الأحد ١١ حزيران (يونيو) ٢٠٠٦

الأعمال الكاملة لفايز محمود .. البحث في الوجود

محمد ضمرة - الأردن

حيرة تملؤني وتطوحني في كل اتجاه، وانا احاول ان اكتب شيئا يليق بما تضمنته الاعمال الكاملة لفايز محمود، والتي اسهم في اخراجها البنك الاهلي الاردني، ضمن خطة طموحة وبناءة تهدف الى تظهير الادب الاردني واعطائه مساحة تتسع لهذا الغنى الثقافي الذي شهده الاردن منذ حوالي ربع قرن فقط.

واسباب هذه الحيرة او التردد الذي صاحبني طوال فترة قراءتي لأعمال فايز محمود كثيرة ومتعددة، منها انك تستطيع ان تأخذ فايز محمود كمفكر وجودي او فيلسوف باحث في غوامض كثيرة، ومنها انك تستطيع ان تتوقف عنده كقاص بارع امتلك كل ادوات الكتابة القصصية الحديثة، بل واعطاها مدى ارحب واوسع، او ربما يحلو لك ان يبحث في روائية فايز محمود او تجربته الحياتية الخاصة، وهي ليست خاصة به وحده، ولكنها تجربة انسانية عامة.

كل هذا الذي ذكرته، وذاك الذي لم اذكره الآن يجعل القارىء متلبسا بشعوره الممزق والمشتت، خاصة اذا ارادت ان يكتب شيئا سريعا، وضمن مقالة لا تتسع المجالات المتاحة لاستيعاب ما اكثر من هذا التبسط.
مع اعترافي ايضا انني قرأت او تابعت فايز محمود منذ صدور كتابه الاول والمسمى بالعبور بلا جدوى.

في اوائل السبعينات،
ولعلني اجد خلاصي فقط فيما توصل اليه النقاد المعاصرون، من حيث تحطيم كل الجدر والاطارات التي كانت تمنح جنسية خاصة لفن ابداعي معين، وتمنع هذه الجنسية عن اجناس ادبية اخرى، فقد تداخل الشعر في الرواية والقصة، وقد اشتملت المسرحية على السرد والشعر واللوحة.

ودخلت القصة والحكاية في الشعر، بمعنى ان لا فواصل الآن محمودة بين هذه الاجناس او الاشكال الابداعية .. ولهذا فان المتلقي يستطيع ان يتعايش مع ابداعات فايز محمود.

من هذا المنطلق، والذي يعتبر فيه سابقا للتقعيد النظري الذي توصل اليه اهم النقاد المعاصرين .. والذي اصبح له وجوده كمدرسة استثنائية حداثية ..
وقد اعتمد فايز محمود على تحطيم البنى السردية التقليدية السائدة وحاول ابتداع اشكال سردية جديدة، متعددة في الاشكال الواعية، وهو يقيم سرديته على رصد واقع الذات والعالم والاشياء والموروثات لنقل الرؤية الجديدة.
واذا كانت القصة الجديدة هي نتاج لتفاعل مكونات النص واجزائه للتركيز على شعرية الخطاب القصصي، حيث تتعدد الادوات والاشكال والاصوات، ليؤدي ذلك كله الى ايجاد مفارقات بين الحاضر والماضي، والى امتزاج الواقعي والتاريخي والخيالي، واختراق العوالم الداخلية للشخصيات، وهو ما يسمى بالتحليل النفسي، فان فايز محمود قد تشكل من ذلك كله، واعادة تشكيله عبر شخصيته الابداعية التواقة الى معرفة الحاضر واستحضار الماضي لا لمحاكمته، وانما من اجل بعثه وبقائه حيا مشاركا في الحياة اليومية.

وبالنظر الى عناوين اصداراته جميعا، فان المتلقي يتوقف امام هذه العناوين، ليراها تعبر بوضوح عن مدى المعاناة التي مر بها الاديب نفسه، وسواه من بني البشر او الانسانية.

فالعبور بلا جدوى، مثلا يشكل دالا مهما لأنه يوحي بدلالات لا متناهية، فالعبور يوحي بالطمأنينة والانجاز ولكن ما تبعه يحيلنا فورا الى عدمية المحاولة او الفعل، ويستطيع القارىء ان يتلمس كيف ينظر فايز محمود لصراع الانسان مع الطبيعة الممثلة في الوادي مثلا، وهو باحث بجدية عن اليقين، هذا اليقين الغائب، المطلوب احضاره في النفس الانسانية التواقة دوما اليه، الا ان الكاتب يفاجئنا حين يصرح ان المقدس الوحيد في هذا الوجود هو الحزن، مع انه يجري سريعا باتجاه الحرية التي هي مطلب انساني رفيع ومقدس ايضا، ولا شك ان صورة انعام وما تركته في نفس القاص من اثار سلبية او ربما تكون ايجابية قد شكلت في حياته وادبه رواية كبيرة لم نتنه فصلوها بعد، حيث ان هذه العلاقة شكلت مخزونا لا ينفد لدى الكاتب.

وهو من خلال تجربته الحياتية التي لا تفارق تجربته الابداعية، نراه باحثا عن الحقيقة، يطرق ابوابها، لكنه دائما يعود بلا جدوى، فمثلا نراه يقف باب المسجد هاما بالدخول ليريح نفسه ولو قليلا، ولكن المفارقة ترينا عكس ذلك تماما حين يدخل الى البار لعله يحقق مراده.

وفي الحنين والعنوان يوحي بمدلولات كثيرة ومتعددة تموت الجدة التي كانت تحاول ان تفتح له طريقا الى الله، وبعد عودتها يحاول البحث بمفرده، الا ان الموت وقهره للأحياء يوصله الى حتمية قهر الموت بارادة الموت، وهذا ما فعله كافكا وتيسير سبول، وما حاوله هو لكنه لم يصل الى الحد الفاصل بامساك الارادة.
كذلك في السراب والبحر نراه غارقا في كيفية تصوره للعالم الجديد، عالم المدينة الذي طرأ على حياته بعد خروجه من القرية، وهو يعتبر المدينة بمقام الضرة للقرية التي كانت بمثابة الام له ولغيره ممن سكن وعاش في القرية.

ويبقى الموت، السر الأعظم الذي يحاول فايز محمود معرفته واكتشافه بطريقته الخاصة، هذا الموت الذي ارهق وجوده البشرية منذ وجودها، فجعلها تتفنن في نحت القبور وفي فن التحنيط وبناء الاهرامات، والبحث عن اكسير الحياة، هذا الموت يشكل عند فايز محمود مشكلة، لأنه يرى ان الغد هو الموت بنفسه، ويرى ان الوجود مجرد وهم ولا شيء حقيقي سوى الله.

ثم لا يلبث ان يكتشف حقيقة اخرى وهي ان المال ضروري جدا من اجل توفير شكل من اشكال الحياة، ولذلك تراوده نفسه عن فكرة السفر الى الخارج من اجل تحقيق هذه الرغبة.

وهكذا يبقى فايز محمود مشدودا ما بين الماضي الذي شكلته انعام وانسحبت من هذا الماضي ليظل باهتا وبدون معنى ولا جدوى وبين البحث المضني من اجل تحقيق توازن ما مع حاضره، فيجد امل البديل، وحتى هذا الاسم لو افترضنا انه ليس الاسم الصريح لهذه الانسانة، فان فايز يعطيه دلالة، فبانتقائه للأسم يوحي لنا بأن امل هذه لا بد ان تصنع له املا ما ليعيش من اجله على الاقل.

وفايز بواقعيته وخياله وفلسفته الخاصة لا يخرج من اطار واقعه، فهو يتأثر به ويؤثر فيه، ويرصد حركة الاحداث من حوله بجدية، بل ويذهب اكثر من ذلك حينما يعطي بعدا تاريخيا لنهر الاردن وقداسته واهميته، وهو يتابع العدوان الاسرائيلي منذ صباه، حينما دخلت القوات العراقية عام 48 للوقوف الى جانب الشعب الفلسطيني، وهو يبحث في التحولات التي تجري من حوله بل ويشارك بها ايضا، ففي طريق @@@@@@ الى العاصفة يرصد الكاتب التحول الزمني والتحول البشري والصعود نحو الحضارة البشرية او الانسانية في مظهرها الخارجي على اقل تقدير.

وفي قصة الأبله والتي تشكل رواية قصيرة، فان الراوي هو الروائي، كما هو عادة فايز هي الشخصية الوحيدة التي تأخذ اسماء جديدة، لكنها في كل القصص تتحدث عن معاناته وتجربته في القرية والمدينة، وفي الرحيل وفي السجن ومع الاصدقاء، وبدون هؤلاء جميعا وابن الصحراء فايز محمود يتطلع تقابليا الى رؤية البحر، وما دام البحر غير موجود امام ناظريه، فانه لا يفتأ بتسمية الصحراء بالبحر الاصفر، هذا البحر الاصفر الذي شكل في حياته استوائية في النظرة وبساطة في المعالجة، وتراجع حالة الانفعال لديه.

وكم توقفت كثيرا امام قصة قابيل، ومن حق القارىء ان يتوقف امام هذه الملحمة الدرامية، التي شكلها فايز محمود، وقام بتأثيث مشهدية للحركة والشخوص، والحوارات، وكان المسرح ارضا بلا حدود، والشخوص تاريخية وليست خيالية، ان قصة قابيل التي تعارف عليها الجميع وقصة هابيل كما تصورها كل قارىء، قد احياها فايز محمود وايقظ الاموات من قبورهم ليقوموا بأداء الادوار التي لعبوها في ماضي البشرية، لقد قام فايز باخراج هذا المشهد اخراجا جديدا مليئا بالحركة والاثارة، مقترنا بالمشاعر الفياضة والاحاسيس المكتظة، والحق انه مهما كتب عن هذه القصة فانها تظل بحاجة الى مزيد من القراءات للخروج ايضا بمزيد من الدلالات، انها تمثل ابداعا متميزا غير قابلة للمقايضة بأحسن الأعمال، لزنها افضلها واقواها تأثيرا، مع ان الكاتب قد انكأ على النص التوراتي، الا انه قد البسه ثوبه الخاص.

ولا اكون مغاليا اذا قلت ان قصة قابيل هي افضل ما كتب فايز وما تشكل في داخله في حب للبشرية ومن كره للانتقام ومن حكمة وحق وحقيقة، وكل ما يؤمن به وما لا يقدسه، قد تجسد كله جميعا في هذه القصة، ولذلك فانني شخصيا سأعيد قراءتها للمرة الثالثة ولا ادري ان كنت سأزيد على ذلك.

وكل ما اقوله في حق فايز يبقى جزئيا لأنني لا استطيع ان اصل الى رؤية ما رأى ولا انظر من الزاوية التي يحقق بها، لكني حاولت فقط توصيف ابداعات فايز لعلني وصفت.

محمد ضمرة - الأردن

عن الرأي


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى