بعد صراع مع الحياة..

رحل شهيد الثقافة العراقية «ناظم السعود»

، بقلم حسين سرمك حسن

بعد صراع مع الحياة.. وثلاث جلطات (واحدة قلبية ثم اثنتين دماغيتين قاضيتين)، وشلل نصفي، رحل شهيد الثقافة العراقية "ناظم السعود"..

وهو شهيد بكل معاني كلمة الشهادة ويجب أن يُعامل على هذا الأساس، فناظم قدّم حياته لهذه الثقافة بلا مقابل. وقبلها تحمّل الآلام الجسام والعذابات الهائلة في سبيل الكلمة لأكثر من أربعين عاماً، ومات منحنياً على جهاز الكمبيوتر يكتب بصعوبة كما اعتاد عن ثقافة لم تقدّم له سوى النكران والإهمال ليعيش منبوذاً في أطراف محافظة كربلاء مشلولا ممدداً في سريره لا يقوى على الحركة للسنوات الثلاث الأخيرة.

عاش ناظم قبل الاحتلال مع عائلته الصغيرة في غرفة بائسة منزوية في مقر اتحاد الطلبة والشباب في شارع الكفاح.

عمل في هذا المقر حارساً ليلياً وليس "حزبيّاً " لكي يعيل زوجته وأطفاله.

في ذلك الوقت قدّمنا له نحن أصدقاؤه: الراحل الشهيد رعد مطشر والفنان التشكيلي عمر مصلح والشاعر سلمان داود محمد وأنا أكثر مما قدّمته له الحكومة. خذله من كانوا يزعمون أنّهم أصدقاؤه الخلص ومنهم مثقفون "مقاولون" في الكتابة والحياة.

وبعد الاحتلال ترك وظيفة الحارس الليلي ليس لأن الحكومة عرفت قدره وقيمته الثقافية فأراحته، ولكن لأن المقر أُغلق، وأصبح المكان خطراً بسبب التسيّب الأمني آنذاك فنزح مع عائلته إلى أطراف كربلاء ليعيش هناك.

لم يترك ناظم الكتابة لحظة برغم أن القدر قد اختار – وبدقة عجيبة - الجلطة الدماغية في الجهة اليسرى من دماغه ليشلً يده اليمنى التي يكتب بها.

كان ناظم - قبل الاحتلال - جسورا لا يهاب وتعرّضياً. كتب أعمدة صحفية ومقالات كانت هي الطريق المستقيم نحو السجن أو الموت. ولكن الله العظيم حفظه من تلك المخاطر المدمّرة.
لناظم الفضل على شعراء وقصّاصين وروائيين ومسرحيين، كانوا أصواتاً شابة وأصبحوا الآن ممن يُشار إليهم بالبنان. كثير منهم جافوه وتنكّروا لفضله في حياته.. فهل سيذكرونه بعد مماته؟!
كان من ألقابه الشريفة الكثيرة: "عرّاب أدباء الهامش".

قبل أسابيع التقينا أنا وسلمان في بغداد، ولمنا أنفسنا، لأننا لم نزر ناظم في كربلاء مرة واحدة بعد أن انتقل إليها وهو عاجز تماماً، واكتفينا بالاتصال به بالهاتف والبريد الإلكتروني. فقرّرنا السفر إليه إلى كربلاء. كان الموت يعرف أنّنا لسنا جادّين مثله وأنّ "خلگنة" طويل، فقرّر أن ينهي الموضوع ويزوره قبلنا ويرحلا سويّة.

خويه ناظم.. إعذرنه.. والمسامح كريم.

ذات صباح من صباحات جُمَع المتنبي قبل الاحتلال، كنت أقف مع ناظم والمترجم والشاعر حسين حسن والمبدع الأستاذ حنون مجيد وآخرون نتحدّث في شؤون ثقافية، وجاء صحفي "مهم" آنذاك وسلّم علينا، وإذا بنا نفاجأ بناظم يهوي بعصاه على رأس هذا الصحفي بضربات شديدة موجعة وهو يصيح: حقراء.. شوّهتوا الثقافة. علمنا بعدها أن الصحفي طلب من ناظم مقالة لصحيفته وعندما وجدها جريئة.. اعتذر!!

كنتُ أزور ناظم صباح الجمعة في مقر عمله كحارس ليلي ونخرج لنجلس عند بائع مشويات في أحد أزقة الكفاح. دُهشت من احتفاء الناس البسطاء هناك به، كانوا يعرفونه ويحترمونه. "إجه الصحفي" كما يقولون ببساطتهم، ويعتقدون أن تسليمه مشكلاتهم سوف يحلّها. وكان يشعر بالإحراج ويخجل من أن يرفض توصيلها فعمله في الصحافة الأدبية وليس في الشكاوى.
قبل شهور، اقترحتُ عليه نشر كتابه المهم جدا "لا صحافة أدبية في العراق" بصورة حلقات متسلسلة في موقع الناقد العراقي الذي أشرف عليه لأن الأيام والشهور تمر دون أن يرى هذا الكتاب النور برغم كل محاولات ناظم لإصداره، فأرسله مع الرسالة التالية:

(تحياتي دكتور حسين

أتمنى أن تكون بخير لأنك أصيل وصادق

أرسل اليك محتويات كتابي الجديد الذي لم ينشر بعد لظروف المرض المتتالية حتى بت أخشى عليه وعلى مصيره، لهذا تذكرت كلماتك الأخوية وعرضك الطيب من اعادة نشر فصوله رقميا في موقع الناقد العراقي حتى يكتمل الكتاب. ولهذا أنا موافق الآن على هذا العرض الأخوي منك، وأرسل اليك الكتاب المخطوط بغلافه ومقدمته التي كتبها خصيصا للكتاب الدكتور طه جزاع اضافة الى 30 مقالة جديدة.. اتمنى ان اجد الكتاب منشورا كحلقات في الموقع مع الشكر والامتنان مقدما

اخوك ناظم السعود)

وقد نشرنا الكتاب بأكمله كحلقات مع هذه الإشارة من أسرة الموقع مع كل حلقة:

(إشارة:

يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر الكتاب الجديد للناقد والصحفي والمجاهد الثقافي العراقي الأستاذ “ناظم السعود” “لا صحافة أدبية في العراق” على حلقات. وناظم السعود مدرسة صحفية عراقية أصيلة، وقلم نقدي بارع، وسمته المشتركة الأهم في الحقلين هو أنه مبضع لا يهادن، ولكنّه مبضع جرّاح فيه الشفاء للنصوص والنفوس العليلة، فناظم لا ينسى دوره التربوي الخلّاق أبدا. في هذه الحقات دروس عميقة ثرة من تجربة السعود.. فتحية له وهو يبدع وسط لهيب محنته.)

يعد البدء بنشر فصول الكتاب ارسل ناظم رسالة يقول فيها:

(للأسف فأنا قبل حوالي ساعة ارسلتُ ردّا سريعا اثر بهجة رسالتك الأولى وضمّنتها فرحتي بما ارسلت واستقبالك المبهج لكتابي لكن يا لسوء حظي اذ لم ترسل اليك رسالتي لخطأ لا اعرفه

أكرر فرحي بكلماتك واشارتك ومضمونها الرائع

انا ممنون منك فانت دائما تشحنني بالحياة

اخوك ناظم)

والغريب أنّني قرأتُ مقالة للدكتور طه جزاع في صحيفة المشرق (3/4/2016) يقول فيها:
(مناسبة الحديث عن ناظم السعود، هي صدور كتابه الجديد الذي يحمل عنوانا مثيرا (لا صحافة أدبية في العراق!)..

وحسب علمي، مات ناظم السعود ولم يصدر الكتاب.

وقد أعاد الدكتور طه نشر المقدّمة اليوم بعد وفاة ناظم وغيّر عنوانها من (ناظم السعود زعيم المثقفين الفقراء) إلى (في وداع زعيم الفقراء) بعد أن أضاف إليها سطراً واحداً فقط هو:
(لك الرحمة والمغفرة أيها الصديق النقي الصادق الجميل، لعلك تجد في موتك أملاً، طالما بحثت عنه يائساً في الحياة.)

قبل ثلاثة اشهر أرسل إليّ ناظم مخطوطة جديدة لآخر كتاب له وشرّفني بطلب كتابة مقدّمة له (سوف أنشرها قريباً). قال أبو أسعد في رسالته: (اتمنى ان تكون بخير أبو علي
كنت أرجو ان اكون بوضع افضل لأفيك حقك ايها الكبير علما وادبا ومكانة ولكنني بوضع سيئ اذ أنظر واتابع العالم وانا طريح الفراش ومنذ ثلاث سنوات وأنا ملقى على ظهري لا أكاد أتحرك.. هل قرأت رواية الجحيم لهنري باربوس؟ ان حالي اليوم يشابه بطلها ولا حول الا بالله
قلت لنفسي لأفيد الاخرين كما كنت أفعل طوال عمري وهكذا اهتممت طوال الشهرين المنقضيين بجمع بعض كتاباتي المنشورة في الصحف والمجلات والمواقع لاضمها في كتاب جديد اسمه (المدونة الحادية عشرة: اقباس من كتاباتي الصحفية) وأصبح جاهزا الآن للطبع ويحتاج فقط الى مقدمة ووجدت أنك الأصلح لكتابة المقدمة لسببين أولهما لأنك قريب مني ومن دلالات كتاباتي على مدى السنين السابقات والثاني انك نشرت وبشرت في موقع الناقد العراقي بعض المواد في الكتاب هذا

ارجو ان يكون عندك بعض الوقت لكتابة المقدمة والا ازاحم مشاريعك الكتابية العديدة
ملاحظة: ارفق مع االرسالة نسخة من الكتاب

اخوك ناظم السعود)

وقد كتبت المقدّمة (وسوف أنشرها غداً)، وكالعادة.. مات ناظم ولم يصدر الكتاب.
قرأتُ قبل سنوات عن شخص مات وقالوا عته أنه (مات وأزاح عن كتفيه العبء الذي يُسمّى "الحياة"). لكن لماذا تكون الحياة عبئاً في بلادنا وهي مشرقة رائعة رائقة في أماكن أخرى مثل جيبوتي صاحبة أكبر مخزون نفطي في العالم؟ ولماذا يموت مبدعونا مشلولين مُهملين لتطويهم يد النسيان بعد ما سُمّي بالتغيير والتحرير؟ الله يطيّح حظّڇ أمريكا.
الرحمة لروحك أخي الحبيب "ناظم السعود" في علّيين.