تطبيق مفهوم الرؤية للعالم في كتاب

«الرؤية البيانية عند الجاحظ» (١ )

، بقلم كريم مرشدي

1- البيان كرؤية:
في هذا المدخل سوف لن أركز على العناصر المعرفية لعلم البيان، ولا على التطور الذي خضعت له من خلال سيرورتها الجدلية مع العلوم الجمالية الأخرى كالبديع والمعاني مثلا، وإنما سيقع التركيز بالخصوص على مدى تجاوب عناصر هذا العلم مع بعضها لتكوين رؤية للعالم، وذلك كمدخل موجز فقط.

من المعلوم أن علم البيان هو علم أسلوبي بالدرجة الأولى، فهو عبارة عن أسلوب في التعبير يلجأ إليه المتكلم للإفصاح عما يروج داخله من الأفكار بحيث يصوغها داخل بنية لغوية معقولة ومقبولة يتجه بها إلى متلقي معين يفكك رموزها للحصول على الدلالة التي حملها المتكلم لتلك البنية، فهو علم تعبيري يهتم خصوصا ببنية الخطاب الدلالية، إذ إن الخطاب هو شكل تعبيري ذو دلالة معينة يحملها، ومن الواجب فهمها وذلك بتفكيكها وإعادة صياغتها في ذهن المتلقي. ومن المعروف في الدراسات السيميولوجية الحديثة أن الخطاب لا ينحصر داخل المتواليات اللغوية التي تتألف من فاعل وفعل ومفعول، بل إن كل ما يحمل دلالة معقولة هو خطاب دلائلي يريد صاحبه الإبانة عن شيء بإحداثه، ومن هنا تُدخِل السيميولوجيا في دائرة اهتمامها كل ما له صبغة دلالية وبيانية (مثلا دراسة رولان بارث للملصقات الإشهارية ودراسته السيميولوجية للباس والسيارة والأثاث، ودلائلية الطعام....)، وإذن، فإن كل ما يعبر عن شيء – ولو دون لغة – هو خطاب دلائلي، ومن ثم فهو بياني.

وقد سبق للجاحظ أن بين ذلك، ففرق بين الخطاب اللغوي والخطاب غير اللغوي اللذان كلاهما يحملان دلالة معينة، يقول مفسرا معنى النُّصبَة: "وأما النصبة، فهي الحالة الناطقة بغير اللفظ والمشيرة بغير اليد، وذلك ظاهر في السماوات والأرض، وفي كل صامت وناطق.. فالدلالة التي في الموات الجامد، كالدلالة التي في الحيوان الناطق، فالصامت ناطق من جهة الدلالة، والعجماء مُعْرِبَة من جهة البرهان" (أوردها الأستاذ ادريس بلمليح عن الجاحظ في كتابه "الرؤية البيانية عند الجاحظ" دار الثقافة – ط1 – ص 33-34 )... إن الإختلاف الذي يبقى بين الجاحظ والسيميولوجيا هو في أمرين: الأول هو الوعي بالموضوع، فالجاحظ عند تصنيفه لأنواع البيان لم يكن واعيا بأنه كان يبحث في علم لم تتوضح معالمه إلا في القرن العشرين، بل إن حديثه عن عناصر البيان التي حددها في خمسة عناصر لم يحدث إلا في مستوى تأمله للعالم حيث قسمه إلى عالم نامي وآخر غير نامي ويشتركان في البيان، وهو تأمل فلسفي – ديني أكثر مما هو تأمل سيميائي – علمي واعي بموضوعه، وهذا هو الإختلاف الثاني.

يخطر لي تساؤل هنا بالذات، لكني فضلت تأجيله إلى آخر هذه النقطة دون أن أجيب عنه.. أما الآن، فسأحاول فيما تبقى النظر في مدى اقتراب الجاحظ من التعبير ضمن رؤيته البيانية عن رؤية للعالم آملا العودة إلى الموضوع في جزء مقبل: تعتبر البنيوية التكوينية النظرة إلى العالم تعبيرا عن رؤية مجموعة ما للعالم انطلاقا من تجاوبها مع ظواهر الواقع وبنياته، وهي ليست رؤية فردية تعبر عن رؤية خاصة بفرد بعينه، بل إن هذا الأخير لا يعمل إلا على حمل تلك الرؤية ثم صياغتها فنيا داخل عمل فني معين، يقول كولدمان في تحديده الأولي للرؤية للعالم: "الرؤية للعالم هي بالضبط ذلك المجموع من الطموحات، والإحساسات والأفكار التي تجمع أفراد مجموعة ما (وغالبا ما تكون طبقة ) في مقابل مجموعات أخرى" (ل. كولدمان: الإله المختفي – بالفرنسية – كاليمار – ص 26 )، فهي إذن نوع من الوعي الطبقي لدى مجموعة اجتماعية ما تحاول صياغتها عن طريق رؤية خاصة غير فردية، بل إن كولدمان يؤكد بأن الفرد لا يستطيع صياغتها لوحده، وقليل من الأفراد من استطاع التعبير عن رؤية خاصة وصياغتها صياغة منسجمة. غير أن هذا الأخير يستطيع التعبير، وبصفة متفوقة، عن رؤية جماعية تجسد الوعي الطبقي والإجتماعي لها، وذلك لأن: "الوعي الجماعي لا يوجد إلا داخل الوعي الفردي" (نفس المرجع – ص 27 ) الوعي الفردي المتفوق إلى درجة العبقرية، والرؤية للعالم بنية تجمع ضمنها عناصر يفترض فيها الإنسجام. وطالما أننا اتفقنا – ولو أوليا – على أن البيان يشكل رؤية للعالم، فسوف ننظر في مدى تعبير هذا العلم عن ذاته كرؤية، وذلك من خلال عناصر هذه الرؤية البيانية ومجموعها من خلال كتاب الرؤية البيانية عند الجاحظ للأستاذ ادريس بلمليح: لقد حاول الجاحظ أن يبلور رؤية للكون من خلال عناصر أجملها الأستاذ بلمليح في ثلاثة عناصر هي: العالم – الحيوان – الإنسان: فالعالم لدى الجاحظ ينقسم إلى عالم نامي وآخر غير نامي، فالعالم النامي هو الحيوان والنبات والإنسان، والآخر غير النامي هو الجماد، ويعتبر أن العالم النامي أفضل من العالم غير النامي، كما أن العالم النامي ينقسم إلى: الإنسان والحيوان والنبات، وتفْضُلُ هذه العناصر بعضها بعضا حسب ترتيبها، وتجتمع هذه العناصر في كونها كلها معبرة وتدل على شيء ما من حيث وجودها، غير أنها تختلف في نوعية الدلالة والبيان: فالإنسان يدلل على الأشياء بمختلف وسائل البيان التي حددها الجاحظ في: اللفظ والخط والعقد والإشارة والنصبة، والحيوان يعبر ويدلل بالإشارة والنصبة، في حين أن الجماد لا يدلل إلا بالنصبة. وإذن، فإن كل مظاهر هذا الكون تجتمع في كونها معبرة تتخذ مظهر التبيين، فإما أنها تنتج رموزا بيانية تعبر بها، وتكون بذاتها رمزا كالإنسان والحيوان مثلا، وإما أنها لا تستطيع خلق أي نوع من الرموز، ولكنها تتموضع كرمز حال الحيوان والجماد. وهكذا فالرؤية لدى الجاحظ للكون تعتبر رؤية بيانية، أي أنها عبارة عن رؤية تعبيرية (بالمعنى السيميولوجي الدلالي ): إنها رؤية أقرب إلى التأمل الذاتي الفلسفي منها إلى الرؤية الناتجة عن احتكاك بالواقع الإقتصادي والسياسي، إنها رؤية جمالية بيانية، خصوصا إذا علمنا أن البيان أصبح علما أسلوبيا إلى جانب البديع والمعاني، وهنا يمكنني أن أضع تساؤلا أعلنت عنه فيما سبق فوق، وهو كالتالي: هل يمكن لرؤية بيانية جمالية وأسلوبية أن تشكل رؤية للعالم كالتي تحدث عنها كولدمان بكل تفاصيلها، مع العلم أن النظرة السوسيولوجية (إن شئنا القول الماركسية) لا تعير اهتماما كبيرا للمبحث الجمالي إلا بشكل ثانوي جدا ؟؟؟.

2- الرؤية البيانية (جرد حول المنهج):

بعد إعطاء نظرة ولو موجزة عن البنيوية التكوينية كنظرية في المقالين السابقين، وبعد تحديد مدى اقتراب البيان من تشكيل رؤية للعالم من خلال النقطة أعلاه، سنحاول الآن النظر في مدى اقتراب الرؤية البيانية من تطبيق مفاهيم النظرية التكوينية، وذلك لكون المؤلف (ادريس بلمليح ) حاول أن يعطي تصورا منهجيا – أوليا – عن منهجه الذي يعتبره منهجا بنيويا تكوينيا في القسم الأول من كتابه " الرؤية البيانية عند الجاحظ "، ودون التحدث عن عنصر الرؤية للعالم الذي سبق الحديث عنه، سوف أحاول المغامرة إن جاز التعبير، في المفاهيم الأخرى خصوصا عنصر "الفهم والتفسير" الذي بدا لي مهما جدا في التعرف على الموضوع بكل مواصفاته. إن معرفة تراث الجاحظ مسألة غير سهلة خاصة وأن التراث ينتمي إلى فترة ماضية ومغرقة في الماضوية، مما يستدعي عدم التسرع في الحكم والتفسير، وعدم التسرع في محاولة الفهم، تلك المحاولة التي تأخذ التراث على أنه ذلك المكتوب وذلك المأثور فقط. إن مسألة دراسة التراث مسألة عصية، فكم من دراسة تستهدف التراث كموضوع بصفة وثوقية تماما وعمياء تلغي الحس النقدي والشك المنهجي من حسبانها لتصير الدراسات التراثية (على التراث) بسبب الوثوقية، إعادة لإنتاج التراث بأسلوب حديث: إن مثل هذا التعامل مع التراث لا يزيد إلا في إضفاء صبغة القداسة عليه، مما يترك المجال ضيقا أمام الدراسات الجادة فعلا، غير أن هذه الهالة من القداسة بدأت تنسحب شيئا فشيئا بظهور أقلام جريئة تعاملت مع التراث كأي موضوع يستوجب التعامل العلمي الصارم، ونذكر في هذا المجال عدة أعمال كأعمال محمد عابد الجابري ومحمد أركون والطاهر لبيب وأيضا أستاذنا ادريس بلمليح الذي تموضع ضمن البحوث الجادة وفرض نفسه في مجال الإستشهادات العلمية سواء من حيث الموضوع (دراسة بعض مناحي فكر الجاحظ كشخصية عبقرية بمفهوم لوكاتش)، أو من حيث المنهج التكويني كنظرية تستهدف بالخصوص النصوص القديمة الدالة على عبقرية أصحابها. إذن، كيف استطاع الأستاذ بلمليح استخدام مفهوم الفهم والتفسير ضمن دراسته، وخصوصا ضمن القسم الأول من كتابه المشار إليه في العنوان الرئيسي؟

إن معرفة تراث الجاحظ كبنية من الأفكار، لا تتأتى بالبقاء عنده ومحاولة فهمه من داخله كبنية صغرى، فالبنية عبارة عن عدة بنى داخلية غالبا ما تكون في علاقات جدلية بينها، تلك العلاقة الدينامية التي تجعل من البنية شيئا حركيا ودائما في تجدد وتطلع نحو تَبَنْيُن أوسع وأكبر، وهذا التبنين، هو ما عبر عنه الأستاذ بلمليح بعملية "الإنبناء". والملاحظ أن الفهم يتصل ببنية صغرى، وأن التفسير يهتم ببنية كبرى، ولا تتم المعرفة إلا بدمج البنية الصغرى في الكبرى، يقول بلمليح: "إن عمل الباحث لتوضيح هذه العلاقة (العلاقة بين البنيتين الصغرى والكبرى)، يتلخص في أنه حين يوضح عناصر البنية والروابط التي تجمع هذه العناصر، أي العلاقات المتبادلة بينها، سيكون قد قام بعملية فهم معينة لهذه البنية: لكنه يجب ألا يقف عند هذا الحد من البحث (... ) إن هذا الفهم يجب أن يردف بتفسير معين، أي بتوضيح العلاقة بين فكر الفرد وفكر الجماعة التي ينتمي إليها" (بلمليح: الرؤية البيانية عند الجاحظ – ص 52 )، وتلك هي عملية الإدماج، أي إدماج البنيتين ببعضهما.

إن فكر الجاحظ لا يفهم لذاته وبذاته، ولا تتم المعرفة به إلا بفهمه داخل كلية شاملة تعتبر هي المصدر الذي تَوَلَّدَ عنه فكر الجاحظ، إنها معرفة بالواقع الموضوعي الذي أنتج هذا الفكر وهذه الرؤية: فالجاحظ لا يُفهم من خلال دراسة كتاباته لوحدها كما تفعل الدراسات التحليل – نفسية التي لا تحاول فهم الآثار الأدبية والفنية إلا في إطار ضيق، إطار الفرد والنص لا غير، أو الدراسات ذات التوجه البنيوي المحض.. إن البنيوية التكوينية تخرج عن إطار الفرد والنص كبنية صغرى إلى ربطه بشيء أوسع بكثير: بظروفه الإجتماعية والإقتصادية، وذلك ما تمت ملاحظته من خلال الكتاب المدروس، فلفهم فكر الجاحظ كفكر معتزلي، لا بد من ربطه بفكر المعتزلة ككل، هذه الفرقة التي هي عبارة عن فئة اجتماعية ذات طابع اقتصادي معين، وذات وضع اجتماعي معين، كما توصل إلى ذلك الأستاذ بلمليح في كتابه عبر الصفحات 106 و 107 و 108، وهذا يرتبط فعلا بعملية التفسير، أي دمج البنية الصغرى التي هي فكر الجاحظ في بنية أوسع منها، وهي فكر المعتزلة، ودمجهما معا في بنية أوسع، والتي هي المظاهر الواقعية الموضوعية التي ولد فيها هذا الفكر وتلك الفرقة. أما عن عملية الفهم، فقد ارتأى بلمليح أن يحاول تفكيك فكر الجاحظ كبنية، إلى عناصر صغرى، أي العناصر التي تكون المجموع الكامل للبنية، وهي التي تشكل – في رأيه – رؤية الجاحظ للعالم (انظر كتاب الرؤية البيانية.. – من الصفحة 31 إلى 43 )، وعناصر هذه البنية هي كالتالي: العالم – الحيوان – الإنسان، ثم حاول دمج هذه البنية داخل بنية أشمل منها وهي فكر المعتزلة ككل، حيث حدد عناصر بنية فكر المعتزلة في ثلاثة عناصر هي: الله – الإنسان – العالم (انظر نفس المرجع – من ص 67 إلى 76 )، ثم حدد بعد ذلك الأصول الخمسة للفكر المعتزلي وهي: التوحيد – العدل – الوعد والوعيد – المنزلة بين المنزلتين – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوصل إلى أن هذه الأصول لا يجب أن تفهم منفصلة عن باقي الأسس الفكرية للفكر المعتزلي التي هي في واقع الأمر وليدة ظروف معينة خاصة، يقول: "لكن فهم الأصول الخمسة لا يمكن أن يتم بشكل دقيق إلا حين ندخلها ضمن بنية الفكر الإعتزالي ككل، أي ضمن ما يكمن أو يستتر خلف المعتقدات المختلفة التي هي أسس ومبادئ الإعتزال" (نفس المرجع – ص 89 ). ثم، وبعد ذلك نجد أن الأستاذ قد ربط في الفصل الثالث من القسم الأول من كتابه المدروس، تلك البنى ببنية أخرى، وهو ما أسماه بالأسس الإجتماعية والإقتصادية لفلسفة المعتزلة. وبالفعل، فإن فهم فكر الجاحظ لا يتم إلا بدمجه في فكر المعتزلة ومحاولة فهمه داخله كبنية أو كجزء منه، ثم ربط فكر المعتزلة وضمنه فكر الجاحظ ببنية أخرى تعتبر كلا واحدا، وهو الواقع الإقتصادي والإجتماعي للعصر الذي وجد فيه ذلك الفكر: "إن بنية الفكر الإعتزالي يجب أن تفسر بعد عملية الفهم (...) في ضوء المجتمع الذي ظهرت فيه هذه الفلسفة، وذلك بربطها بالفئة الإجتماعية التي آمنت بالإعتزال مذهبا وعقيدة (... ) ومعنى هذا، أننا يجب أن ندمج البنية الفكرية للمعتزلة في إطار بنية أوسع وأشمل، وهي شبكة العلاقات الإجتماعية والإقتصادية في العصر العباسي الأول" (نفسه – ص 91).

إن عملية الفهم والتفسير مرتبطة أكثر الإرتباط بالفكر المدروس، في عملية محايثة وتطبيقية أكثر من المفاهيم الأخرى كالوعي الممكن والوعي القائم أو الرؤية للعالم اللذان هما مفهومان نظريان: فالأول مفهوم ذهني سيكولوجي يرتبط بوعي المجموعات، والثاني مفهوم هو الآخر ذهني ناتج عن الأول، ومن أجل الوصول إلى تمظهره (أي تمظهر عنصر الرؤية للعالم)، تطبق مفاهيم البنيوية التكوينية وخصوصا الفهم والتفسير.

(... يتبع)