وهل ينفع الفتيانَ حسنُ وجوههم؟

، بقلم فاروق مواسي

وهل ينفع الفتيانَ حسنُ وجوههم
إذا كانت الأعراضُ غيرَ حسانِ؟
ولا تجعلِ الحسنَ الدليلَ على الفتى
فما كل مصقولِ الحديد يمانِ

كنت تناولت الموضوع في الجزء الثاني من كتابي- (دراسات أدبية وقراءات بحثية)، ص 19- 21 تحت عنوان- "عن حسن المنظر وقبح المخبر"، وهأنذا أضيف هنا ملاحظات وتنويعات أخرى.

الشعر – على الأرجح- لابن نُباتة السَّعدي، وفيه تأكيد أن جمال الوجه لا ينفع إذا كان الشرف والعِرض في موقع الشبهة، فالحُسن ليس الدليل على فتوة الفتى، والتشبيه الضمني يذكرك بأن السيوف المصقولة ليست كلها يمانية قاطعة، وهكذا الفتى، فالمقياس هو في فعله والخلائق – كما يقول المتنبي:

وما الحسن في وجه الفتى شرفًا له
إذا لك يكن في فعله والخلائقِ

كان هذا البيت للمتنبي موضع استحسان المعتمد بن عبّاد، فكان يردده، وحدث أن لاحظ
ابن وَهبون الشاعر مدى إعجاب المعتمد بالبيت، فأنشد:

لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما
بقدر العطايا، واللُّها تفتح اللَّـها
تنبّأ في نظم القريض ولو درى
بأنك تروي شعرَه لتألّها

ردد المتنبي في معانيه هذا المعنى عن الحُسن حتى وصف به الخيل:

إذا لم تشاهد غيرَ حسنِ شِياتِها
وأعضائها فالحسنُ عنك مغيَّبُ

وقريب من هذا قوله:

يحب العاقلون على التصافي
وحب الجاهلين على الوسام

(الوسام= جمال المظهر)

يقول مبشِّر بن الهُذَيْل الفَزاري:

ولا خيرَ في حسنِ الجسومِ ونبلها
إذا لم تزنْ حسنَ الجسوم عقولُ

كان الشاعر عمرو بن معد يكَرِب قد سبق في المعنى، وذلك في مطلع قصيدة له:

ليس الجمال بمِئزرٍ
فاعلمْ وإن رُدّيتَ بُرْدا
إن الجمالَ معادنٌ
ومناقب أورثن مجدا

الحسن أو الجمال في الخلق أولاً، فالمخبر أو الجوهر أولى من المنظر.
يقول مِهْيار الدَّيلَمي:

وما الحُسنُ ما تُثني به العين وحدَها
ولكنَّ ما تثني عليه قلوبُ

ويقول دِعْبِل الخُزاعي:

وما حسن الوجوه لهم بزَين
إذا كـانــــــــــت خلائقهمْ قباحا

ومن قول أبي الحسن التِّهامي:

حسنُ الرجال بحسناهمْ وفخرهمُ
بـطَـوْلهمْ في المعالي لا بطُولهمُ

يظل خطاب الشعراء القدامى في هذا المعنى موجهًا للرجل أكثر مما هو موجّه للمرأة، فهو موضوع الحديث عن فعله وعن خلقه، لكنا وجدنا اهتمام الشعراء المعاصرين بألا يغرّنا جمال المرأة، فقد تكون على ما وصف الحديث الشريف محذّرًا:

"إياكم وخضراء الدِّمَن".

يقول الشاعر القروي:

بناتُ حواءَ أعشابٌ وأزهارُ
فاستلهمِ العقلَ وانظرْ كيف تختارُ
ولا يغرَّنكَ الوجهُ الجميلُ فكم
في الزهرِ سمٌ وكم في العُشْبِ عقّارُ

قد يكون الجمال بدون فضيلة ولا خلق يتزيا به الإنسان، فعندها يكون كالزهرة بلا عبق، ورب وجه جميل لرجل أو امرأة يخفي ما وراءه شر وقباحة.

كم ينخدع الناس من مظهر الجميل أو الجميلة فيسارعون في الحب أو القبول، وهم لا يدرون أن هناك قشورًا قد تبين عن وهم وعن منكر.

صدق الإمام علي- كرّم الله وجهه- في قوله:

ليس الجمال باثواب تزيننا
إن الجمال جمال العلم والأدب

وأخيرًا، فيبقى للجمال سطوته وأهميته، فهو نعمة لا نستطيع تجاهلها، والله جميل يحب الجمال، وكأن الطبيعة بكل ما فيها تجليات له.

الجمال سحر يأسر، وهو غذاء للروح، ومناغاة للفؤاد.

فما رأيكم فيما يقول الشاعر الفلسطيني سعيد يعقوب:

ليس الجمالُ الذي بالعينِ تُبصره
إن الجمال جمالُ الروح لا الجسدِ


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف