في الذكرى العشرين لرحيل شاعر العرب العظيم:

الجواهري: أنا ضحية وطني العراق

، بقلم حسين سرمك حسن

في عام 2003، وقبل حرب الإحتلال القذرة على وطننا العراق العزيز بأسابيع، أُقيمت احتفالية في نادي العلوية ببغداد بمناسبة صدور الجزء السابع من موسوعة الأستاذ "مؤيد عبد القادر" (هؤلاء في مرايا هؤلاء). كنتُ مدعوّاً لإلقاء كلمة بالمناسبة، فاقتطعت فقراتٍ ممّا كتبه الدكتور "خلف رشيد نعمان" في الجزء السادس من هذه الموسوعة عن الدكتور "إبراهيم السامرائي" حيث قال قبل ختام مقالته:

((وبعد، أما آن لهذا العالم المكدود والمُتعب والمُغترب الذي يتنقل في بلاد الله من غُربة الى اخرى وقد تجاوز الثمانين أن يستريح في بلده، وأن يُكرّم فيه كما يُكرم العلماء الأفذاذ، ولا نريد ان يكتب التاريخ عنه: أنّه ظل بعيداً عن وطنه)).

ثم ختم الدكتور خلف رشيد نعمان مقالته بالحديث عن الدكتور صفاء خلوصي قائلاً:

(كان الدكتور "صفاء خلوصي" (رحمه الله) يتردّد على بلد أجنبي. وصادف في زيارة له أن حان عيد ميلاده وقد بلغ السبعين. وفي صبيحة ذلك اليوم طرق بابَه رجلٌ بملابس رسمية، قدّم نفسه بعد أن حيّاه: إنه رسولٌ من أعلى رمزٍ في البلاد، وإنّه يحمل تحيّته بمناسبة عيد ميلاده.

ومع التحية باقة الورود هذه، يرجو قبولها. وبعد انصراف الرسول كان الدكتور خلوصي يتساءل:
كيف عرفوا تاريخ ميلاده؟ وكان يجيب: لا بُدّ انهم عرفوه من جواز سفره، أو من سجلّه في الجامعة التي كان يدرّس فيها. ولكنّ الأعجب -وهو ماكان يفكر به الدكتور رحمه الله- هذه اللفتة الإنسانية واللمسة الحانية من هذا الرمز هو الغريب الذي لم يخطر بباله أن يلتقيه في يوم من الأيام، فكيف خطر هو ببال هذا الرمز؟. لقد كُرّم الدكتور ابراهيم السامرائي تقديراً لجهوده في اللغة والادب والنقد والبحث والتحقيق في غير بلد عربي وأجنبي، فكان عضواً بمجامعها العلمية واللغوية. فهو عضو في مجمع اللغة العربية في القاهرة ودمشق وعمان، وعضو في المجمع العلمي الهندي، وعضو في الجمعية اللغوية الباريسية..)) ((وقد آن له ان يأخذ حظه من التكريم في بلده وأنّ بلده أولى بنشاطه العلمي والمعرفي وهو أيضاً أولى بتقديره والاحتفاء به))..

الى هنا ينتهي حديث الدكتور خلف رشيد نعمان، ولكن محرّر الموسوعة يضع هامشاً في الأسفل يشعل الأسى في الروح ويقطّع أوتار القلب يقول فيه:

((فُجعنا برحيل الأستاذ الدكتور ابراهيم السامرائي خلال اعدادنا لهذا الجزء من هذه الموسوعة، إنّا لله وإنّا إليه راجعون)).

والى هنا ينتهي هامش المُحرّر لتعود قافلة الآلام العراقية وتواصل –كما كانت- مسيرة العذاب التي لا تهدأ. نعم، تواصل السير وتغذّه فقد بدأت رحلة الخسارة والفجيعة منذ آلاف السنين ولن تقف ولن تهدأ مادامت الآلهة قد خلقت الانسان العراقي وهي تبكي. نعم، قافلة الموت العراقي تسير وكلاب الحياة تعوي جريحة بانكسار وخذلان وبلا أمل. هوى نجم صفاء خلوصي ثم نجم ابراهيم السامرائي وتبعهما نجم البياتي. وقبلهم وبعدهم هوت نجوم ونجوم ونجوم، والعَرْض مستمرٌ والعزاء قائمٌ، وعلاج ضيق الصدور زيارة القبور حسب الحكمة السومرية القديمة. ومَلِكُ الموت مُكرَه ومُستفزٌ من عمل سماء الإبداع العراقية: فكل نجم يختطفه المثكل – وفق وصف جدّنا جلجامش الموفق للموت- يبزغ محله نجم آخر مُشرق. تعب الطالب وتعالى المطلوب. أرض الإبداع العراقية هي القطة التي تأكل أبناءها. وهاهي تلتهم أعظم أبنائها إبداعاً وهو الجواهري. فبموت الجواهري مُبعدا وغريبا، كُسر ظهر عمود الشعر العربي وحصلت ثلمة هائلة في سماء الإبداع وأرض الحياة العراقيتين. الجواهري؛ (قمر الإبداع العراقي) و(شاهد الكفاح الشعبي لمائة عام)، (أبو الفرات) و(ابن الفراتين) و(عاشق دجلة) و(ابن كوفتنا الحمراء) و(ملحمة العراق) و(مارد نقطة الصفر) و(حتف الطغاة) و (مَلِك ملوك الشعراء الفقراء) بعد أن نُصّب (أحمد باشا شوقي) أميراً عليهم.. و(شاعر العرب الأكبر) حسب وصف الراحل الدكتور طه حسين الذي استكثر على الجواهري كتابة مقدّمة لديوانه فتصدى الجواهري نفسه لكتابتها فكانت قطعة من عيون النثر العربي وهي "على الطريق". الجواهري الذي ينطبق عليه ما قاله في أبي الطيّب المتنبي عام 1977:

تحدّى الموت واختزل الزمانا
فتىً لوّى من الزمن العِنـــانا
فتىً خبطَ الدُنى والناس طراً
وآلى أن يكونـــــــهما فكـــــــــانا
دماً صاغ الحروفَ مُجنّحات
رهـــــــــــــافاً مُشرئبات حِسانا
وطارَ بهنّ في شرقٍ وغربٍ
كأنّ لهنّ في قَصَبٍ رهانا
فوَيقَ الشمسِ كُنّ له مدارأ
وتحت الشمس كُنّ له مكانا
وآبَ كما اشتهى يشتطُ آناً
فيعصف قاصفاً، ويرقّ آنا
فتىً دوّى مع الفلك المُدوّي
فقــــــــال كلاهما: إنّــا كـلانـــا

(فتى الفتيان المتنبي- 1977)

وقد كُتب الكثير عن الجواهري؛ مقالات ودراسات وكتبا وأطروحات جامعية. لكن هناك جوانب لم تُدرس حتى الآن في إبداعه وشخصيّته وسلوكه بقدر ارتباط الأخيرين بالأول، ومنها نرجسيّة الجواهري الضارية كعامل حاكم وأساس في تشكيل إبداعه وسلوكه الشعري والحياتي والتي وصفها بعض النقّاد بـ "تضخّم الأنا". وهذا ما سنحاول دراسته هنا بصورة منهجية مرتبطا بنرجسية أنموذج شعري عربي عظيم تعلّق به الجواهري كثيرا بل انسحر به، ومنذ طفولته، ألا وهو أبو الطيّب المتنبي ؛ مقارنين بين نرجسيتين: نرجسيّة مغلقة شبه معصوبة متّجهة نحو الداخل أوصلت صاحبها الى الانتحار والموت وأخرى مُنفتحة صحّية دفعت بصاحبها الى التمسك العزوم بالحياة على الرغم من أن الإثنتين كانتا الحافز والموجّه والمُنعش للحضور والفعل الإبداعي الهائل لكل منهما. وسنشتغل على الإمساك بمفاتيحهما الشعرية والنفسية الأساسية بطريقة منهجية لم تُطرق من قبل حسب ظننا.

إنني أعتقد أنّ واحدا من المفاتيح المركزية التي توفّر الفهم التحليلي للعوامل الحاكمة التي شكّلت منجز الجواهري الإبداعي الهائل (كتب الجواهري أكثر من 25 ألف بيت) مثلما تحكّمت بسلوكه الشخصي والإبداعي هو تماهيه ؛ الإيجابي والسلبي، مع شاعره المفضل والكبير؛ أبي الطيب المتنبي، فهو يقول للدكتور علي جواد الطاهر في اللقاء المهم الذي أجراه الأخير معه:

(أنا (فرخ) المتنبي).

ولكن لهذا التعبير "الجواهريّ" – ككلّ تعبير يمسّ نرجسية الجواهري - معانيه الظاهرة المباشرة مثلما له معانيه الباطنة الماكرة. إنّ تماهي الجواهري مع المتنبي ليس "بريئا"، فالجواهري لا يتحمل نرجسيّة شعرية أخرى "أعلى منه" مهما كانت متميزة حتى لو كانت شعرية المتنبي أو البحتري، والأخير تيّم به الجواهري أيضا.

يقول الجواهري في الجزء الأول من "مذكراته" وهو يتحدث عن آلامه الباهظة التي عاشها حين شكّك البعض في انتمائه العراقي والعربي في الخمسينات من القرن الماضي:

((لم أجد من ينافسني على مثل (هذه النعمة!!!) وحتى المتنبي العظيم. لقد كابدَ ما كابدتُ، وتحملَ ما تحملتُ. وتهجّر ما تهجّرتُ، وشُرّد بمثل ما شُرّدتُ، ولكنه مع هذا كله فقد كان يقرّب يومه الأخير بنفسه وكأنه يريد أن يختزل كلّ مرارات الحياة التي ذقتُها بعده بأكثر من أيامه بثلاثين عاما. ومع هذا لا أدري لماذا يُذبح المتنبي رمز القومية العربية، وقبل هذا رمز البلد الأول الذي أنجبه وملأ به الدنيا وشغل به الناس؟ لماذا يُذبح في وطنه وعلى مبعدة أميال من بيته (من بيتي أيضا) وأهله في العراق؟ ثم لماذا يموت الرصافي في عاصمة وطنه على سرير حديدي عتيق مما يُباع في سوق المزاد بأقل من دينار؟ ولماذا لا تُسدل عنده ستارة حتى وإن من قماش رخيص على النوافذ الزجاجية التي تضج بما يشبه وَهَج النار من قيظ العراق؟ ولماذا لا يوجد كرسيّ في حُجرته وإن من خشب عتيق ليستقبل عائدا من عوّاده، ولو كان هناك من يعوده؟ ولماذا يرحل الكاظمي بعيدا عن وطنه مُعدما ومُحتاجا ليموت في القاهرة معزّزا ومكرّما؟)).

وبعد أن يستعرض الجواهري الكيفية التي عاش ومات فيها في بلدانهم، مستقرّين مُحترمين، شعراءٌ كبار مثل: بدوي الجبل وأحمد شوقي وابراهيم طوقان وغيرهم، يعود ليعلن عن شكواه وألمه مما يلاقيه في وطنه من أحقاد وعداوات ومواقف عنصريّة وشوفينية بغيضة تذكّرك بحال المتنبي وشكواه من دهره وصروفه وحسّاده ومُبغضيه، ويقارن حاله بحال المتنبي:

((أنا واحدٌ من هذه الضحايا النواشز، في وطنهم العراق بالذات، كُتب عليّ أن أدفع هذه الأثمان الباهظة التي دفعتُها من حياتي على يد من لا يتكافأ معي بشيء من شاتميّ وجاحديّ وحاسديّ. إنني لأحسد كل المغمورين في عالم الأدب أو الفن أو في أية ناحية من نواحي الحياة. وأعودُ، لأستثني وأستدرك، وأقولُ أنني لم أجد بلداً غير العراق في كل ما حييتُ وعشت واختلطت بالأفراد والجماعات في البلاد العربية، وفي كل ما قرأتُ في التاريخ عنها، في مثل هذا الإنجاب وفي مثل هذه المكافآت عنها، حتى المتنبي نفسه لم يعش لحسن حظه في العراق طويلا، ولا أدري كم سنة أو كم شهراً قضى بين أهل بيته في الكوفة، فالتاريخ لا يذكر ذلك بالضبط. إن الأحقاد التي أثرتُها، في مجتمعٍ يضمّ وجوهاً وُجدتْ لتكون حاقدةً بل مُعبّأةً بالحقد وبالعنصرية والشوفينية البغيضة وبالنعرات الطائفية المُنكرة))


حسين سرمك حسن

ناقد عراقي

من نفس المؤلف