكأنّه لحظة التحام تذكّرك بتلك اللحظة الالتحامية المُباركة التي هي أصل كل نماء ومنبع كل تجدّد، اللحظة التي تحتضن فيها الطبيعةُ الأمُّ الربيعَ، ابنها، ليصبحا كياناً واحداً عصيّاً على الفناء. والموقف الراسخ في اللاشعور الجمعي من هذه الأنماط الابتدائية كما يسمّيها "كارل غوستاف يونغ"، هو أداة مساندة ومُنعشة وتسهم في ترصين الصحّة النفسيّة، من خلال الشعور بالإمتداد النرجسي "الكلّي الوجود –Omnipresence " في الأحلام والخيالات وفي الفنّ، خصوصاً في مواجهة الخسارات الجسيمة. وقد جمعها الراوي كلّها وهو يستعرض سلوك الرجل المنفعل برحيل صديقه الرسّام. وها هو يتحوّل إلى ضمير المُخاطب في اللحظة الوحيدة التي تحدّثنا عنها في البداية.. يخاطب صديقه الراحل وكأنه حاضرٌ أمامه، فالمهمة الانبعاثية للّغة تنتهي بضمير "الغائب"، وتتجوهر وتتعزّز بضمير "المُخاطب".. يخبره بالحداد الكوني أسفاً على رحيله.. وحزن الطبيعة الأم عليه:

(في عصر هذا اليوم الشتائي الغائم، يختبىء الضوء الذي بهرَكَ وأسَرَكَ وراء الغيوم، وتُقفر الحقول من أهلها الذين أحببتَ ) (ص 280).

ومن الواضح أن حلم اليقظة هذا طويل.. وطويل جداً، بل خطير، بالنسبة إلى شخص يقود سيارته بسرعة جنونيّة، وفي جو عاصف مظلم، وتحت أمطار تنهمر بصورة متصاعدة، وفي طريق مغطّاة بالمياه والأوحال يهدّد بالإنزلاق! معنى سرحانه الخدِر في تخييلاته الملوّنة هذه التي استدعى فيها طيف صديقه المتوفّى أنّه لم يضع في حسبانه مخاطر هذا الأمر، ولم يفكّر في أنّه يجب أن يوفّر كل تركيزه للوصول بالجثة بسلام إلى المطار. لكننا نجده يتذمّر بعد قليل من أنّ نحيب الفتاتين المتقطّع وأنينهما غير المتناغم طوال الطريق، كان يُفسد عليه التركيز المطلوب. هذه مخاوف وعينا وهو وكالة حسّية فقيرة كما وصفته، ولا يستطيع التعامل إلّا مع متغيّر حسّي واحد فقط، في حين أن لاشعورنا قادر على إدارة مجموعة من المؤثرات الحسّية بكفاءة (تقود السيّارة وتغيّر التروس وتتحدّث مع الشخص الجالس في المقعد الأمامي وتغيّر مفتاح الموجات في الراديو في وقت واحد). وما يقوله الرجل يكشف حقيقة أنّ انتباهنا هو عمليّة "انتقائية" حالنا حال الأمّ المتعبة التي لا تستيقظ حين يمرّ قطار بجوار المنزل في حين تقفز لأقل صيحة من رضيعها. والرجل الذي كان يزعجه نحيب الفتاتين المتقطّع – وهو سلوك طبيعي ومتوقّع في مثل هذه الحالة – ويرى أنّه يؤثر في تركيزه على السياقة، لم يكن يعتبر هذا السرحان الطويل في فانتازيا يقظته مؤثّرا عليه بأيّ شكل. لقد كانت كل حوّاسه وإدراكاته مُرتهنة ليس بالتأثير الموجع لموت صاحبه العزيز على نفسه حسب، ولكن بالإسراع في إكمال مهمّة ترحيل جثمانه. لم يلاحظ حتى تحيّة الوداع التي لوّح بها أخو الرسام، وهو يجتاز حاجز إجراءات المغادرة حين كانت عيناه تشيّع النعش حتى ابتلعته بطن الطائرة. وبعد أن اطمأنّ إلى إنّ المهمّة قد اكتملت، وأنّ الطائرة قد اختفت في غياهب الغيوم القاتمة، عاد يقود السيّارة شاعراً بتخفّف كبير جعله يحسّ بأنّ طريق العودة إلى المدينة لم يكن طويلاً كما كان في أثناء الذهاب إلى المطار. وعلى الرغم من استمرار الفتاتين في نحيبهما المتقطّع فقد حلّ ذهنه بعيداُ، وراح في حلم يقظة جديد يتخيّل فيه صديقه ميّتاً لا حيّاً كما كان الحال في التخييل السابق. في هذا التخييل تراءى له في أرض وطنه الأصلي البعيد الذي نأى عنه طويلاً:

(جمعٌ من المُستقبِلين المُشيّعين، حفاةَ الأقدام، حاسري الرؤوس، يحملون النعش على جماجمهم، مكبّرين مهلّلين، وهم يُسرعون الخُطى إلى قلب الصحراء، حيث وُلد الفنّأن الراحل وحيثُ يرقد أجداده منذ قرون. وظلّوا يحملون النعش على أعناقهم، وهم يندفعون بعيداً بعيداً نحو لحدٍ فاغرٍ فاه عند خطّ الأفق، في فلاةٍ لا متناهية زاخرة بكثبان رمليّة صفراء تمتد إلى ما وراء حدود البصر، تلفحها أشعة الشمس الشديدةُ اللمعان، حتى تحيلها سراباً يغطّي السماء والأرض. وكلّما دنوا من اللحد ابتعد عنهم ونأى) (ص 281).

وهنا سيلفت انتباهنا أنّ هذا التخييل – ومرّة ثانية - طويل زمنياً أيضاً، ولكنه مبرّر وقابل للحصول عمليّاً محكوماً بدوافع اللاشعور كما بيّنا، وهو – أي التخييل – يجعل نعش الرسّام يُحمل بطريقة غريبة، ففي البداية يضع المشيّعون التابوت على جماجمهم! ثم يحملونه على أعناقهم! صحيح ان مفردة الجمجمة تُستخدم قاموسيّاً لتعني رأس الإنسان، لكن المعنى التداولي الشائع بين الجميع هو أنّ الجمجمة تعني عظام الرأس التي تحتوي على دماغ الإنسان، ولا يوجد بيننا شخص يذهب إلى الحلّاق ويقول له جئتُكَ أحلق شعر جمجمتي! ومن المعروف ايضاً أنّ المشيّعين في البلاد التي يتحدّث عنها الراوي يحملون نعش الميّت على أكتافهم وليس على أعناقهم، وسوف يعزّ على أيّ قارىء تصوّر الكيفية التي يسير فيها المشيّعون وكلٌّ منهم يضع النعش على عنقه! إنّ هذه الربكة اللغويّة لا تعود إلى فقر الأدوات اللغوية، أبداً، فنحن نتحدّث عن عالمٍ خبيرٍ معروفٍ في شؤون اللغة العربيّة وهو الدكتور علي القاسمي الذي لا تخفى عليه خافية من شؤونها. لكن ما يجري يتسق مع فرضيّاتنا السابقة حول دور انفعالات اللاشعور المحتدم اللائب في اللعب على أوتار اللغة وتسخيرها خلاف ما يُجمع عليه البنيويون، وقد تحدّثنا عن هذه المُعضلة كثيراً في هذه الدراسة وفي مناسبات مختلفة سابقة. وحين يتحدّث الراوي عن القبر يختار منه لحده (واللحد هو الشقّ في جانب القبر)، ويُقصيه بعيداً عند خطّ الأفق في فلاة لا متناهية جرداء تمتد إلى ما وراء حدود البصر! تعبيراً عن مهمّة "الإقصاء" اللاواعية تلك التي حكمت تعامله مع عملية ترحيل الجثمان بأكملها، عمليّة تجري الآن على مسرح معاكس تماماً للأرض الخصب المُترعة بالخضرة والحياة والضوء العدل العادل المُعتدل التي كان يرقبها الرسّام حيّاً في التخييل السابق. هناك كانت الطبيعة حيّة حامية مُنعمة تكافىء الرحم الأمومي الفردوسي حتى لو كان بديلاً أو دخيلاً، وهنا كشفت الطبيعة عن وجهها المُخيف الأجدب القاتل، وكأنّه تنويع على الوجه "الميدوزي" المُلتهم للرحم الأمومي الذي يحتفظ الوجدان الإنساني بجانب منه يبزغ وقت التهديدات الوجوديّة الكبرى التي تنطوي على مخاطر "النبذ" الأمومي من الأرض الأم والأوطان. وفي الوقت الذي كان فيه الضوء الانبعاثي الذي "يولد" بهدوء في التخييل السابق، تلفح أشعة الشمس القاسية رمال الصحراء فتحيلها سراباً يغطّي الأرض والسماء في هذا التخييل، فيتفتق القلق المكبوت ويتفجّر على صفحة الذاكرة ليضخّم حجوم وأشكال كلّ شيء. فأي مقبرة هذه التي في أقاصي الصحراء عند خطّ الأفق وتمتد إلى ما وراء حدود البصر وتحيط بها الكثبان الرمليّة الصُفر من كل جانب؟! والمشيّعون تحاصرهم الحيرة والفزع، وكأننا أمام تفاصيل فيلم مرعب، حيث كلّما اقتربوا من اللحد الفاغر فاه، إبتعد عنهم ونأى.. شحنات صراعية "متضادّة – Ambivalent" بين السلب والإيجاب، بين الإقبال والإدبار، وبين التسليم والرفض. إقبال على إكمال المّهمّة ووضع النعش في القبر، وإحجام عنه، لأنه يعني مواراة جزء من الذات، وانخلاع قسم من الأنا الذي استدخل الصديق الراحل. وفي النهاية يعكس هذا هشاشة للذات وقابلية على الانجراح لا يريد وعينا التسليم بها، فهي تعني تأكيداً لا رجعة عنه بالفناء والرحيل المقبل. فنحن – وبتحوير عن أطروحات مركزيّة لمعلّم فيينا -:

(نحتفظ بموقف تجاه موت إنسان غريب، يختلف اختلافاً جذرياً، عن موقفنا إزاء موتنا نفسه. فليس لدينا اعتراض على موت إنسان آخر، لأن ذلك يعني فناء مخلوق مكروه، ولا يوجد لدينا أي تردد في إحداث هذا الموت تحت غطاء المعاداة، ولا حاجة بنا لأن ننسب لأنفسنا تلك الغريزة التي يُقال أنها تكبح جماح الحيوانات الأخرى عن قتل وافتراس الحيوانات من نوعها. لقد كان موتنا ومازال بالنسبة إلينا هو نفسه أمر لا يمكن تخيّله، وغير حقيقي تماما. ولكن مع بلوغنا من العمر عِتيّا، مع وهن قوانا العضوية ونضوب طاقاتنا الجنسية، ستنحرث التربة التي تستقبل بذور المثكل السود باستسلام مّهين وترعاها.

وهناك حالة مضافة؛ حالة يتصارع فيها الموقفان المتعارضان تجاه الموت، وهي حالة بالغة الخطورة، وتسفر عن نتائج بعيدة الأثر، وهي الحالة التي كانت تحدث حينما نرى شخصاً يمت إلينا بصلة، زوجة، إبنة، صديق حميم، وهم الذين نحبهم بالتأكيد كما نحب ذواتنا، ذلك أن الحب لا يمكن أن يكون أصغر كثيرا من الشهوة إلى القتل، عندئذ – وفي لحظات ألمنا – سيتعين علينا أن نتعلم أننا أنفسنا يمكن أن نموت، وهو اعتراف سيجعل كياننا كله يتمرد عليه، ذلك أن كل واحد من أولئك الأحباء الراحلين العزيزين علينا هو بكل صدق جزء من " أنانا " الشخصي المحبوب) (33).

بين طقس ديني وإلزام اجتماعي يقسرانه على "تسليم" النعش ليُلحد إلى الأبد ماحقاً كل رجاء بالبقاء أو الخلود، ورغبة ذاتيّة مصيرية شديدة الإلحاح تدفعه إلى االرفض أو على الاقل تأخير هذه الخطوة الحاسمة. وفي أغلب الحالات تُحسم الصراعات اللاشعورية المُمزّقة بتسويات يرضخ فيها الوعي للأقدار المتجبّرة من ناحية، وتداري شيئاً من انجراحات اللاشعور العميقة من ناحية أخرى:
(وفجأة، رأى نفسه يجري وراءهم ليلحق بهم، حاسر الرأس حافي القدمين، يمدّ عنقه إلى أعناقهم ليحمل النعش معهم) (ص 281).

وصارت "علامة" انكشاف الرأس أو تغطيته دلالة على الهوّة التي لا تُردم بين عالمين: عالم فيه أغطية رؤوس الناس فيها ملوّنة أخّاذة كتلوّنات أرضهم بضوئها العدل العادل وربيعها الانبعاثي الساحر، رمزاً للحياة والأمل والتفاؤل، وعالم فيه الناس حاسرو الرؤوس حفاة الأقدام بسبب الفاجعات المُتلاحقة، منكشفون كصحرائهم الجرداء المصفرّة كصفرة الموت تسوطها ألسنة الشمس الجحيمية رمزاً للموت والفناء والخراب. وها هو الرجل ينطلق – بعد صراع وتردّد وتعطيل – خلف نعش صديقه مع المشيّعين، حاسر الرأس، في حركة تحمل في ظاهرها التسليم والإذعان لإكمال المُهمّة، لكنها تُخفي في باطنها – وهذا ما ستكشفه الأفعال الظاهرة أيضاً – ليس الرفض المُستتر ومحاولات المُماطلة، بل الروح "التحرّشية" بالمقدّس المؤسّس:

(وعندما اقترب من النعش أخذت تتناهى إليه أصواتٌ مخترقة التهليل والتكبير لتنفذ في أذنيه وعينيه، ضاغطة على شغاف قلبه كلحن نايٍ حزين، وانطلق منها صوتٌ نائحاً:

تذكّرتُ من يبكي عليّ فلم أجد
وارتفع صوتٌ ثانٍ متسائلاً:
يقولون لا تبعدْ وهم يدفنوني
وأينَ مكانُ البعدِ إلّا مكانيا؟!

ودوّى صوتٌ آخر موصياً:

إذا مُتُّ فادفنّي إلى جنبِ كرمةٍ
تروّي عظامي بعد موتي عروقُها
ولا تدفننّي في الفُلاةِ فإنّني
أخافُ إذا ما متُّ أن لا أذوقها) (ص 281 و282).

هنا يبزغ الوجه الثاني من عمليّة التصافق الماكرة حيث يخترق "صوت" الشعر – أي الفن – أصوات التكبير والتهليل، أصوات تبلغ من القوّة والشدّة حدّ أنّها لا تنفذ في أذنيه كما هو المتوقّع بل في عينيه أيضاً! وتضغط على شغاف قلبه. وبذكاء حذف الكاتب عجّز البيت الأوّل الذي يقول: "سوى السيف والرمح الرديني باكيا" لأنّه بمضمونه "المسلّح" لا يتّسق مع سياق الحدث ولا تعبيراته ولا مع طبيعة الفنّان الراحل الشفيفة. أمّا الصوت النائح الثاني كما وصفه الراوي فهو الذي كان يردّد بيتاً ثانياً من يائيّة "مالك بن الريب" الشهيرة في رثاء نفسه، وهو بيت شديد الغنى بالدلالات النفسية والفلسفية حيث يعلن الشاعر تمزّقه بين طلب من يدفنونه منه أن لا "يبعد" – وهي عادة عند العرب عند دفن ميّت لهم حيث يخاطبونه: "لا تبعد" أي "لا أبعدك الله"!-، في حين يتساءل الشاعر: وهل هناك أبعد من هذا المكان الذي يدفنونني فيه ميّتاً بلا رجعة؟ إنّها لعبة من ألعاب اللاشعور يستغل فيها تحايلات اللغة، التي لا تُحد، لتخفيف وطأة القلق عليه من خلال عمليّةِ مُخادعةٍ ذاتية، لكنها مُسكّنة ومُطمئنة ولو وقتيّا ً. ثم يأتي الصوت الثالث المفعم بالروح التحرّشية أعلى من كلّ الأصوات، مدوّياً، يدعو فيها الشاعر "أبو محجن الثقفي"، المُدمن على معاقرة الخمرة، إبنه، إلى أن يدفنه بجوار كرمة لكي تمتصّ عروقه من "دمها"، و "دم الكرمة" واحد من تسميات الخمرة، في إصرار على إدمانها ليس حتى الموت بل حتى ما بعده! هو صوت الموقف الدفاعي العبثي الذي لا يريد الصحوة على الحقيقة المريرة السوداء، موقف مستخفّ يجهز على الوعي بالموت، ثم على الذات بمازوخية مرتدّة إلى الذات تريد العصيان على المُثكل بالغيبوبة.

وفي ختام التخييل الدفاعي المُتضاد ّهذا، يبقى الصراع معلّقاً بلا حسم ناجع، فجمع المشيعين الحامل للنعش لم يلتفت إلى أيٍّ من النداءات الثلاثة.. لم تهزّ مشاعره، ولم يتوقف عنها، وكأنّ هؤلاء وكلاء للموت موكلون بالسير قُدُماً نحو أقاصي الجحيم. لم يضع الراوي نقطة توقّف أو غاية لهذه المسيرة، وجعلها مفتوحة على اللانهاية، وكأنّ مسيرة المُثكل لا تنتهي، وكأننا بعد الرحيل نواجه مسيرة ضياع دائمة.. لا لحد ونهاية وسبات وانتظار، بل حداء مديد في فلاة إنتحر فيها حتى النخيل:

(بيدّ أنّهم [= المشيّعون] واصلوا سيرهم الحثيث في فلاةٍ لا نبع فيها ولا كلأ، حتى الآبار انطمرت، وجفّت الواحات، وانتحر النخيل) (ص 281).

ولم يصحُ الرجل من حلم يقظته إلّا عندما أوقف السيارة أمام منزل إحدى الفتيات لتغادر الفتاتان معاً، ويعود وحيداً إلى دارته الكائنة في أحد الشواطىء البعيدة والتي يلجأ إليها كلّما ألمّ به الأسى أو استبدّ به الإرهاق، لينعمَ بشيء من الهدوء والراحة، وهي تذكّرنا بدارة القصّة السابقة التي مات فيها صديق الراوي الرسّام، خصوصاً أنّ الراوي يعيد إلى أذهاننا مرافقة الرسّام لصديقه صاحب الشقّة في سكن الشقّة المّنعزلة حين يقول أنّ الرسّام كان يأتي إلى هذه الدارة ليرسم بعض لوحاته:

(وهناك كان حبّ البحر يجمع الصديقين فيتحدّثان عن الحياة والموت، والحياة بعد الحياة، والموت قبل الموت، وغربة الجسد، واغتراب الروح، وتغرّب الفكر) (ص 281).

وإذا كان االرسّام في القصّة السابقة كتوماً قليل الكلام، والراوي لا يقطع عليه سلسلة تأمّلاته وأفكاره وانسحابه إلى عالمه الداخلي، فهما هنا يروحان في نقاشات عميقة عن موضوعات متفرّقة كلّها تعبيرات عن الانشغال بالموت، بصورة مباشرة كفناء ورحيل أبدي، أو غير مباشرة كغربة عاشها الاثنان بعيداً عن وطنهما، واغتراب في الروح والفكر يعيشه الإنسان المنفي – المُبدع خصوصاً – ليس لانخلاعه عن حاضنته الاجتماعية فحسب، بل والذي – فوق ذلك - يدرك محنة الموت وينشغل بها حتى وهو وسط الآخرين. كان "قارب الموت" هو القاسم المشترك بين الاثنين، وصار الآن الموت نفسه موضوعهما المشترك، وهي نقلة حان وقت حسابها الآن بعد أن ثبتت بشكل قاطع ولا شكّ فيه أنّ كل تلك النقاشات العميقة والتي قد تكون مُثرية جداً، لم تُفلح مُطلقاً في "ولو" تعطيل فناء واحدٍ منهما وهو الفنّان الذي تكون نهايته أكثر رعباً في النفس عادةً ما دام يزعم أنّه "خالق" قد يضع له "الخالق" الأكبر اعتباراً ما. لكن الموت لا يوفّر أحداً، ولا يميّز – لحسن الحظ وإلّا لأفنانا الرأسماليون – بين الغني والفقير، أو الكبير والصغير. و "ألا يتساوى في حضرة الموت الأمير والفقير".. هكذا تساءل جدّنا جلجامش العظيم. وفي الحقيقة تُمثّل مناقشة الصديقين لموضوعة الموت، وتقليبها على وجوهها المختلفة، غربة واغتراباً وتغرّباً، هي جرأة وعلامة نضج، فقد دأب الناس منذ قديم الزمان "على نسيان الموت أو تناسيه بشتى الحيل والأساليب ؛ ولعلّ هذا ما عناه "بوسويه" حينما قال: "إنّ اهتمام الناس بدفن أفكارهم عن الموت لا يقلّ شأناً عن اهتمامهم بدفن موتاهم"... أمّأ "لاروشيفوكو" فإنه يقول: "إنّ ثمّة شيئين لا يمكن أن يحدّق فيهما المرء: الشمس والموت". ولذا فإنّ انشغال الصديقين بمناقشة موضوعة الموت يعبّر عن علوّ روحيهما، ونضج شخصيتيهما. فالموت الذي لا بدّ من أن يظلّ مغلّفاً بالاساطير والخرافات والوعود، بالنسبة إلى ذلك الموجود البشري الذي يريد دائماً أن يتخطّى الحدود، ومعنى هذا أنّ الموت عندهما ليس مجرّد “مشكلة – Problem" كما يرى الوجوديون فحسب، وإنّما هو (على حدّ تعبير جبريل مارسيل) "سرّ - Mystery" (وهذا رأي مضاف إلى رأي عبد الرحمن بدوي السابق)، والفارق بين المشكلة والسرّ هو أنّ الأول منهما شيء يلتقي به المرء من الخارج فيقف حجر عثرة في سبيل تقدّمه، في حين أن الثاني منهما هو شيء تلبّس بنا، ويغلّف بغموضه صميم وجودنا، فلا نملك أن ننظر إليه من الخارج، لأننا مرتبطون به مندمجون فيه. وبهذا المعنى يمكننا أن نقول إن الموت سرّ لا يكاد ينفصل عن صميم وجودنا ما دام وجودنا وجوداً زمنيّاً متناهياً يسير حتماً نحو الفناء. وعلى الرغم من أن الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا يرقى إليها الشكّ، إلّأ أنه في الوقت نفسه السرّ الوحيد الذي هيهات للعقل البشري أن يتمكن يوماً من إماطة اللثام عنه. ولا بدّ أن الصديقين كانا يُدركان ذلك، ولكنّهما لم يكونا قادرين على "نسيان" هذا السرّ، ويعرفان أنّ أحداً لا يستطيع أن يقف ساكناً حيال ذلك "السرّ" الخاص الذي يكمن في أعماق وجود كلّ منهما، بل في أعماق وجود كلّ إنسان، ألا وهو سرّ الموت، وليست فكرة الموت هي الأصل في كل تساؤل ميتافيزيقي فحسب، وإنما ينبغي أن نضيف إلى ذلك أن هذه الفكرة هي التي تخلع على شعورنا بالحياة كلّ ما له من قيمة وأهمية وحيوية ؛ وآية ذلك أنه ما تكاد فكرة الموت تغيب عن أذهاننا حتى تستحيل الحياة في نظرنا إلى مجرّد عادة أو ملهاة أو تسلية ؛ ومعنى هذا أنّه لولا حضرة الموت، لما وجدنا أنفسنا مضطرّين إلى أن ننظر إلى الحياة وجهاً لوجه. ومن هنا فإن الشخص الذي ينصرف عن الموت، لكي يستمتع بالحياة على خير وجه، إنّما ينصرف في الحقيقة عن الحياة ايضاً، لأنّه إذ يريد أن يتناسى الموت إنّما ينتهي (كما قال "لافال") إلى نسيان كلٍّ من الحياة والموت.

حقّاً إن الموت هوّة سحيقة لا يجني المرء من وراء التحديق فيها سوى الشعور بدوار عقلي عنيف، ولكن الإنسان قد يجد أحياناً ضرباً من اللذة العقلية في أن يستسلم لإعصارات المشاكل الميتافيزيقية المُضنية، مثله كمثل الطفل الصغير الذي قد يحلو له أن يدور حول نفسه حتى يقع مُغشياً عليه. وهكذا قد يحاول الإنسان أن يجد للموت تفسيراً، ولكنه سرعان ما يتحقق من أن الموت هو ذلك الحدث المجهول الذي يضعنا وجهاً لوجه أمام "الآخر" الذي لا تفسير له سوى أنّه لا يُفسّر، وربّما أعمل الإنسان عقله في تفسير مشكلة الخلق التي يتم فيها الانتقال من العدم إلى الوجود، ولكن هيهات للعقل البشري المحدود أن يقف على سرّ ذلك التحوّل العجيب من لا شيء إلى شيء) (34).

وها هو الصديق الرسّام يتحوّل – بعد كلّ تلك النقاشات الطويلة الميتافيزيقية الشائكة – من "شيء" إلى "لا شيء". وها هو الرجل يدخل دارته حائراً مُمزّق الروح، ويلقي بجسده المُنهك على الأريكة ملتحفاً العَتَمة من دون أن يكلّف نفسه إيقاد شمعة. حانت ساعة الحساب الجدّية البعيدة عن المناقشات الفلسفية والحوارات الميتافيزيقية. ستموت يعني ستموت! وها هو الدليل: موت أعزّ أصدقائك. فبعد كلّ تلك المناقشات التي لم يُبق فيها الصديقان أمراً من أمور الموت لم يطرحاه على بساط البحث، يمدّ لهما الموت لسانه، ويُثُبت لهما سطوته الجبّارة بتعجرفٍ مُهين من خلال جعل أحد طرفي النقاش عنه أنموذجاً تطبيقياً يخطفه وينهي كل إمكاناته النفسية والجسدية! واختطاف الرسّام واجتثاث جذوره هو فعل مألوف لازم بالنسبة للموت لكنه غريب مُقحم بالنسبة لنا، وبالنسبة للرجل، فالفاجعة أشدّ وطأة وثقلاً بسبب رابطة المحبة التي تربطه بصديقه الميّت. فموت "الآخر" لا يصبح بالنسبة إليّ تحدّياً أو تطاولاً على وجودي الخاص إلّا حينما تكون ثمة رابطة حب أو تعاطف تجمعني بذلك "الآخر"، فتجعلني أشعر بصميم التماسك الشخصي الذي يجمع بيننا في وحدة ذاتية هيهات أن تنفصم. وهنا يجىء موت الحبيب فيكون بمثابة تجربة ذاتية أعاني فيها "موتي" على سبيل التعاطف، فأقول مع القدّيس "أوغسطين":
"عجبتُ كيف يظل الباقون من البشر الفانين على قيد الحياة، بينما هو قد طواه الموت، وهو الذي آثرته بحبّي وكأنه قد كُتب له الخلود إلى أبد الآبدين ؛ وعجبتُ أيضاً أضعافاً مُضاعفة كيف أعيش أنا نفسي بعد موته، وأنا الذي كنتُ منه بمثابة ذاته الأخرى"... وقد يكون اهتمام الرجل المثكول بالموت لا يعني أنّه يعلّق أهمّية كبرى على وجوده الخاص فحسب، فإنّ "موته" ليس هو المشكلة، بل المشكلة أيضاً هي في موت "الأنتَ"، أي ذلك الوجود المحبوب الذي لا يمكنه أن يتحدّث عنه بضمير الغائب (35). ولهذا لاحظنا لحظة تحوّله الوجيزة والبليغة جداً التي انتقل فيها إلى الحديث مع صديقه الميّت بضمير الغائب مُلخّصاً حزن كل الكون عليه:

(في عصر هذا اليوم الشتائي الغائم، يختبىء الضوء الذي بهرَكَ وأسَرَكَ وراء الغيوم، وتُقفر الحقول من أهلها الذين أحببتَ ) (ص 280).

وليس عبثاً – من منطلق لعبة الموت والحياة – أن يتسيّد ضمير الغائب على أغلب النتاجات السرديّة في الأدب العالمي، فضمير "المُخاطب" يتضمن في ما يتضمن من معانيه النفسيّة اللاشعورية المُستترة، تحويل "ذاتي" إلى "موضوع"، وهذا لا يحصل إلّا إذا كنتُ أفكّر جدّياً في "موتي"، أو أن تكون ظاهرة في تجربة شخص آخر أُحيل إليه ما لديّ من قدرة على أن أقول: "أنا".. وأحد العوامل الكبرى المؤثّرة في هذا الموقف هو الإحساس بأنّ الإنسان عموماً في العالم المتقدّم حيث جعل العلم "الآليّة الشاملة" ترفرف على شتى أساليب الحياة في المجتمع، وفي مجتمعاتنا بفعل فوضى "التحديث" الأعمى ومهانة الإنسان واحتقاره وتشوّش هويّته – خصوصا بين المنفيين والمهاجرين – قد أصبح الإنسان مجرّد رقم في السجلّات أو "قطعة غيار"، ولعل هذا هو السبب في أنّ الموت قد فقد في نظر الكثيرين طابعه السرّي، فأصبح مجرد واقعة محضة، واقعة موضوعية يدرسها العلماء دراسة فنّية إحصائية، واصبحنا نتحدّث عن نسب الوفيات، واحتمالات البقاء، وارتفاع متوسّط العمر، ونسب الخسائر في الأرواح (في أوقات الحرب)، وصار في وسع عالم الاجتماع أن يعقد فصلاً في "سوسيولوجيا الموت" يُظهرنا فيه على أنّ الموت يصبح في الحرب – كما هو الحال في الأوبئة – ظاهرة طبيعية مُبتذلة (بل أكثر ابتذالاً منها في الأيام العادية). أصبح الحديث عن الموتى بلغة "الغائب" للخلاص السريع من التصاق رعب رحيله النفسي، بدلاً من لغة "المُخاطب" التي تجعله حاضراً. وهذه النظرة الموضوعية إلى الموت لا تتحطّم إلّا على صخرة الوفاء والمحبّة للراحل العزيز.. هنا يسترد الموت طابعه السرّي المُقدّس.. وبمجرّد ما تنبثق الـ "أنت" فهناك يرتفع عن الموت طابع الغياب المُطلق، وهنالك قد يبدو لي الميّت الذي عرفته وأحببته وكأنّه حاضر أمامي وجهاً لوجه، أو كأنّما هو شخص مُقنّع يدور بيني وبينه حوار كهذا الذي يدور بين "الأنا" و "الأنت") (36).

وكل الحوارات التي دارت بين الصديقين عن الموت والحياة والغربة والتغرّب والاغتراب الذي يصيب الجسد والروح والفكر، وكلّها – كما قلتُ – مشتقات من الموت كان اختبارها الحيّ والصارم هو اختطاف المُثكل لأحد طرفي النقاش الذي أضمر علاقة حبّية دافئة بين الاثنين، بحيث مثّل هذا "الاختطاف" الجائر انخلاع - لا يرحم - لجزء من أنا الرجل الذي يعاني الآن من هذا الإنخلاع المدوّي المُفزع داخليّاً والذي جعل القاسمي دويّه متكاتفاً مع دوي مُفزع مقابل في الخارج:
(حين وصل إلى الدارة كان الظلام حالكاً، والرعد متلاحقاً يصمّ الأسماع، والبرق متتابعاً يخطف الأبصار، وكانت العاصفة مُتداركة الصهيل، وحبّات المطر كبيرة تُلحفُ في ضرب زجاج السيّارة كطلقات مدفعٍ رشّاش، وتحيل الزقاق إلى وادٍ ضيّق متدفّق السيل. ولج الدارة مبتلّاً محموماً، ليكتشف انقطاع التيّار الكهربائي بسبب الزوبعة) (ص 282)..

هكذا ظلمةٌ ورعد وبرق في الداخل والخارج.. عاصفة انثكال سوداء تضرب أنحاء الروح المُعذّبة المنهجرة، تقابلها عاصفة هوجاء تسحق أرجاء المُحيط لتثبت الطغيان الأرعن للطبيعة على الإنسان فتُثبّت عجزه وانخذاله. وبين بارقة وأخرى يسقط ضوء خاطف على إحدى لوحات صديقه المُثبّتة على الجدار:

(لتطلّ منها وجوه القرويين الكالحة بعيونهم الجاحظة، وشفاههم الجافّة، ونظراتهم البائسة، تُظلّلهم أشجار أنهكها الخريف، ولوِتْ ريحٌ خفيّة أغصانها، وبعثرتْ أوراقها المُصفرّة على رؤوس القرويين، وأقدامهم الغليظة الناشبة في الأرض، كجذور الأشجار ذاتها) (ص 282).

كان عمل الصديق الرسّام الراحل يعكس انشغاله المكين بموضوعة الصراع بين الموت والحياة، فهؤلاء الناس هم صورة صراعنا الداخلي بشفاههم الجافّة العطشى، ونظراتهم البائسة، تحيط بهم وتظلّلهم أشجار بدء الخريف – ممثّل الموت بين الفصول – بإعدادها لقدوم المُثكل بتجريدها من أوراقها، وبعثرة أوراقها المصفرّة التي تنهال على رؤوس البشر البؤساء الذين لا توجد في اللوحة أي لمحة تشي باخضرار أمل مُقبل.. جفافٌ وبؤسٌ وصفرةُ خراب. ولا تمثل أقدام القرويين الغليظة الناشبة في الأرض "كجذور الأرض ذاتها"، كما يقول الراوي، علامة على انغراس الإنسان في رحم الأرض، بل شاهد على أن هؤلاء البشر المُحاصرين بنُذر الموت، بشفاههم المشقّقة العطشى كالأرض الكالحة الجرداء، هم يتعرّضون بصورة متواصلة لخريف دائم لا يخضع لدورة الفصول، يعرّيهم شيئا فشيئاً من ممكناتهم المُقاوِمة، ليلقيهم في هاوية الزوال. إن لمسات الفنان تعبير عن أنّ الموت ليس له وقت، فهو يشتغل بجد ومثابرة عزومين. وتأتي ضربات البرق لا لتضىء وجوه القرويين وتعاساتهم وشقائهم المريع المديد في اللوحة حسب، بل لتضىء "الحقائق" عن حتميّة فنائنا المُقبل.. عن حالنا الفعلي الذي نتهرّب من رؤيته عبر الحوارات والمناقشات الفلسفية الميتافيزيقية.. جسارة لاشعور الفنّان الذي "يمارس" عمليّة الفناء عبر فنّه مقابل انرعاب الرجل وانهياره، وهو يواجه – ولأول مرّة – حقيقة صادمة تتمثّل في أنّه يمكن أن يموت بيقين مُخيف أكبر، ما دام الفنّان الذي كان يجرؤ على النظر في عيني الموت قد مات.
ومع تصاعد انكشاف "الحقائق" عبر إضاءة معاني اللوحات المتتالية يُصمّم القاسمي – وقد صارت من سماته الأسلوبية أن يثير انفعالات المكان الخارجي مع انفعالات الشخصية الداخلية ليضاعف تأثيرها - حركة المتغيّرات العاصفة في البيئة المُحيطة ليجعلها تحتدم وتدوّي مع اقتراب لحظة "الذروة - Climax" القصوى النهائيّة، والتي على الرغم من كل التطوّرات الدرامية التي مررنا بها، لم – ويا لبراعة الكاتب – نبلغها حتى الآن. لقد اضاءت اللوحة الإولى ضربات من برق نفذت إلى فناء الدارة بين فينة وأخرى، معزولة عن أيّ مظاهر عاصفة مُرافقة، وكأننا أمام مرحلة تمهيديّة تهيّء المُتلقّي نفسيّاً وتعدّه لاستقبال ما صمّمه القاص من مشهد ختاميّ هائل التأثير عبر خطوتين لاحقتين حيث ينحسر ضوء البرق عن اللوحة الأولى بسرعة خاطفة ليخلّف الفضاء والهواء فريسة لمجرة الرّعد الثائر، وأزيز العاصفة العاتية، وهدير البحر المدوّي. ليعود البرق فيضىء لوحة أخرى يشرئب منها وجه ساحرٍ أسود الملامح يغمدُ نظراته الثاقبة في عيني قرويّة غِرّة تجثو أمامه، فاغرة الفمّ، متدلّية الشفتين، شاحبة الوجه، مُرتعبة الفرائص. وكأننا الأغرار الذين نسلّم عقولنا وإراداتنا لساحر أسود يتلاعب بها كيف يشاء، وخير من يمثّلنا هنا هو صاحبنا هذا، الرجل المتهالك المُحاصر الآن بظلام الفناء وزمجرة الموت ووعيده، الموت الظافر المنتشي، الذي يُعلن عن أن حياتنا ما هي ألّا كومضات هذا البرق المتلاحقة التي لا تضىء غير حقائق الموت، لتعود وتتلاشى سريعاً بلا بقيّة سوى الألم والحرقة على صفحة لوحة الحياة التي سرعان ما يبتلعها ظلام الوجود الدامس الذي لا يُبقي لها أيّ أثر. وإذا كانت الفُسحة الزمنيّة القصيرة التي تخللت المشهدين السابقين، مَشهدَي إضاءة اللوحتين السابقتين، قد اكتسحتها زمجرة الرعد التي افترست الفضاء، وأزيز العاصفة، وهدير البحر المدوّي، فإنّ الفُسحة الزمنيّة التالية بين المشهد الثاني والثالث، بين إضاءة اللوحتين الثانية والثالثة، يخيّم فيها الظلام، وترتفع تحت خيمته اصوات المطر المتهاطل، وتلاطم الأمواج وارتطامها بصخور الشاطىء الصلد، وكأنّ الكاتب يريد توصيل البيئة الخارجية، خارج الدارة، ببيئة مشهد اللوحة الثالثة، داخلها، التي أضاءها البرق بعودته الثالثة حيث أطلّ منها ضريح وليٍّ جاثم على شاطىء البحر، وبالقرب منه ثلاثة قوارب مُنكفئة على الرمال، لا بُدّ أنّ أمواجاً رُعْناً قد ألقتْ بها إلى الشاطىء قبيل الفجر، بعد أن ابتلعتْ أصحابَها الصيّادين في أثناء الليل (ص 283).

لقد وصلت القوارب الخشبيّة الصمّاء (يذكّرك هذا بالقارب الوحيد في القصّة السابقة)، التي هي أكثر خلوداً من البشر، خالية من أصحابها الذين ابتلعتهم الأمواج. والقوارب منكفئة على الرمال أمام ضريح الوليّ الذي يُطلب منه الرجاء عادةً.. هل كان في حسبان الفنّان أنّ هذه القوارب نفسها قد نقلت بشراً ابتلعتهم أمواج المنافي، ولم تكن لصيّادين كما حسب الرجل؟! وضريح الولي الجاثم على شاطىء البحر معزول وفي فضاء موحش.. هي لوحة الموت الختامية المفتوحة الأبعاد على بحره، مثلما يجلس الرجل المُتعب المحزون، وتتناهى إليه أصوات أمواج البحر الهادرة، البحر الذي كان حبّه يجمعه بصديقه الراحل، وهما يتحدّثان عن الحياة والموت.

ولو عدتَ إلى طبيعة بناء المشهد السابق منذ وصول الرجل دارته، والمشاهد الثانوية الثلاثة (مشاهد فضاءات اللوحات الثلاث)، مع علاقة الضوء بالظلام، وحركة واصوات المكوّنات لوجدت أنّها قد "سُجّلتْ" و "عُرِضتْ" بعين سينمائية فائقة الدقة في التقاط حركة الأشياء وأصواتها وتفاعلاتها، بمشهديّة عريضة وواسعة مفعمة بالنقلات والتحوّلات. ولعلّ الانتقال إلى العين السينمائية من العين الفوتوغرافية، هو من خصائص حداثة القصّة. ولو حاول القارىء إغماض عينيه كي يتخيّل هذا المشهد العريض والطويل المُدهش، من بدايته حتى نهايته المُقبلة، لشعَرَ بأنّه إنّما يُشاهد المشاهد الختاميّة لفيلم سينمائي مخيف حسَبَ مُخرجُه حركات أدقّ مكوّناته وأصواتها وعلاقاتها المُتبادلة، وضبط مصادر الضوء واتجاهاتها وعلاقاتها بالظلام الموحي بسطوة الموت ووحشة المكان.

ومع وصولنا إلى ختام القصّة حيث المشهد الختامي المحمّل بالإثارة والتساؤلات، وبعد الشوط التحليلي الطويل نسبيّاً الذي قطعناه، أجد لزاماً عليّ تركه للسيّد القارىء، للاستمتاع المباشر من دون تدخّلات الناقد التي قد تُفسد انسيابيّته، ومُراهناً على ألمعيته في ربط محتواه ولحظة ذروته بالسياق التحليلي السابق، ووضعه ضمن إطار القصّة الكلّي ليأخذ مداه المؤثّر في تتويج الوقائع الماضية، مبنىً ومعنى:

(وفيما كان مغمض العينين مُسترخي الأوصال، سمع فجأةً صوتاً غريباً يختلف عن جميع الأصوات التي ألفتها أذناه في تلك الليلة. أحسّ بحركة غريبة لا تشبه أيّة حركة سبّبتها عواصف ذلك المساء. لم يكن ذلك الصوت قادماً من جهة البحر، ولم تكن تلك الحركة آتية من مبعث الريح الغربية، وإنّما بدا له إنّهما صادران من الجهة الشرقية من الدارة. وبصورة لا إراديّة، وقبل أن يُتاح له حتى القليل من التفكير، التفت صوب مصدر الصوت والحركة، ليرى... ليرى بحدقتي عينيه المُنفتحتين تماماً، شبح صديقه الراحل: طويلاً، مارداً، رهيباً، مُريعاً، في بياض كالكفن، يدفع النافذة مُشرعةً على مصراعيها، ويندفع كصاروخ مُنطلق، كنجمٍ مُذنّبٍ هائلٍ، إلى وسط الدارة.
حينئذٍ، انبعثت منه صرخة حادّة مرعوبة:

لماذا؟ لماذا؟

وخرّ مُغشياً عليه ) (ص 283).

ولو عدنا الآن إلى عنوان هذا النص وهو: "الظّمأ"، بعد أن أكملنا "الصورة الكلّية" للنص، وحاولنا إدراك دلالاته، لوجدنا أنّه سيستعصي علينا فهم أغلب جوانبه إذا لم نضعه في إطار هذه الصورة، لأن قاعدة "ثريا النص" ستضعنا في مأزق تأويلي حيث لا نجد أيّ علامة مباشرة تشير إلى مفهوم "الظما" بمعانيه المعروفة الراسخة في الأذهان. سنجد – بالمعاني المباشرة للعطش - "ظمأ" أبي محجن الثقفي في ندائه الحزين الموصي بأن يُدفن إلى جنب كرمة، بعد أن يموت، لكي تروّي عظامه بالخمرة! وهذا ليس محوراً مركزيّاً في الدلالة العامّة للنصّ. كانت وقفة تحرّشية فرضها الجزع الكاسح الذي استولى على نفس الصديق المثكول، وهو في حُمّى تخيّلاته عن مسيرة دفن صديقه الرسّام. وهناك الظمأ إلى الأرض الأم النابذة الظمأى هي نفسها ببشرها وشجرها.. في واقعها الفعلي كبلاد تغذّ الخطى نحو مصيرها الأسود، وهي كالعيس الظمأى المُحمّلة بالمياه.. في تخييلات ابنها المُبعد المُنثكل وهو يودّع جثمان صديقه مفطور القلب ويرى فيه صورة مصيره الأسود ونعشه يسري في "فلاةٍ لا نبع فيها ولا كلأ، حتى الآبار انطمرتْ، وجفّتْ الواحات، وانتحر النخيل" (ص 282).. تخييلات مسرحها الأرض اليباب وخيمتها السراب الذي يغطي الأرض والسماء.. في لوحات ابنها وهي تصوّر أنين احتضارها المديد المرسوم على صفحة الوجوه الكالحة والشفاه الجافّة تحت ظلال أشجار أنهكها خريف الفناء الأزلي.

ولكن "الظمأ العظيم" هو ظمأ الروح المُمزّقة العطشى الباحثة عن الجواب العصيّ لسؤال الوجود الأول والأخير الذي ندّ عن الرجل المُحاصر بزمجرة الفناء وهديره وهو يُطلق صرخته الحادّة المرعوبة:

لماذا؟.. لماذا؟

ليس من فزعه لمرأى شبح صديقه الراحل وهو يخترق النافذة وسط الظلام والبرق والدموع والنشيج، ولكن من اخطبوط تساؤلات الموت والحياة، والموت قبل الموت، وغربة الجسد، واغتراب الروح.. فقد تفجّرت ألغام الـ "لماذا" التي كانت مزروعة في تربة عقله وروحه لتمزّقهما شرّ ممزّق، وتطوّح بعالمنا المطمئن بلا رحمة، وهذا هو واجب الأدب العظيم:
فلماذا تكون حياتنا نفسها عبارة عن دفن مستمر لأجزاء من ماضينا وشخصيّتنا وتجاربنا وحالاتنا النفسيّة... إلخ؟

لماذا يكون كلّ ما في تجربتنا يحدّثنا عن الموت، وكل ما في الزمان يذكّرنا بالفناء، وكلّ ما في الحياة يضعنا وجهاً لوجه أمام العدم؟

لماذا يكون استمرار الحياة هو في صميمه انقضاء الزمن، وانقضاء الزمن معناه السير الوئيد الثابت نحو الموت؟

لماذا تكون الحياة هي الموت نفسه، ويُشرع الإنسان في الموت بمجرد ما يولد، وتكون الفترة التي يحياها هي المدّة التي تستغرقها عملية الوفاة؟

لماذا نموت ليس لأننا نمرض أو نهرم أو نضعف.. بل لأننا نحيا؟

لماذا تكون "نهايتنا" حاضرة بمعنى من المعاني حتى قبل أن تحين ساعة وفاتنا؟ ولماذا علينا أن ننتظر موتنا حتى النهاية وطوال أعمارنا؟

لماذا كُتِبَ عليّ أن أعمل كأنني أعيش أبداً، في حين أنني أعرف في كل لحظة أن سيف الموت مصلتٌ فوق رقبتي؟

لماذا يكون الموت هو "إكتمال" تجربتي، ولكن حين "أكتمل" أكون غير موجود؟ ولماذا يحاولون أن يقنعونني، أو يخدعونني، بأنّ ما ينقص الآلهة على وجه التحديد أنّما هو هذا "الاكتمال" لأنها لا تعرف تلك النهاية المجيدة التي تتوّج عمل العمر كلّه ألا وهي الموت؟

لماذا كُتب عليّ – وأنا بناء الله - ان أعيش شقيّاً لأن لديّ عقلاً يقول لي بأنني سوف أموت، في حين يسرح الحيوان التافه ويمرح؟ (37).

القصة التي تمّ تحليلها:

الظَّمَأ

د. علي القاسمي

(إلى روح الفنان الكبير الدكتور خالد الجادر)

سقطتْ سماعة الهاتف من يده قبل أن يسمع بقية كلام مخاطبه، وهبّ يهرول متعثِّراً في اتِّجاه الباب، مُغالباً الدمع المنبجس في مآقيه، وهو في طريقه إلى شقّة صديقه الرسّام الكبير.

طالعتْه في مدخل الشقَّة لوحاتٌ متناثرةٌ، بعضها لم يكتمل، وبعضها لم يؤطَّر؛ منها ما هو معلَّق على الحائط، ومنها ما هو مُلقًى على الأرض، ولكنَّها بدتْ له جميعها داكنة الألوان، منكسرة الخطوط، منبعجة المنظور، وتكتسي كلُّها مسحة أسًى دفين في عصر ذلك اليوم الشتائيِّ الغائم.

في غرفة الجلوس الخافتة الضوء الباهتة اللون، فتاتان تنتحبان حول تابوت مُغطَّى بقطعة قماش سوداء. ودون أن يعبأَ بهما أو يوجّه الكلام إليهما، وضع يده اليمنى على رأس التابوت، وأخذ يقرأ الفاتحة ويدعو للراقد داخله. ثمَّ دلفَ مسرعاً إلى غرفة النوم الوحيدة في الشقَّة، ليلفي أخا الرسام الأصغر وهو مُستلقٍ على وجهه في سريره وقد وضع كفيه على عينيه، فبادره سائلاً:

ـ وماذا عن نقل الجثمان إلى الوطن؟

ـ عليّ الانتظار يومَيْن لعدم وجود طائرة هذا اليوم.

ـ بلى، هنالك رحلة مباشرة بعد ساعتيْن، وسأهاتف وكالة السفر التي نتعامل معها لاتخاذ ما يلزم في المطار، وسآتي بسيارتي إلى باب العمارة خلال دقائق خمس، وعليك إنزال النعش إلى هناك.

انطلقتِ السيّارة كجوادٍ جامح على الطريق المحاذي للبحر نحوَ المطار، وهي تحمل النعش على متنها، واحتلَّت الفتاتان المنتحبتان المقعد الخلفي، في حين جلس أخو المُتوفَّى واجماً صامتاً في المقعد الأماميّ بجانبه.

آه لو كان المُتوفَّى بجانبه لراح يحدّق، بعينيْن مغرورقتَيْن، في الحقول على جانبَي الطريق، ويحملق، والبسمة على شفتيْه، في الفلاحين المُنكبِّين على أعمالهم. وللفتَ نظر صديقه المنهمك فيقيادة السيّارة إلى تنوّع أغطية الرأس التي يلبسها أولئك الفلاحون وغِنى ألوانها، كتنوُّع نباتات طبيعتهم وأزاهيرها، وثراء ثقافتهم وعراقتها. وهل هناك أدنى شكٍّ في ذلك. فلينظر مَن لا يُقرُّ بذلك إلى الإسكيمو وأهل الصحراء فهم لا يعرفون إلا نوعاً واحداً من أغطيةالرأس... وللفتَ نظره كذلك إلى ضوء هذه البلاد. آه، إنّه الضوء المعتدل في قوته وسطوعه، ليمكّن ألوان الطبيعة جميعها من الظهور. آه، إنّه الضوء العادل الذي لا يسمح بطغيان لونٍ على آخر، بل يدع كلَّ لونٍ يتواجد بجميع درجاته بانسجام، ففي اللون ألوان لا تدركها إلاالعين الخبيرة، حتّى إنْ عجزتِ اللغة عن تسميتها برمَّتها. ومن بين أطياف اللون الواحد، هنالك لون يخفق لمرآه قلبُ الرسّام، وتبحث عن خلطته مقلتاه، وتتعذَّب ريشتُه في محاكاته. آه، إنّه الضوء العادل الذي يشهد على جوهر الألوان ونقائها ويعرضها على حقيقتها. ليس هنالك شيءٌ أقدر من الحقّ على إظهار الحقيقة. أتظنّ أنّ أمطار الشتاء هي التي تفتِّق الأرض عن خباياها الأخّاذة الألوان في الربيع؟ لا، إنّه ضوء الربيع المعتدل العادل العدل الذي يهب الأرض ألوانها الساحرة الفاتنة. حتّى أمهر الرسّامين لن يستطيع أن ينقل روعة الطبيعةفي لوحاته، دون أن يعضده الضوء المعتدل العادل العدل، فينفذ من خلاله إلى موضوعه ويندمج فيه، بحيث تغدو الذات والموضوع كياناً واحداً ينبض بالحياة على سطح اللوحة...

في عصر هذا اليوم الشتائي الغائم، يختبئ الضوء الذي بهركَ وأَسَرَكَ وراء الغيوم، وتُقفر الحقول من أهلها الذين أحببتَ.

يستغرق الطريق إلى المطار، عادة، ساعة ونصف الساعة، وتحتاج الإجراءات في المطار إلى نصف ساعة على الأقل، وهكذا كان عليه أن يقود السيّارة بسرعة غير اعتياديّة تجاوزت المائة وخمسين كيلومتراً في الساعة. وما إنْ بدأت الرحلة حتّى أخذ الظلام المتربّص خلف الحقول الغامقة الخضرة يزحف على الطريق، وغدت الريح القادمة من البحر تضاعف سرعتها وتسوق غيوماً كثيفة أمامها كقطعانٍ هائجة من الجاموس، وما لبثتْ قطرات المطر أن انهمرت بوتيرةٍ متصاعدة، مهدِّدة بخطر انزلاق السيّارة على الطريق المغطّاة بالمياه والأوحال، فأدرك إدراكاً يشوبه التوجّس والخشية أنَّ عليه أن يركِّز انتباهه كلَّه على الطريق وقيادة السيّارة. بَيدَ أن نحيب الفتاتَين المتقطِّع وأنينهما غير المتناغم طوال الطريق، كان يفسد عليه التركيز المطلوب.

في المطار، شيَّعت عيناه النعش حتّى ابتلعته بطن الطائرة، دون أن يلاحظ تحية الوداع التي لوَّح بها أخو الرسّام وهو يجتاز حاجز إجراءات المغادرة. ولم يطُل به الانتظار، فقد أقلعت الطائرة بعد لحظات، وسرعان ما اختفت في غياهب الغيوم القاتمة التي كانت أشبه بخيمةٍ كبيرةٍ سوداءَ على فضاء المطار.

وخُيِّل إليه أنَّ طريق العودة إلى المدينة لم يكُنْ طويلاً، كما كان أثناء الذهاب إلى المطار. وعلى الرغم من استمرار الفتاتين في نحيبهما المتقطِّع فقد حلَّق ذهنه بعيداً، وهو يسابق الطائرة في رحلتها إلى أرض الوطن. وتراءى له جمْعٌ من المستقبلين المشيِّعين، حفاةَ الأقدام، حاسري الرؤوس، يحملون النعش على جماجمهم، مكبِّرين مهلِّلين، وهم يسرعون الخُطى إلى قلب الصحراء، حيث وُلِد الفنّان الراحل وحيث يرقد أجداده منذ قرون. وظلّوا يحملون النعش على أعناقهم، وهم يندفعون بعيداً بعيداً نحو لحدٍ فاغرٍ فاه عند خطِّ الأُفق، في فلاةٍ لا متناهيةٍزاخرةٍ بكثبانٍ رمليّةٍ صفراءَ تمتدّ إلى ما وراء حدود البصر، تلفحها أشعة الشمس الشديدةُ اللمعان، حتّى تحيلها سراباً يغطّي الأرض والسماء. وكلّما دنوا من اللحد ابتعدَ عنهم ونأى. وفجأةً، رأى نفسه يجري وراءَهم ليلحق بهم، حاسرََ الرأس حافي القدمين، يمدّ عنقه إلى أعناقهم ليحمل النعش معهم. وعندما اقترب من النعش أخذتْ تتناهى إليه أصوات مخترقة التهليل والتكبير لتنفذ في أذنيْه وعينيْه، ضاغطةً على شغاف قلبه كلحنِ ناي حزين، وانطلق منها صوتٌ نائحاً:

تذكّرتُ مَن يبكي عليَّ فلم أجدْ

وارتفع صوتٌ ثانٍ متسائلاً:

يقولون لا تبعد وهم يدفنونني
وأين مكان البــعد إلا مكانيــا؟!

ودوّى صوت آخر موصياً:

إذا متُّ فادفني إلى جنبِ كَرمةٍ
تروّي عظامي بعدَ موتي عروقُها
ولا تدفننِّي في الفلاة فإنـَّـني
أخافُ إذا ما متُّ أن لا أذوقُهــا

بَيدَ أنّهم واصلوا سيرهم الحثيث في فلاةٍ لا نبع فيها ولا كلأ، حتّى الآبار انطمرت، وجفّت الواحات، وانتحرَ النخيل.

ولم يقطع عليه هذا السَّفَر الذهنيّ المضنيّ إلا إيقافه السيَّارة أمام منزل إحدى الفتاتَين لتغادرا معاً، ويعود وحيداً إلى دارته الكائنة في أحد الشواطئ البعيدة التي يلجأ إليها كلّما ألمّ به الأسى أو استبدّ به الإرهاق، لينعمَ بشيءٍ من الهدوء والراحة، فالمنازل المشيّدة في ذلك الشاطئ تُهجَر تماماً في الشتاء، ولا تدبّ فيها الحركة إلا عندما يعود فصل الصيف.

كانت دارته على الشاطئ مباشرةً، لا يفصلها عن مياه البحر إلا بضعة أمتار، وعندما يهيج البحر تغسل أمواجُه درجَ الباب الخلفيّ المُفضيّ إلى الشاطئ. وكانت واجهة الدارة المُطلّة على البحر، زجاجيّةً واسعةً تسمح له برؤية البحر وسماع هديره. وغالباً ما كان صديقه الرسّام يأتي إلى هذه الدارة ليرسم بعض لوحاته. وهناك كان حبُّ البحر يجمع الصديقَيْن فيتحدّثان عن الحياة والموت، والحياة بعد الحياة، والموت قبل الموت، وغربة الجسد، واغتراب الروح، وتغرّب الفكر.

حين وصل إلى الدارة كان الظلام حالكاً، والرعد متلاحقاً يصمّ الإسماع، والبرق متتابعاً يخطف الأبصار، وكانتالعاصفة متداركةَ الصهيل، وحبّاتُ المطر كبيرةً تُلحِف في ضرب زجاج السيّارة كطلقات مدفع رشاش، وتحيل الزقاق إلى وادٍ ضيقٍ متدفِّقِ السيل. ولجَ الدارة مبتلاً محموماً، ليكتشف انقطاع التيارِ الكهربائيِّ بسبب الزوبعة.

ومِن غير أن يكلِّف نفسه إيقاد شمعة، ألقى بجسده المنهَك على الأريكة الكبيرة مُلتحفاً العَتَمَة وراح يحملق في اللاشيء. وأضاء البرق الذي كان ينفذ إلى فناء الدارة بين الفينة والفينة، إحدى لوحات صديقه الراحل المثبَّتة على الجدار، لتطلَّ منها وجوه القرويين الكالحة بعيونهم الجاحظة، وشفاههم الجافة، ونظراتهم البائسة؛ تظلّهم أشجار أنهكها الخريف، ولوت ريحٌ خفيّةٌ أغصانها، وبعثرت أوراقها المصفرّة على رؤوس القرويّين، وأقدامهم الغليظة الناشبة في الأرض، كجذور الأشجار ذاتها.

ها هو ضوء البرق ينحسر بسرعةٍ خاطفةٍ ليخلّف الفضاء والهواء فريسةً لزمجرةِ الرعد الثائر، وأزيز العاصفة العاتية، وهدير البحر المدوّي. ثمَّ يعود البرق ليضئَ لوحةَ أُخرى يشرئِبُّ منها وجهُ ساحرٍ أسود الملامح يغمد نظراته الثاقبة في عينَي قرويَّة غرّة تجثو أمامه، فاغرة الفم، متدلّية الشفتيْن، شاحبة الوجه، مرتعبة الفرائص. ثمَّ يخيِّم الظلام مرّةً أُخرى، لا ينافسه إلا صوت الغيث المتهاطل، وتلاطم الأمواج وارتطامها بصخور الشاطئ الصلداء. ويعود البرق من جديد ليُضئ لوحةً أُخرى يطلُّ منها ضريحُ وليٍ جاثم على شاطئ البحر، وبالقرب منه ثلاثة قوارب منكفئة على الرمال، لا بدّ أن أمواجاً رعناء قد ألقت بها إلى الشاطئ قبيل الفجر، بعد أن ابتلعت أصحابها الصيّادين أثناء الليل. وهكذا ظلّ البرق يفتح عينيْه المرهقتَين المستسلمتَين على اللوحات المعلَّقة على الحائط واحدة تلو الأخرى، ويُغمضهما بعد انحساره لا تَريان ولا تُريان. وظلَّ على تلك الحال مدّةً لم يعِ أمدها ولم يُدرِك أثرها.

وبينما كان مغمضَ العينَيْن مسترخي الأوصال، سمع فجأةً صوتاً غريباً يختلف عن جميع الأصوات التي ألفتها أُذناه في تلك الليلة. أحسَّ بحركةٍ مريبةٍ لا تُشبه أيَّة حركة سببتها عواصف ذلك المساء. لم يكُن ذلك الصوت قادماً من جهة البحر، ولم تكُن تلك الحركة آتيةً من مبعث الريح الغربيّة، وإنّما بدا له أنّهما صادران من الجهة الشرقيّة من الدارة. وبصورةٍ لاإراديَّةٍ، وقبل أن يُتاح له حتّى القليل من التفكير، التفتَ صوب مصدر الصوت والحركة، ليرى... ليرى بحدقتَي عينَيْه المنفتحتَين تماماً، شبحَ صديقه الراحل: طويلاً، مارداً، رهيباً، مُريعاً، في بياضٍ كالكفن، يدفع النافذة مشرعةً على مصراعيْها، ويندفع كصاروخٍ منطلقٍ، كنجمٍ مذنَّبٍ هائلٍ، إلى وسط الدارة.

حينئذٍ، انبعثت منه صرخةٌ حادَّةٌ مرعوبةٌ: لماذا؟ لماذا؟ وخرَّ مغشياً عليه...


حسين سرمك حسن

ناقد عراقي

من نفس المؤلف