السبت ١٠ حزيران (يونيو) ٢٠٠٦
بقلم عبد السلام المودني

اللوحة

مبعثر خطى اليدين، شره النظرات يبحث عن شيء غير محدد وسط أكوام من فضلات استغنى الآخرون عنها أو ألقوها في لحظة إهمال أو غضب و جفاء، وانفصمت صلتهم بتلك الأشياء التي يأمل أن يجد وسطها ما قد يتحول إلى دريهمات تغني جوعه. المزبلة قد تكون كريمة في أحايين و قد تجافي"الميخالي"أياما طويلة.
منذ أسبوع لم تلق له بشيء، ورغم ذلك يعودها كل يوم بأمل يتبدد مساء. من حسن حظه أنه كان قد ظفر بغنيمة كبرى قبل ذلك. إسطرلاب، نجح في بيعه في "الجوطية" بعدما أعاد إليه بريقا وّلى مع الزمن، وتفاجأ لما وجد أنه يعمل بشكل جيد. و زاد الحظ من ابتسامه في وجهه عندما صادف حمله للإسطرلاب مع تواجد نائح على الزمن القديم. كان رجلا يترنح ما بين الخامسة والخمسين و الستين، وضع نظارتين سميكتين، تطلع من خلالهما إلى عينين دقيقتين خبا بريقهما منذ زمن. اعترض سبيله و نيته في التوجه إلى فراشة "أبابوشعيب" كعادته. سأله متلهفا:

- للبيع؟
هز رأسه دون أن يقول كلمة، فعاد الآخر يقول بنفس اللهفة:
- و الثمن.
ازدرد ريقه و قال:
- كما ترى إنه جهاز جيد طلب مني صاحبه الذي يعيش ضائقة مالية مئة درهم.
استطاع أن يلمح معالم ابتسامة ودّ صاحب النظارتين إخفاءها، قبل أن يصله صوته:
- لن أمنحك أكثر من سبعين درهما.
أراد أن يلقي له به بسرعة قبل أن يعدل عن رأيه، بيد أنه تماسك في آخر لحظة، و قال متظاهرا بالانصراف مصطنعا تذمرا فاجأه:

- صاحبه أخذ مني مئة و تريد أن أبيعك إياه بسبعين فقط. لا تضع وقتك أيها السيد.
و همّ فعلا بالإنطلاق واهما إياه أنه سيفعل، واستغرابه يتنامى لنوبة صدق طغت على صوته و حركاته أيضا، و انطلت على الآخر الذي تلقفه:
- تمهل قليلا قد نصل إلى اتفاق.
صدر صوته كبكاء طفل، كأن شخصا آخر لا يعرفه انتفض من داخله و أخذ بالحديث:
- يبدو لي أنك إنسان محترم، و متفهم. هذا هو عملي و مصدر عيشي، و لي مسؤوليات و أبناء عليّ إسكات جوعهم. دفعت في هذا الشيء مئة درهم و أنا أتوقع منك الكرم فكم تدفع؟
ازدرد الآخر ريقه وأعاد تقليب الإسطرلاب بعدما أخذه منه، ثم قال:
- قلت أنك جربته، و أنه يعمل.
و اكتفى هذه المرة بهز رأسه، بعدما أفهمه قبلا أنه يستطيع تجريبه أمامه في دكان الحلاقة المجاور إذا شاء ذلك. ثم قال:

- مئة و عشرون درهما و لا شيء أزيده.

يتذكر ساعتها أنه كاد يعانق الرجل، لولا أن الذي بداخله أمسكه عن ذلك. الأولاد الجياع، و المسؤولية و الزوجة... كاد يضحك ملء شدقيه جراء كذبته عن مسؤولياته. كل ما يعرفه عنها.."فتيحة"التي لم تعد تطالبه بثمن ليلة الخميس، ليلة عطلتها تقضيها في سريره منذ مدة طويلة، لأنه كما تقول مداعبة من زبائن ليالي السبت القدامى. و من جيرانها المحترمين.

خطوات يده الهائمة بين الأكوام تتعثر بحاشية صلبة لشيء مدفون. تهرع الأخرى مساندة، تزيل ما أهيل على الشيء ذي الحاشية الصلبة من أزبال و فضلات، بينما تبقى الأخرى متشبثة بقوة. يدٌ مدربة بلا شك تملك عينا ثاقبة بخبرة السنين، و تستطيع تقييم ما تلامس. والأخرى عاملة نشيطة مجدّة، استطاعت بلهفة تعادل تلك التي استبدت بنفس صاحبها، أن تخلص الأكوام المتراكمة بدقة و سرعة.
أخذ يحدق في الشيء الذي صادفه. كان مستطيلا كبيرا، مغطى بإحكام بمنديل انتقلت إليه القذارة. أزاحه بسرعة وانفعال مستعدا لخيبة كبرى أو لفرح عظيم قد يغنيه عن أيام انتظاره. كذاك كانت عادته، ما صبر أياما طويلة إلا و نال، و ما صامت المزبلة عن منحه فرحا إلا ادخرته له ليكون عظيما بقدر ما صبر. أسبوع من الصبر و الانتظار ولم يتبق من المئة و الخمسين درهما التي أنقده إياها رجل ينوح على الزمن القديم، عندما افتعل غضبا هو أيضا و هو يقول:

- و لا ريال واحد أكثر من مئة و خمسين درهما.
تذكر أن عينيه دارتا في محجريهما. و قال لنفسه( لو ضغطت قليلا عليه لظفرت بأكثر) لكنه أحجم عن ذلك مخافة أن ينفلت الرجل من بين يديه، فقال ببرود:
- كما تريد.
لم يحاول هذه المرة إخفاء ابتسامته الأولى فناوله المبلغ و هو يعيد تقليب الإسطرلاب مرة أخرى. ثم سلمه بطاقة صغيرة و هو يقول:
- تأتي إلى هذا العنوان إذا ما أردت بيع قديم.
دسّ البطاقة في جيبه و هو يقول:
- لكنك لا تدفع كثيرا.
هز رأسه موزعا نظره بينه و بين الإسطرلاب:
- في المرة القادمة سأكون كريما معك إذا ما قدمت بشيء يعجب زبنائي.
- زبناء؟
ابتسم و قد أدرك أن تلك النظرة التي طوق بها البطاقة لم تكن قراءة لها فقال:
- أعطيتك عنوان متجري و هو لبيع التحف و الأنتيكا.

و هز رأسه ببله متصنعا فهما وقد آلمه أن التاجر اطلع على جهله القراءة و أراد بتلك الحركة المتواترة من رأسه أن يدفع عن نفسه حرجا، و كأنه يريد أن يقول له:( فهمت) لكن الرجل استدرك:
- لا نبيع إلا الأشياء القديمة و المتميزة.
رفع رأسه هذه المرة وقد فهم الأمر تماما.

أزاح الغطاء عن الشيء فأدرك أن الحواشي الصلبة كانت مصقولة بالذهب، و فغر فاه لما رآه. كانت لوحة زيتية، ضم إطارها الذهبي البراق رسما لشخص، تعبث يداه بين أكوام من الزبالة و قد دنت إحداهما من شيء بدت حاشيته مذهبة. كانت تلك اليد قريبة من الحاشية توشك أن تلامسها. أعاد الغطاء و تحسس جيبه يبحث عن البطاقة و قد تذكر تاجر الأنتيكا، لكنه لم يجدها، فقصد البيت مهرولا يحث خطاه.
عندما فتح باب غرفته،اتسعت عياه دهشة. كل ما يحدث معه اليوم غريب جدا لا يقبله عقل، إذ خال للحظة أنه قد دخل المكان الخطأ. لكنه هو بكل تأكيد رغم أن شقوقه التأمت، وانبعثت منه رائحة زكية بعدما كان مدعاة للنفور و السأم ، وبدت أشياؤه مرتبة كأن أحدا عمل على ذلك في أثناء غيبته كما عمد إلى إعادة طلائه وتغيير معالمه، و أثاثه.

جفل لما مر أمام المرآة، ولمح طيف غريب يمرق منها. استدار بحثا عنه فكان الوحيد في غرفته التي أضحت جنة صغيرة. بتردد كبير دنا من المرآة . تراجع للخلف لما رآه. تحسس وجهه فإذا لحيته قد أفلت ، أعاد النظر إلى ملابسه. كان أنيقا ووسيما جدا.
( لا يمكن) شهق دون صوت. لاشك أنه في قلب حلم. صفع خده مرة وقفاه مرتين.
لا لم يكن في قلب حلم. أطل على المرآة هذه المرة بثقة ثم أطلق ضحكة مجلجلة. أدرك لماذا قابلته تلك النظرات عندما دخل الحي؟ و ضحك ملء شدقيه لما أعاد شريط ما سمعه. الآن فقط يعرف أنه كان المقصود بكل ذلك. ظنّوه غريبا، ومن محاسن الصدف أن صاحب البيت لم يكن على عادته في المقهى المقابلة لبيته. إذاً لظنه من زبائن"فتيحة" و لطالبه بضريبة العبور. و لكن ماذا يعني كل ذلك؟ وضع كفه الأيمن على جبهته و أطرق برأسه متفكراً، ثم رفعه قليلا، واصطدمت نظراته بتلك اللوحة التي وجدها في الصباح، كانت لا تزال في غطائها فتذكر التاجر و البطاقة.
أعاد إليها غطاءها بعدما تطلع إليها طويلا، كأنه ينظر إلى صورته قبل تعديلات هذا اليوم، حتّى ملابسه، و المزبلة تعرفها كأنها أخذت له هو في صباحه ذاك.
بخطوات واسعة واثقة، قصد العنوان الذي وجده على البطاقة، وقد أدرك أنه استطاع القراءة بسهولة و يسر. فتح عينيه لكنه لم يتوقف عند ذلك طويلا إذ بدا أن التحول قد انداح على كل محيطه. استقبله التاجر ببشاشة:

- أهلا أستاذ، مضى زمن لم تأتنا بعمل فني.

قال ذلك و هو يرنو إلى اللوحة.

كان يريد أن يقول له:(لست أنا من تظن، بل أنا من باعك الإسطرلاب) لكنه لم يقل شيئا بل اكتفى بمد اللوحة إليه. أزاح التاجر عنها الغطاء، و جعل يرقبها باهتمام كبير بينما مضت نظراته هو إلى المتجر. كان مليئا بصنوف و أشكال من التحف و الأعمال الفنية، ثم راحت تهرول كأنها تبحث عن شيء محدد، فقال دون تفكير كأنه يحدث نفسه:

- هل لديك إسطرلاب؟
بصعوبة حوّل التاجر نظره عن اللوحة إلى وجهه يتأمله فقال أسفاً:
- حتّى هذا الصباح كان لي واحد فبيع. لا حظ لك.
- و إذا أردت واحدا مثله كم عليّ أن أدفع؟ خرجت هذه العبارة كأن آخر من فكر و قرر قولها. - أنت فنان، و تعرف القيمة الفنية لإسطرلاب...
هز رأسه مقاطعا:
- كم؟
- بحسب المشتري و نوعية الإسطرلاب.
- إذن كم بعت الإسطرلاب؟
- أخذه فنان مثلك تماما يا أستاذ. زبون دائم ذو ذوق عال، بألف و خمس مئة درهم.
علّق وعيناه على اللوحة:
- إنه ثمن مناسب.
أعاد التاجر نظره و اهتمامه إلى اللوحة، ثم ما لبث أن فتح عينيه دهشة و هو يقول دون أن يتركها:
- مستحيل شيء لا يصدق.
و لمّا لم يسمع رداً، رفع رأسه يحدث الأستاذ الفنان. ازداد اتساع عينيه و شهق:
- أنت؟ أين الآخر؟
حينذاك و بابتسامة هادئة، دنا منه وأخذ اللوحة التي رماها بنظرة خاطفة وهز رأسه كأنه فهم كل شيء، و أعاد إليها الغطاء، و ترك التاجر جاحظ العينين بلا حراك.

عندما وصل إلى حيّه، أطلّ صاحب المنزل الذي بدا أنه عرفه. و كعادته دون مقدمات، أخذ يصيح أمام الملأ:

- ربنا يعفو عليّ منك و من أمثالك.

لكنه هذه المرة لم يرد عليه رده الدائم، و إنما ابتسم في وجهه بوداعة، و ارتقى سلم البيت صاعدا إلى غرفته حيث ألفاها ولّت إلى أول عهدها.

لم يتأفف كعادته أو يبدي تضايقاً، بل اكتفى بوضع اللوحة في أحسن مكان لديه مباشرة أمام المرآة الكبيرة، الشيء الوحيد الكبير من بين كل أغراضه داخل غرفة صاحب البيت، ثم أخذ يدفعها حتّى اختفت المرآة تماماً خلف اللوحة التي شغلت كل المكان. عندها أزال الغطاء عن اللوحة،
و جعل ينظر إلى ما رُسم فيها. كان شابا وسيما بادي النجابة يعمل فرشاته في لوحة غير مكتملة. أخرج من جيبه بطاقة التاجر. أعاد قراءتها بصوت عال بسهولة و يسر، ثم مزقها بهدوء، و أعاد النظر مليا في لوحته، فوجد في نفسه رغبة ملّحة في الرسم.

في ركن الغرفة حيث يرقد السرير، تمدد أرضا و راح يبحث تحته عن بقايا أشياء لبقايا حياة. كان تمرينا ممتعا، كأنه "ميخالي" يقلّب بقايا أشياء الآخرين في مزبلة المدينة الكبيرة عن شيء ثمين، يغنيه عن فقر ذاكرة روح. و لمّا ألفاه إذ اصطدمت يده بحاشية صلبة رقصت نفسه طربا رقصة شاركت فيها كل أشياء الحجرة.
كانت علبة ضمت فرشات و ألوان و ورق مقوى أزاح عنه غطاءه، فإذا به أمام بداية لوحة. حينذاك انطلقت الفرشاة رقصتها في سعادة معلنة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى