حاجة الإنسان إلى المجتمع

، بقلم عبد الحق حريولي

لئن كان الإنسان يشترك مع الحيوان في الغرائز والحاجات الطبيعية فإنه ينفرد عنه بكونه قادرا (أو مرغما في بعض الأحيان) على ضبط هذه الغرائز وتوجيهها بما يتوافق مع أعراف وتقاليد المجتمع الذي يعيش فيه، فالإنسان يولد وينمو ويتفاعل وينضبط داخل نسق مجتمعي ذي قيم وقوانين ينبغي احترامها والتقيد بها.

يقول (هوبز) في كتابه الشهير "le laviathan" (1651) أن المجتمع الطبيعي هو مجتمع تسوده الفوضى والصراعات، بالتالي فالإنسان كان ذئبا لأخيه الإنسان، ورغبة من الأفراد للخروج من هذه الحالة، إبقاء على أنفسهم وحفاظا على مصالحهم وجدوا أن السبيل إلى ذلك هو الاتفاق فيما بينهم" .

بغض النظر عن نظرة هوبز السلبية لعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان فإنه يشير إلى أن استمرار الوجود الإنساني رهين بالاتفاق والتعاون بين بني البشر، فانتقال الإنسان من حالة الطبيعة إلى حالة الاجتماع ضرورة حتمية لضمان استمرار وجوده، ولذلك يرى "نوربت إلياس" أنه لا يمكن الفصل بين الفرد والمجتمع، فلا يوجد مجتمع بدون أفراد، والفرد لا يساوي شيئا بدون المجتمع، فهما وجهان لعملة واحدة، وقد نقد في ذلك الموقف الذي يحاول خلق تمايز بينهما، واستبدله بأطروحة تدافع عن فكرة مضمونها أن العلاقة القائمة بين الفرد والمجتمع هي علاقة تفاعل وتأثير متبادل، حيث يمكن القول أنهما وجهان لعملة واحدة، فالمجتمع يمارس مفعوله في تكوين شخصية الفرد الذي من شأنه أن يكون فاعلا اجتماعيا وليس مجرد مفعول به في المجتمع.

وقد انتبه ابن خلدون إلى هذه القضية حيث يقول في مقدمته:
«إنّك تسمع في كتب الحكماء قولهم: "إنّ الإنسان مدنيّ الطبع"، يذكرونه في إثبات النّبوّات وغيرها، والنسبة فيه إلى المَدِينة، وهي عندهم كناية عن الاجتماع البشريّ، ومعنى هذا القول: أنّه لا تمكّن حياةَ المنفرد من البشر، ولا يتمّ وجودُه إلّا مع أبناء جنسه، وذلك لما هو عليه من العجز عن استكمال وجوده وحياته، فهو محْتاج إلى المعاونة في جميع حاجاته أبدا بطبعه، وتلك المعاونةُ لا بدّ فيها من المفاوضة أوّلا، ثمّ المشاركة وما بعدها، وربّما تفضي المعاملةُ عند اتّحاد الأغْراض إلى المنازعةِ والمشاجرةِ، فتنشأ المُنافَرة والمُؤَالَفة، والصَّداقة والعداوة، وتؤول إلى الحرب والسِّلم بين الأمم والقبائل، وليس ذلك على أيّ وجه اتّفق، كما بين الهَمَل من الحيوانات، بل البشر بما جعل الله فيهم من انتظام الأفعال وترتيبها بالفكر كما تقدّم، جعل ذلك منتظما فيهم، ويسَّرهم لإيقاعه على وجوه سياسيّة وقوانينَ حكميّة، ينكِّبُون فيها عن المفاسد إلى المصالح، وعن القبيح إلى الحسن بعد أن يميّزوا القبائحَ والمفسدةَ بما ينشأ عن فعل ذلك عن تجربة صحيحة، وعوائد معروفة بينهم، فيفارقون الهمَل من الحيوان، وتظهر عليهم نتيجة الفكر في انتظام الأفعال وبعدها عن المفاسد.

هذِه المعَاني التي يحصل بها ذلك لا تبعُد عن الحسّ كلَّ البعد، ولا يتعمّق فيها الناظر، بل كلّها تُدرَك بالتجربة وبها يستفاد؛ لأَنّها معان جزئيّة تتعلّق بالمحْسُوسات، وصدقُها وكذبُها يظهر قريبا في الواقع، فيستفيد طالبها حصول العلم بها من ذلك، ويستفيد كلّ واحد من البشر القَدْرَ الّذي يُسِّرَ له منها، مقْتنصا له بالتّجربة بين الواقع في معاملة أبناء جنسه، حتّى يتعيّن له ما يجب، وينبغي فعْلاً وترْكاً، وتحصل بملابسته الملَكة في معاملة أبناء جنسه». مقدمة ابن خلدون، تحقيق: عبد السلام الشدادي، طبعة: بيت الفنون والعلوم والآداب، الطبعة: الأولى، سنة:2005م، (241:2).

يحلل ابن خلدون في هذا النص النفيس مقولة أرسطو "إنّ الإنسان مدنيّ الطبع" أي أن طبيعة الانسان لا يمكن ان تكتمل الا من خلال انتمائه للمجتمع، وقد اعتبر أرسطو ان الإنسان هو حيوان سياسي ومدني بطبعه أي قدره ان يعيش داخل المجتمع، فالإنسان بدون انتماء سياسي إما أنه كائن لم يصل بعد إلى مرتبة الانسان، أو كائن يسمو على الانسان. فقد عمل ارسطو على وضع مقارنة بين التجمعات الانسانية والتجمعات الحيوانية من جهة اخرى، وقال على ان التجمعات الانسانية أرقى وأسمى من التجمعات الحيوانية وما يجعلها كذلك هو تميز الانسان باللغة إذ من خلالها يعمل على تشريع القوانين التي تؤسس الدولة والمجتمع.

وهنا تتبدى أهمية الاحترام كقيمة مجتمعية ترقى بالإنسان عن مرتبة الحيوان، فالإنسان الذي يستمد بقاءه ووجوده من المجتمع الذي يعيش فيه مطالب باحترام غيره ممن يشاركونه هذا المجتمع.