ثقافة الهبل وتقديس الجهل

في ندوة اليوم السابع

، بقلم جميل السلحوت

ناقشت ندوة اليوم السابع في المسرح الوطني الفلسطيني كتاب "ثقافة الهبل وتقديس الجهل" للكاتب جميل السلحوت، صدر الكتاب الذي يحمل غلافه لوحة للفنّان التّشكيلي الفلسطيني جمال بدوان عن مكتبة كل شيء الحيفاوية، ويقع في 180 صفحة من الحجم المتوسّط.، ومنتج وصممّ الكتاب شربل الياس.

بدأ النقاش مديرة الندوة ديمة جمعة السمان فقالت:

"ثقافة الهبل وتقديس الجهل" كتاب يفتح أبوابا يصعب إغلاقها، السّلحوت تناول مواضيع هامة بجرأة الواثق المؤمن بأهمية دوره كمثقّف يسعى للتّغيير.

لا زال الجهل يأخذ (دورالبطولة السّلبيّة) في كتابات جميل السّلحوت ويتصدّر عناوين مقالاته وكتبه المتنوعة.. ولا زال قلمه يتفنّن في اظهار بشاعة الجهل على شتّى المستويات وعلى رأسها المستوى الانسانيّ.

في إصداره الجديد (ثقافة الهبل وتقديس الجهل)، لم يخصّ الكاتب الجهل بالبطولة وحده، بل شارك الهبل فيها أيضا. ضم الكتاب بين غلافيه حوالي 60 عنوانا فرعيا يتناول فيها الجهل مغموسا بالهبل في شتى مناحي الحياة، على المستوى السياسي والثقافي والاجتماعي الإنساني، موضحا أساليب استهبال الشعوب العربية نتيجة الجهل والمعتقدات البالية التي زرعت في عقولهم وورثوها أبا عن جد، دون بذل أيّ مجهود في التّفكير في معقوليّتها وتحليلها، بل قبولها كما هي والبناء عليها، مما زاد الطّين بلّة.. وهنا تمّ استغلال هذه الظاهرة من قبل أطراف أخرى لهم مصلحة في تفشّي الجهل وانتشاره لغايات في نفس يعقوب.

وبما أنّ جزءا لا بأس به من الناس يعمل "متعهدا" لنشر الجهل، ويأخذ دور الطابور الخامس في هذه الشعوب، ويالتّالي يتبنّى أيّ مقولة تنشر هنا أو هناك، فيعيد نشرها، دون التّأكد من صحّتها ودون البحث عن مصدرها، تفاقمت الأوضاع سوءا، وترسّخ الهبل، الذي أدّى إلى تقديس الجهل.. فأساء للشّعوب حيث تمّ وصفها بالجهل والتّخلف.

لقد تناول الكاتب مواضيع في منتهى الأهميّة بجرأة الواثق المؤمن بأهمية دوره كمثقّف، عليه إلقاء الضّوء على ظاهرةٍ تُدمّر الشّعوب، وتمحوها عن خارطة انتاج الثّقافة والابداع، يتجنّب الخوض فيها العديد من الكتّاب لحساسيّتها، حيث تفتح عليهم أبوابا من الصّعب إغلاقها، هم في غنى عنها، فقد يتمّ اتّهامهم بالالحاد على سبيل المثال، خاصّة وأنّ الدّين هو المفتاح والمدخل الذي تتمّ من خلاله عملية غسل العقول. وبما أنّ الأمر يظهر وكأنّه يمسّ العقيدة، ويسيء إليها ويشكّك بها- مع أنّ الهدف من الكتابة هو الدّفاع عن العقيدة، والدّعوة الى احترام الدّيانات السّماوية وتطبيقها كما جاءت دون تغيير أو تحريف، والتّقيد بها وبتفاصيلها- فتجد العديد ممن يرفض حتى التّفكير في الأمر، ويتمّ تكفير كلّ من تسوّل له نفسه فتح باب النّقاش في هذا الأمر.

ابتدأ الكاتب بتعريف المصطلحات التي وردت في عنوان الكتاب، وهي: الثقافة والهبل والتّقديس والجهل، وقد فسّر كلّ مصطلح في بداية الكتاب على حدة، وفرد له مساحة لا بأس بها، وذلك ليتجنّب أيّ لبس في فهم المعنى.. ومن ثم غاص في تفاصيل ممارسات انتهجتها الشّعوب العربيّة والاسلاميّة أساءت بها إلى نفسها وإلى غيرها من الشّعوب عن قصد أو دون قصد.
تطرّق إلى الدّولة القوميّة والاسلاميّة وصعوبة بناء امبراطوريّة اسلاميّة تجمع الشّعوب الاسلاميّة كافّة، لأنّ الدّولة الدّينية لا تعترف بالقوميّات، على الرّغم من أنّ الفكر القومي لا يتناقض مع الدّين، فإحدى شعارات القوميّة العربيّة: "أمّة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" والمقصود هنا الدّين الاسلامي، فهناك مجال لاستيعاب الاقليّات لو توفّرت النّيّة: فالدّين لله والوطن للجميع. ولكن من يؤمن بهذه المقولة؟

وتحدّث عن "تخصّص" العرب بتحويل الهزائم إلى انتصارات كما حصل في حرب حزيران 1967، حيث تمّ اعتبار الهزيمة انتصارا؛ لأنّ إسرائيل لم تستطع اسقاط النّظامين التّقدميّين في مصر وسوريّا، ولم تستطع هدم الكيان الأردني!

وتطرّق السلحوت إلى المرأة وسلبها لحقوقها، والتّعامل معها على أنّها كائن لا يستحقّ الحياة، واستشهد بالعديد من الأمثال الشّعبيّة التي ترسّخ هذه المعتقدات، على سبيل المثال: (اللي بتموت وليته من حسن نيته) و (دلّل ابنك بيغنيك، ودلّل بنتك بتخزيك) ...إلخ من أمثال تؤكد نظرة الرّجل الدّونية للمرأة، مع أنّ الدّين الإسلاميّ أوصى بالمرأة خيرا، وفرض على المرء الاحسان للأمّ.. لكن المرأة لا تلقى الاحسان والمعروف من زوجها! مع أنّ الرّسول قال: خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي. وعرّج على القتل دفاعا عن الشّرف، وأكّد على أنّ البعض نسي أن مفهوم الشّرف لا يقتصر على المرأة، بل على الرّجل أيضا وعلى سلوكيّاته التي يتمّ تبريرها دوما مهما كانت تخلّ بمفهوم الشّرف.

وتحدّث عن زرع الفتن الطائفيّة والدّينيّة بين المسلمين والمسيحيّين، والتي تسببت بالحروب الأهليّة التي أودت بأرواح ملايين من الأبرياء في العالم العربيّ على أيدي أبناء جلدتهم.

أمّا الدّعاء في الخطابات الدّينيّة فلها حديث آخر، حيث يتفنّن الأئمة بأدعيتهم على كلّ من لا يعتنق الدّين الإسلاميّ. بطريقة تنمّ عن جهل وحقد وقصر نظر وبعد عن الدّين، ممّا يترك أثرا سيّئا في نفوس أصحاب الدّيانات الأخرى.

وتطرّق الكاتب أيضا لما تبثّه بعض الفضائيّات العربيّة والتي أسماها فضائيّات الهبل والجهل.. حيث تنشرللمتأسلمين فتاوي غريبة عجيبة، الدّين منها براء.

كما أكّد الكاتب أنّ موقع فيسبوك أصبح أيضا مرتعا خصبا لصنوف من الهبل.

وقد أشار الكاتب إلى ثقافة تنمية الجهل وتسويقه، وتعطيل العقل، وإلى الاستغلال الجنسي باسم الدّين.

أمّا الثقافة فقد أسهب فيها الكاتب في مجالاتها المختلفة من ثقافة المطالعة، إلى ثقافة والعفاريت وعبادة العجول وتحريم الحلال، وإلى ثقافة القبيلة والتّعصّب القبليّ، إلى ثقافة المفرقعات والطّوشة، والانبهار بالأجنبيّ من جهة، والتّكفير والتّخوين من جهة أخرى, وثقافة تدمير الذات وثقافة الشّطار التي أشار من خلالها الكاتب إلى المعنى الحقيقيّ لكلمة شطّار ، وهي كلمة تحمل معنى سلبيّا، ليس كما يفهمه البعض، حيث يتمّ استعمال الكلمة للاشادة بالمرء.

كتاب غنيّ.. لخّص أسباب تراجع الأمّتين العربيّة والاسلامية عن ركب الحضارة.. ولكن.. لقد أسمعت لو ناديت حيّا.. ولكن لا حياة لمن تنادي.

وكتبت نزهة الرملاوي:

نظرة ثاقبة لما يدور حولها، نظرة تخترق ما هو عادي ومألوف، لتكشف بعضا من الحقائق والتّزييفات التي علقت بمجتمعاتنا الاسلاميّة والعربيّة، تحت مسميّات أو أغطية دينيّة، أو ثقافيّة غير مدروسة، مبيّنة استعلاء تلك الشّعوب التي تتظاهر بالهبل والاستهبال، وتقدّس الجهل دون معرفة أو وعي أو غضّ بصر، لافتة أنظارنا إلى السّلبيّات التي نتجت عن تلك التّرهات -إن صحّ التّعبير- وما خلّفته من أمراض مجتمعيّة واضحة، ما زالت ماثلة أمامنا.
يصنف الكتاب ككتاب ثقافيّ بامتياز، فقد تحدّث الكاتب فيه عن الثّقافة ومفهومها اللغوي، منقّبا عن معان كثيرة أفاد بها القرّاء، وعرفنا بمصطلحات ثقافيّة اجتماعيّة أثار حولها أسئلة عميقة كمصطلح الهبل والجهل، اللذين روّج لهما عنوان الكتاب فشدّ لهما القارئ بقوة.

ولو تدبّرنا معنى الثّقافة كما أشار إليها الكاتب من مصادرها، لتبيّن لنا أنها لا توافق مضمون النّصوص حول الثّقافة، والتي استخرجت بمعنى حاذق فهم /وسرعة التعلم/ والظفر بالشيء/ ولو أبدل الكاتب الكلمة ب (مشكلة) لكان المعنى أقرب إلى الصحيح، مثلا (مشكلة الهبل) بدل (ثقافة الهبل) (مشكلة تدمير الذّات) بدل (ثقافة تدمير الذّات) (مشكلة الإشاعة) بدل (ثقافة الإشاعة)، ومصطلح الثّقافة، وخاصّة ثقافة الأمّة يكون عاما، أمّا ما أشار إليه الكاتب، فربّما ينطبق على نصف المجتمع أو معظمه، ولكن لا يعمّم، رغم تفشّيه.

نادى الكاتب العامّة من الناس، بأن يكونوا أكثر دراية وتحسّبا ممّن يختفون وراء الشّعارات والخطابات الرّنانة، فقد تكون هدّامة وليست على علاقة بما تعلن عنه للملأ، كالذين يتظاهرون بالدّين وإدراج شعائر دينيّة لاستمالة الناس، ولكن مصالحهم الشّخصيّة أو الدّوليّة تتّجه نحو مسارات أخرى أبعد من ذلك، والسّبب في تقمّص جلباب الدّين هو معرفتهم المسبقة بالمردود الرّوحي للنّزعة الدّينيّة وأثرها على الحراك السّياسيّ في العالم العربيّ والاسلاميّ، بعد الاحتضار الشّيوعيّ الشّرقيّ، وإنهاء الاحتلال الغربيّ العسكريّ المباشر، والابقاء على بسط نفوذه الثّقافيّ لطمس الثّقافة العربيّة وحضارتها الاسلاميّة، باحتلال غير مباشر للشّرق، عن طريق إبقاء الكيان الصّهيونيّ والسّيطرة الرّأسماليّة والمصالح الدولية المتمثّلة بأمريكا، التي هيمنت على الدّول الاسلاميّة، ممّا أوجد النّزاعات والصّراعات والأحزاب السّياسيّة والدّينيّة، التي كان لها أثر واضح في الانقلابات المتمثّلة بالرّبيع العربيّ، وما تمخّض عنه من ملايين المشرّدين والقتلى، ودمار مدن وقرى بأكملها، وظهور داعش والجهل الذي هو أساس المصائب، ومن المؤكّد أنّ من صنع داعش وموّلها الغرب وأمريكا، وقاموا بسبي الأطفال والنّساء واستباحوا الأعراض، ودمّروا المتاحف والكنائس.

لقد اعتنى الكاتب بترتيب كتابه، فصل العناوين وأكثر من المصطلحات، واستخدم المعاجم كما ورد فيها، فكانت اللغة سهلة ومفهومة ومتداولة.

أمّا أسلوب الكاتب فقد كان راقيا في المعالجة والطّرح.

عرض الكاتب بعض المفاهيم وأقرنها بكلمة الثّقافة، وقسّمها إلى عدّة أقسام، حيث عالج كلّ مفهوم بطريقته الخاصّة، وأشار أنّ تلك الثّقافات بحاجة إلى إعادة تثقيف جدّيّة من قبل وسائل الاعلام والمثقفين ورجال الدين، كثقافة القتل مثلا التي تفتقد الدّليل الدّيني لجرائمها، وتقتل باسم الدّين. والثقافة الطّائفيّة بين طوائف المسلمين والمسيحيين، التي أدّت إلى قتل اللاجئين الفلسطينيين بوحشية في مخيّمات صبرا وشاتيلا، على أيدي الكتائب المتنصرين لمسيحيتهم في لبنان.

الكتاب حاور فئة المثقّفين والسّياسيّين، بلغة تقريريّة اعلامية، في الحين نفسه كان عنوان الكتاب موجّه للعامّة، حيث دعاهم إلى عدم الانجرار وراء الادّعاءات الملتوية، والتي تظللها الشّعارات الطائفية والمذهبيّة، وأن يكونوا أكثر وعيا وتفكيرا بما يجري حولهم من دسائس ومكائد وطمس وتهميش للعرب، وما يتبعها من حروب وتدمير، ووجّههم للبحث عمّا وراء الحدث ومسبّباته، وأن لا يكونوا هبُلا، يستهبلهم الآخرين، فيقدسون آراءهم ومعتقداتهم، ويحملون سيف الحامي فيزدادون جهلا وتخلفا.

لقد تميّز الكتاب بالتّوجيهات وتنوير المجتمع للوصول إلى الرّقيّ ومواكبة التّطورات في جميع المجالات الاجتماعيّة والفنّيّة

أورد الكاتب في كتابه الكثير من الأحداث السّياسيّة التي جرت على السّاحة العربيّة، وما نتج عنها من حروب وتغييرات وتبعاتها القاسية على الأمّتين العربيّة والاسلاميّة.

يعتبر الكتاب كتابا ثقافيّا مميّزا، زاخرا بالمصطلحات والمفاهيم التي أرجعها الكاتب إلى جذورها وأصولها، وهذا الأسلوب ليس جديدا على الكاتب السلحوت، وقد أضاف للقارئ معلومات مهمة حول الشخصيات والأحداث الواردة في النّصوص أو ما وراءها ليثري الموضوع.

أورد الكاتب الكثير من المعلومات التّاريخيّة والأدبيّة والسّياسيّة المعروفة، فوضعت في مكانها المناسب ولا ضير للتّذكير بها، وجاءت كإثباتات أو دعائم للنّصوص والأحداث التي تطرّق اليها الكاتب، فأسهمت بشكل أو بآخر بمعالجتها أو التّحدّث عنها وذكرها، لا سيّما أن الكتاب تناول الكثير من تلك الأحداث، وأثرها على أمّتنا العربيّة بالآونة الاخيرة.

من اللافت أيضا، أنّ في الكتاب كمّا لا بأس به من العناوين، الأسماء، الشّخصيّات، التّواريخ، الآيات القرآنيّة والقصص التّاريخية، وقد أثرى الكاتب كتابه بالشّواهد التي ساهمت في تحليل الموضوع، فشكلت إجابات حول الجدليات الثقافية التي أوردها، وكان يضع حلولا جيدة لها، كالإرشادات حول خلع الكسل لتطوير الحياة الإقتصاديّة، وتطرّق إلى ثقافة القتل والثّأر في فلسطين، والجرائم على خلفيّة الشّرف، أو القتل العمد، وطالب بالتّحقيق ووضع قوانين رادعة للقتل.

ووجّه الشّعب العربي ليرتقى بجميع الفنون الابداعية، وعدم الانصياع وراء من يحرّمون الابداع لجهلهم بالدين نفسه.

تطرّق الكاتب إلى المفسدين في المؤسّسات الثقافية، وخيانة الضّمير فيهم، ولفت الانتباه إلى الثّقافة الشّعبيّة وثقافة القبيلة الصّحراويّة، الرّافضة للفهم المتجدّد للدّين، والتي تغوص في الاستهبال والجهل، ممّا يؤخرها عن التّطور ومواكبة العلم والتّجديد، مما يؤخذ على الكاتب أنّه عالج الموضوع من وجهة نظره هو، ولم يكن حياديّا في طرح القضايا السّياسيّة.

بدا الكاتب منفعلا في كتابه حول الثّقافات المتعدّدة القديمة المتجدّدة، والتي طرحها الكاتب بذكاء وحنكة، ليلتفت إليها مجتمعنا الفلسطيني، والمجتمعات العربية الأخرى، مطالبا إيّاهم بالتّراجع عنها والعمل على إبادتها من حياتهم الاجتماعيّة.

من اللافت أن الكتاب اتّسم بعرض الثقافات، والتي تتمثّل لنا (كمشكلات) مجتمعيّة مغروسة بالفكر العربيّ، ومحاولة وضع حلول لها، أو إثارة أسئلة فكرية حولها، تحث القارئ على تدبرها، وتحفزه على ايجاد طرائق أو بدائل لحلها.

أرجع الكاتب كلّ الحوادث والحروب والتّغييرات والتّقسيمات وظهور التّنظيمات والأحزاب إلى ثقافة الهبل عند العرب، واستهبالهم واستخفافهم بمجريات الأمور، وتقديسهم للجهل ورفضهم الفهم المتجدّد للدّين لأنّ تهمة الكفر ستكون جاهزة لالصاقها بهم.

يعتبر الكتاب حالة متجدّدة تعبر بقوة عن المشكلات التي تواجه الشعب الفلسطينيّ والأمّة العربيّة.

وقالت رفيقة عثمان:

كتاب ما بين الدراسة العلميّة والأدب

كتاب الأديب جميل سلحوت، ليس قصّة، ولا رواية كما عهدناه؛ قدَّم الكاتب جميل سلحوت في كتابه الجديد دراسة نقديَّة، لظواهر اجتماعيّة، وسياسيّة سلبيّة في المجتمع العربي بشكل عام، وبفلسطين بشكل خاص.

كتاب الكاتب سلحوت نهج أسلوب البحث العلمي، في بعض المقالات مستندًا الى المصادر العلميَّة، والبعض الآخر اتّسم بعرض تجارب وخواطر ذاتيّة، خاضها الكاتب بنفسه؛ حيث دمج الأسلوب الأدبي، الذي كان خاليا من الاستناد لمصادر علميّة تُذكر؛ مستخدما التّناص الأدبي، مع الاستطراد المالغ به. دمج الكاتب الأسلوبين ما بين المنهج العلمي، وكتابة الأدب.
أنهى الكاتب كل مقالة، بتساؤل ولا دخل للكاتب في طرح الأجوبة؛ كي يفكِّر القارئ بماهيّة المشكلة المطروحة.

تضمّن الكتاب نقدا لاذعا حول سلوكيّات غير مرغوب بها، ومقارنتها مع الشّعوب المتحضّرة الأخرى، تطرَّق الكاتب لتحجيم الفكر العربي بواسطة الإعلام غير المسؤول، وغرس قيم وعادات بعيدة عن المنطق، وترسيخ ثقافات غير متحضّرة؛ بل تزيد من تجهيل القارئ العربي، أو المستمع، كما ورد صفحة: 65-70. هاجم الكاتب دور الفضائيّات في الغزو الفكري، وتحنيط القدرات الفكريّة لدى الإنسان.

يبدو أن سفريات الكاتب إلى خارج الأوطان، خلقت لديه القدرة على إيجاد المفارقات الحاصلة بين الشّعوب العربيّة، ومقارنتها مع الشّعوب الغربيّة، والأمريكيّة، مستندا على المنطق السليم؛ وعلى الحقائق العلميّة. كما ورد صفحة 73: "وكأنّ هذه الضجّة تشكّل اكتشافا علميّا عجزت عنه وكالة ناسا"، باستخدام التّنصيص والأدلَّة.

استخدم الكاتب بعض الأمثلة، أو أبيات الشّعر، مستندا على مرجعها، كما ورد صفحة 73، " يا أمَّة ضحكت من جهلها الأمَّم، للمتنبِّي. صفحة 71: "لكلّ داء دواء يستطاب به، إلا الحماقة أعيت من يُداويها".

كتابنا هذا يُذكِّرنا بكتاب هشام شرابي، دراسات في المجتمع العربي، هنالك تشابه كبير بين المضامين المطروحة، إلّا أن كاتبنا تطرّق للمضامين الحديثة التي كانت غائبة عن السّاحة العربيّة، كالتطرُّق لمواضيع سياسيّة، ودينيّة حديثة، ودورها في تجهيل الشعوب، وتعطيل حركة التطوُّر الفكري ومواكبة التطوّرات، مقارنةً مع الشعوب الأخرى؛ كان النقد جريئا، مباشرا دون مجاملة، هذا الأسلوب يُحسب لصالح الكاتب؛ الذي يُوجِّه نقده للجهات المتوجّه لها.

عنوان ثقافة الهبل وتقديس الجهل: لم يرُق لي هذا العنوان، العنوان طويل، كما عرضه الكاتب، حيث أظهر التناقض بين المصطلحات، (الثقافة مقابل الهبل، والتقديس مقابل الجهل)، الثقافة والتقديس كلاهما تحمل معاني توحي بالوعي والتطوّر، بينما الجهل والهبل تحملان معنى سلبيّا، تستخدمان للُّغة العاميّة.

في قراءة النصوص، يبدو التكرار جليّا، مملا يُخفِّف من حدّة الاستمتاع، والانجذاب للقراءة.
الكتاب يزيد من الوعي الاجتماعي، والنقد الذَّاتي؛ لمضامين مختلفة؛ تشغل بال مجتمعنا، ولغة الكتاب سهلة تُساهم في تناول مضامينها لطلاب المدارس، ومناقشتها.

صورة الغلاف توحي بصورة يلفُها الغموض، وتوحي بصورة شخص معاق حركيّا، برجل مبتورة، ولا رأس لها، مستخدما اللون الأحمر القاني، الذي يوحي بالعنف والقوّة، والألم.
وقال عبدالله دعيس:

ثقافة الهبل وتقديس الجهل وتقبّل الرأي الآخر

لا شكّ أن من يعيش في المجتمع الفلسطيني أو أيّ من المجتمعات العربيّة، لا بدّ له أن يلاحظ الانحدار الثقافي والأخلاقيّ التي تعيشه هذه المجتمعات، خاصّة إذا ما عايش المجتمعات الغربيّة وقارن بها. فهنا، يكاد النظام والترتيب واحترام الآخرين ينعدم. وهنا، لا قيمة للإنسان ولا لكرامته. وهنا، لا احترام للرأي الآخر. والجهل داء مستشرٍ في جسد الأمّة، حتّى بين المتعلّمين وحملة الشّهادات. وأصبحت النّظافة شيئا مستهجنا، يسير الشخص بين أكوام النّفايات التي يلقيها الصغير والكبير دون ذرّة من خجل أو حياء، حتى باتت القذارة جزءا من ثقافة المجتمع. وانعدام النّظافة يتعدّى نظافة الجسد إلى نظافة القلب، حيث الحقد والبغضاء والمكائد التي لا تنتهي، والعصبيّة القبليّة التي عادت لتطلّ برأسها بقوّة، وكثير من المثالب الأخرى التي تضيق بها الصفحات. أمّا النخب السياسيّة والمثقفة، فلا تتفوّق على الأمّيّين وأشباههم ولا تختلف عنهم في شيء، حيث يبحر الجميع على سفينة الجهل ذاتها، ويخوضون نفس المستنقع الآسن.

وإن كان الحديث في هذا الموضوع يدمي القلب ويثير المواجع، إلا أنّه لا بدّ منه من أجل النهوض بالأمّة، والخروج بها من هذا الجبّ المظلم، دون انتقاص من قيمها ومن تاريخها المشرق المضيء وثقافتها العريقة. والكاتب جميل السّلحوت يطرح كثيرا من القضايا، التي تؤرّق المجتمع العربيّ بشكل عامّ والفلسطينيّ بشكل خاص، بجرأة تبدو من عنوان كتابه (ثقافة الهبل وتقديس الجهل) فلا يوفّر جهدا في تشخيص علل هذا المجتمع وفضح مثالبه، مطلقا على كلّ ما يشينه هبلا وجهلا. فيضع يده على بعض مكامن الدّاء، ويفقأ بعض الدّمامل التي أثقلت جسد الأمّة وأعيته. ويستخدم أسلوبا تهكّميا لاذعا وصادما، وكأنّه يحمل سيفا يحطّم به أصنام الجهل والتّخلف، تدفعه حرقته على حال أمّته ورغبته في رفع شأنها، فيثير العديد من القضايا التي تسترعي الانتباه، وتجعل القارئ يمعن التّفكير في تعديل سلوكه، وحمل راية الإصلاح والتغيير.

لكن الكاتب، وهو جزء من هذا المجتمع الذي وصمه بالهبل وتقديس الجهل، لا يستطيع أن يخلّص كتابه من الأدران التي قام من أجل تنظيفها، وينساق من حيث يدري أو لا يدري في درب غيره من (العربان)، كما يصفهم، الذين ينظرون إلى الأمور من خلال نظارة مظلمة بأغشية من التعصّب الحزبيّ، وعدم تقبّل آراء الآخرين، ورميهم بأقذع الصفات وتجهيلهم وتخوينهم، وترديد الشائعات وتضخيمها دون تمحيص ولا رويّة؛ فيصبح كتابه الذي أراد منه أن يكون حربا على الجهل والهبل، إضافة جديدة إلى ثقافة الهبل التي قام من أجل محوها. فهو يتحدث عن تقبّل الآخرين واحترام آرائهم، لكنّ كتابه يعجّ بالاستهزاء بالآخرين، وعدم تقبّل آرائهم، وتلقّف ما يقال عنهم في وسائل إعلام أدرجها هو ضمن ثقافة الهبل، فيرى ما يريد أن يراه ويغضّ النّظر عن غيره.

يرى الكاتب أنّ الأمّة العربيّة عقمت عن انتاج المفكّرين والمبدعين بعد ابن خلدون، ويذكر ادوارد سعيد كالمفكّر العربيّ الوحيد في العصر الحديث، وهو بهذا لا ينصف هذه الأمّة التي على الرّغم من ضعفها وهوانها، إلا أنها كانت وما زالت تنتج المفكّرين والعلماء والمجدّدين في كافّة المجالات، تزدان بهم جامعات العالم ومراكز أبحاثها، ويغيّب آخرون في سجون حكام الأمّة المتسلّطين. أليس سيّد قطب مفكّرا، وإن اختلف معه المؤلف في الفكر ووجهات النّظر، أوليس البنّا مجدّدا؟

ويستخفّ الكاتب بخطباء المساجد ويصوّرهم بصورة نمطيّة مضحكة، ويصفهم أنّهم من أصحاب المعدّلات المتدنّية، ويتناسى الكاتب أنّ الخطباء والعلماء يقبعون في سجون الحكّام العلمانيّين، الذين ابتدعوا دينا جديدا أوّل أركانه إقصاء الآخر، وثانيها الكذب والافتراء، وثالثها الارتماء في أحضان الغرب وخدمة مصالحه، فسخّروا أبواقا ونصّبوا خطباء على شاكلتهم.

ويجانب الكاتب (الذي أحمل له كلّ التقدير والاحترام) الصّواب عندما يصف كلّ من يحمل فكرا إسلاميّا بالمتأسلمين الجدد، ويشنّع عليهم ويصفهم بأنّهم طامعون في الوصول إلى الحكم، ويعزو إليهم التّخلف والجهل والهوان. وهذا ينافي الواقع لكلّ صاحب بصيرة ينظر إلى الأمور بعين المتجرّد دون انحياز ولا تعميم. فالحركات الإسلاميّة التي وصلت إلى الحكم وصلته عن طريق صناديق الاقتراع، واقتلعت منه بانقلابات عسكريّة بشعة، كما حدث في الجزائر وفي مصر. ثمّ يردّد الكاتب مقولة أنّ الإسلاميين يدخلون الانتخابات لمرّة واحدة ثمّ لن يتخلوا عن الحكم، فهلّا أعطانا الكاتب مثالا واحدا على ذلك؟ بل دعاة العلمانيّة العرب، هم من يصلون إلى الحكم على الدبّابات، ويلتصقون بكراسيهم، ويورّثونها أبناءهم بعد أن يرتكبوا أفظع المجازر ويهدروا مقدّرات الأمّة. وضرب الكاتب الجزائر مثلا، مردّدا روايات الإعلام المضلل الذي كرّس الجهل واستعبد عقول الشعوب، ولو نظر نظرة موضوعيّة لوجد أنّ العسكر هم من انقلبوا على خيار الشّعب واستباحوا الدّماء وقذفوا الرّعب في القلوب، وقاموا بحملة قتل شرسة، وغيّبوا الإسلاميّين في سجونهم، وأطلقوا المجريمن ليعيثوا في الأرض فسادا؛ ليضمنوا استمرار حكمهم واستئثارهم بمقدرات البلاد.

ولا يذكر الكاتب الانقلاب الدّمويّ في مصر، ولا يذكر المجازر التي قام بها، ولا علاج الإيدز بالكفتة، وكأنّ هذا ليس من ثقافة الهبل، ويسمّى الأمور بغير مسمّياتها، فيذكر في موضعين أنّ حماس قامت بانقلاب وشطرت الوطن، وكأنّ الوطن كان موحّدا ولا يفصله الاحتلال، وكأنّ حماس لم تصل إلى الحكم بالانتخاب، وتناسى أن حماس حركة مقاومة شاركت في تحرير غزّة وطهّرتها من الفساد.

أليس من التّحيّز أن ينتقد الكاتب كلّ مَن قاوم الاتّحاد السوفيتيّ الذي كان أكبر قوة استعماريّة إمبرياليّة في القرن العشرين، احتلّت دولا على امتداد قارّتي آسيا وأوروبا، ودمّرت شعوبا بأكملها وشرّدتها وقتلت الملايين منها، بينما يفرد خصومه بصفة الإمبريالية ويصف كل من وقف في وجه تلك القوّة الغاشمة بالتواطؤ معها؟ ويجرّم الكاتب الرّبيع العربيّ، وكأنّ السّعي نحو الحرّيّة جريمة. إن نجاح قوى الشّرّ مؤقتا في وأد الحريات لا يجعل الثّورة ضدّ الظلم جريمة ولا خطيئة.

ويتحامل الكاتب على تركيا. أليست تركيا نموذجا في التّقدّم والازدهار والتّخلّص من الجهل والأمّيّة وإن اختلف المؤلف أو غيره مع سياساتها؟ ويصف وصول أردغان إلى الحكم بلفظ (جيء به) مع أنّه فاز بانتخابات حرّة، بينما لا يتعرّض للحكام الذين انقلبوا على الشّرعيّة أمثال السيسي في مغالطة واستهبال للقارئ وعقله. ويصف عبد النّاصر بزعيم الأمّة وهو الذي جاء إلى الحكم بانقلاب عسكري، وأدخل العالم العربيّ بهزيمة تتلوها هزيمة ما زلنا نتجرع مرارتها حتى الآن؟ وأتّفق مع الكاتب أنّ العرب لم يتحرّروا من موروثهم الجاهليّ؛ فما زال من يسمّون أنفسهم بالعلمانيين يعبدون الأصنام ويتقرّبون إليها، فهم يقدّسون الحكام ويتمسّحون بمآثرهم حتى بعد هلاكهم.

ويحاول الكاتب أن يصوّر مجتمعا منقسما طائفيّا بين مسلم ومسيحيّ، يقوم المسلمون فيه بتفجير كنائس المسيحيّين وقتلهم. بينما الواقع يقول أن المجتمع الفلسطيني والمجتمعات العربيّة الأخرى تعيش بوئام مع الإخوة المسيحيين، ومن يقوم بتفجير الكنائس هو عينه الذي يفجّر المساجد، وهم أجهزة المخابرات التّابعة للأنظمة العلمانيّة المتواطئة كما ثبت في التّحقيقات التي حدث بعد الثّورة في مصر.

وساءني أن يتحدّث الكاتب عن كيان الصهاينة بلفظ (إسرائيل) وكأنّها دولة لا تقوم على أرض فلسطين المغتصبة، أليس من الهبل والاستهبال والجهل أن يتخلى المرء عن حقّه في أرضه ووطنه؟ فهل تخلى الصّينيون عن هونغ كونغ أو عن تايوان بعد عقود من انفصالهما؟ وهل أقرّت إسبانيا بسيادة بريطانيا على جبل طارق؟ وإن كان الاحتلال أمرا واقعا، وإن كان العالم يعترف بهذا الكيان دولة، فلا يجوز لصاحب الحقّ أن يتخلّى عن حقه.

من هم المتأسلمون الجدد؟ مصطلح وضع الكاتب تحت عباءته كلّ من يخالفه فكريّا من اتّجاهات شتّى مختلفة، فلصق بهم كلّ ما في الأمّة من أوجاع، وكلّ المصائب التي أتى بها الحكام العلمانيّون على مدى عقود من استبدادهم، ويتهمهم بالتحريض، ولا يألو الكاتب جهدا في لصق كلّ ما يعكّر الصّفو أو ما يصفه بالجهل بالإسلاميين دون دليل، مع أنّ الإسلاميّين، وخاصّة الإخوان المسلمين، هم قلب هذه الأمّة النابض، وهم أكثر النّاس إخلاصا في الدّفاع عن الأوطان وأكثرهم علما وبحثا وثقافة، تشهد على ذلك وقائعهم في الجهاد وكتبهم في المكتبات.

هناك كثير من التّكرار في الكتاب، حيث يذكر الكاتب بعض الأحداث والإحصائيات في مواضع متعدّدة من الكتاب دون مبرّر.

ويستشهد الكاتب بالأمثال الشّعبيّة الإيجابيّة والسّلبيّة والآيات القرآنية والأحاديث الشّريفة وهذا مما يحسب له.

وجدت نفسي أتّفق مع الكاتب في كثير من القضايا التي طرحها، ولكنّي أختلف مع طريقته في عرض الموضوع وأسلوبه التّهكمي المتعصّب. وحبّذا لو أعاد الكاتب النّظر في كتابه لتعمّ فائدته ويؤتي أكله، وإن كان لا بدّ من النّقد للخصوم السّياسيّين فليكن بأسلوب من الحوار والإقناع، لا التّخوين والتّسفيه.

وقالت هدى عثمان أبو غوش:

في هذا الكتاب يخرج الكاتب جميل السلحوت من عباءة الصّمت معلنا صرخته لمقاومة الجهل بأشكاله المختلفة، ويشعل شمعة النور بقلمه وفكره المنير بجرأة وصراحة من بداية العنوان حتى نهاية الكتاب، ويصحبنا بقلمه إلى عنوان كتابه المميّز والمُسمى "ثقافة الهبل وتقديس الجهل".

بداية يُعرِّف الكاتب معنى ثقافة الهبل ومكونات الثقافة ،ويقسم الكتاب إلى عدة عناوين فرعية لأنواع ثقافة الهبل، يعرضها ويشرح رؤياه تجاه تلك الثقافة، فينتقل من موضوع إلى آخر من أجل "تجفيف المستنقعات الفكرية الآسنة "كما يقول، وذلك من منطلق حبّه وحرصه على رقي ووعي المجتمعات العربية، من أجل التغيير إلى الأفضل، ويدخل الكاتب معركته ضد ثقافة الجهل في كل مجالات المجتمع دينيا ،ثقافيا، اجتماعيا، سياسيا، بقلم صارخ ليشهد على حجم ثقافة الهبل المنتشرة في مجتمعاتنا.

ويسند سبب امتلاكنا لتلك الثقافة إلى الجهل، الذي يجلب لنا المصائب سواء الجهل بأُمور الدُّنيا أو الدِّين.

ولذا نجد الكثير من الخرافة واستهبال والنّاس وفهم الدِّين بطريقة خاطئة، وكأن الكاتب يقول للمجتمع قد وصل الجهل قمة السَّماء فكفى، فجاءت صرخة قلمه بكل حريّة، فطرح وناقش مواضيع مختلفة عديدة، وأُخرى حساسة كموضوع الدين وتعاملنا معه فيأتي بمثال عن خطبة يوم الجمعة ومضمون الدعاء، ويعبّر الكاتب عن سخطه من بعض رجال الدِّين الذين يستغلون السّائلين عبر الفضائيات عن أُمور الدّين والدُّنيا، فيستخفون بعقولهم بإجابات غير منطقية.

وينتقد فهم الحريّة للمواطن حين يدّمر مؤسساته في طريقة احتجاجه، وهنا يقارن الكاتب بين المجتمع الفلسطيني والغربي في تعامله مع الحريّة.

من خلال قراءتي للكتاب يبدو جليا فظاعة ما يعاني منه العربي في نهجه التفكيري، فثقافة "الطخطخة" وإشهار السلاح في المناسبات المختلفة، قتل النساء، وشرف العائلة، والشعوذة هي بالفعل من ثقافة الهبل، وهنا أحسن الكاتب في طرحه لهذه المواضيع التي تمارس كل يوم، وما زلنا نعاني منها، ويرى الكاتب في ثقافة الهبل وتقديس الجهل في المجتمعات العربية ما هو إلاّ لزرع الفتن في اندلاع الحروب، كما حدث من ظهور الدواعش بإدعائهم تطبيق الشريعة واتّخاذهم الأساليب الإجرامية والوحشيّة.

حسب رأيي هنالك مواضيع تطرق اليها الكاتب لا تندرج تحت ثقافة الهبل وإنما هي أكثر انتقادا للموضوع ذاته، كذكره موضوع الثقافة والكتب، الثقافة والتمويل ونقده لعدم وجود مكتبات وطنية، وقلة الميزانيات المخصصة لوزارة الثقافة، ومعاناة المبدع من عدم تمكنه نشر إبداعه وظروفه البائسة.

جاء أُسلوب الكاتب بلغة بسيطة مفهومة غير معقدة، يستشهد بالأحاديث من السُّنة النبويّة وآيات من القرآن الكريم، والدعاء والأمثال الشعبية، كما يستحضر لنا مشاهد من التّاريخ؛ لتفنيد رأيه كقصة الحجّاج وزياد بن أبيه في قضية منع التجوال وحق التظاهر. وقد استخدم أُسلوب المقارنة مع الغرب بشكل واضح، وبيّن آراءه ببعض الأمثلة لإيضاح فكرته للقارئ .
حسب رأيي الشخصي لم تكن هنالك حاجة لتقديم الكتاب، لأنه يوضح لنا الكثير عن الكتاب فتكسر شوقنا لمعرفة ما يحتوي فيه.

ويبقى السؤال إلى متى سنظل نعبد الجهل وقد وُلدنا أحرارا؟

وكتب رائد محمد الحواري:

مشاكلنا في كتاب"ثقافة الهبل"

هناك العديد من الكتاب والمفكرين عملوا على كشف ما فينا من عيوب، إن كانت هذه العيوب بسيطة أو متجذرة، وأعتقد بأن "أخوان الصفا" من خلال رسائلهم تعد بداية تناول مشاكل المجتمع العربي الإسلامي بشكل منهجي وعلمي، فهي تكشف عيوب العامة والخاصة، الحاكم والمحكومين، الاقتصاد والسياسة، الدين والفكر، ومن يقرأها ـ الآن ـ سيجدها وكأن كاتبيها قد أنهوها الآن وفي هذا الوقت تحديدا، لما فيها من عمق وتحليل يمس جوهر الأحداث.
وإذا ما اقتربنا قليلا من هذا العصر، سنجد "عبد الرحمن الكواكبي" يقوم بتعرية نظام الحكم الاقطاعي المتخلف، ويقدم لنا أهم كتاب يبحث في جوهر الدين "طبائع الاستبداد"، ويكشف زيف التمسك بالشكليات البعيدة جدا عن جوهر الدين، وإذا ما اقتربنا أكثر سنجد المفكرين القوميين العرب من "ساطع الحصري" و"مشيل عفلق" و"أنطون سعادة" و"هشام شرابي" و"ادوارد سعيد" و "بسام عويضة" وغيرهم عملوا على تبيان وتحليل واقعنا وما فيه من مشاكل، مبينين الطرق الواجب العمل بها للخلاص مما نحن فيه.

إذن تكمن أهمية كتاب "جميل السلحوت" في هذا الإطار، فهي يكشف عيوبنا، جهلنا، ما وقعنا فيه من مزالق فكرية ومسلكية جعلتنا في قاع الأمم، إن كانت متعلقة بالدين، بالقومية، بالعلمانية، بالديمقراطية، بالحزبية، بالعادات والتقاليد، بالأمثال الشعبية، بالمعتقدات الدينية، بتفسير الأحداث دينيا، بالانجرار وراء: "حط راسك بين الروس وقول يا قطاع الرؤوس" مما افقدنا عنصر النقاء والعطاء، وجعلنا بعيدين بعد الأرض عن السماء في مجال الابداع، إن كان على مستوى علمي أم فكري، أم على مستوى سلوكنا، تعاملنا مع بعضنا كمجتمع واحد، لهذا وجدنا أنفسنا يقتل بعضنا بعضا دون أي شعور بالذنب، ونلقي أحكاما مطلقة بالكفر والخيانة على كل من يختلف معنا، يتعارض معنا، فنحن "لا يأتينا الباطن بالمطلق" فنحن مقدسون، خلفاء الله على الأرض، خصّنا بالجنة والغفران من دون شعوب الأرض.

لكي نكون موضوعيين سنتحدث عن الكتاب بشكل موضوعي، فالكتاب بالتأكيد مهمّ جدا لنا في هذا الوقت، خاصة بعد خروج "مدبرة" القاعدة والدواعش والنصرة وغيرها، فالكاتب يوضح جذور هذه الحركات التي انبثقت من الأمّ "جماعة الإخوان المسلمين" التي رعاها الانجليز ومدّوها بعناصر التغلغل بين المواطنين، والتي تفسر الأحداث حسب منهج خاص بها، يلبي مصالحها ومصالح من يمدّونها بالدعم المالي والعسكري والإعلامي، ومن الأمثلة التي يقدمها لنا الكاتب في هذا الاستخدام للدين بشكل يحقق مصالح "الإخوان" والأنظمة النفطية الرجعية والغرب المعادي لأي حركة تغيير ايجابي في المنطقة العربية، ما قاله "مصطفى عبد الجليل" عن تحالفه "كجماعة إسلامية" مع الطيران الحربي الغربي في ضرب "معمر القذافي" وتدمير الدولة الليبية "لم نتحالف مع أحد، وإنّما سخرهم الله لنا" ويقول عن موقف آخر قام به السفير الإنجليزي في الهند عندما شاهد أحد الأشخاص يضرب بقرة في الطريق، فما كان منه إلا أن نزل من موكبه، ومنع ضرب البقرة، ثم غسل وجهه وبدلته ببول البقرة، وعندما سئل عن هذا التصرف المتخلف والمتناقض مع الأفكار الدينية والعصرية لسفير الامبراطورية، التي لا تغيب عنها الشمس، قال بما معناه "علينا ترسيخ الأفكار الدينية المتخلفة عند من نحكمهم؛ ليسهل علينا السيطرة عليهم وجعلهم يتمسكون بما يعتقدون أنه صحيح"

ويستنتج "جميل السلحوت" في الاستخدام/التمسك الشكلي بالدّين فيقول: " لو اجتمعت كافة قوى الكفر في العالم لمحاربة الإسلام، لما نجحت في ذلك كما نجح التمأسلمون الجدد من دواعش والقوى التكفيرية ألأخرى" ص 64، وهذ واقع لا يمكن لأي عاقل أن يتجاهله.

فالكتاب مهمّ جدا حيث تم صياغته بشكل سهل وسلس بعيد عن الخوض في الأفكار المركبة، بحيث يمكن لأي قارئ أن يستوعب ما جاء فيه، ما يريده الكاتب، وهذا يحسب للكتاب والطريقة السهلة والبسيطة التي جاء فيها. فهو يتناول العديد من السلوكيات التي تعتبر عادية، لكنها في حقيقة الأمر غير عادية، وهي تمثل حالة غير سوية في المجتمع، مثل التعامل مع حالة الموت "الشهيد" وكيف نكتب بشكل غير منطقي "نتقبل التهاني باستشهاد الشهيد كذا" ويتناول أيضا ردّة فعل الأمّ التي عليها أن تزغرد فرحا، مبينا أن الموت لا يوجد فيه تهنئة، وأن الأمّ الأقرب على أبنائها من المفترض أن تبكي وتبدي الحزن، لا أن تظهر الفرح وكأنها في عرس، فمثل هذا السلوك مشوه، ويزيد التشويهات الفكرية والاجتماعية في المجتمع.

لكن هناك هفوات وقع فيها "جميل السلحوت" عندما تحدث عن القومية مستندا على العناصر التي وضعها "ستالين" في تحديد القومية، والذي اعتبر اللغة عنصرا أساسيّا في تشكيل الأمم، لهذا نجد "الكاتب يقع في هذا الخطأ عندما اعتبر الأكراد والشيشان والأمازيغ أمم، وهذا خطأ ناتج عن عدم معرفة شروط تكوين الأمم، فهناك العديد من الأمم تتكلم بلغات عديدة، وتعتنق أفكارا دينية متباينة ومتعددة كما هو الحال في الهند، وهي أمّة كاملة ومنسجمة ومتجانسة، بينما نجد المملكة المتحدة تتكلم بلغة واحدة لكنها تتشكل من ثلاث أمم/ انجلترا، اسكوتلندا، إيرلندا، وإذا ما نظرنا إلى لغة الولايات المتحدة الامريكية وكندا، فهي يمكننا أن نعتبرهما أمّة إنجليزية أم غير ذلك؟، أعتقد بأن تشكيل الأمم لا يخضع للغة بقدر خضوعه للعلاقة الاجتماعية والاقتصادية التي يشكلها المجتمع/الأمة فيما بينها من جهة، وما يتركوه من أثر على الجغرافيا/الأرض، على مر الزمن، من جهة أخرى.

ونجد الكاتب يتجاهل طبيعة الحرب الأهلية ومنبعها، فعندما تحدّث عن الحرب الأهلية في لبنان والعراق وسورية واليمن، تجاهل جذور الحرب الطائفية/الأهلية "سنّيّ شيعيّ" التي حدثت بين "علي ومعاوية"، والتي ما زالت مستمرة منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة دون أن تنتهي، وهذا يعود إلى الفكر الديني الذي يستخدم الآية القرآنية في غير موضعها والتي جاء فيها: "تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ " كهروب من البحث في جذور المشكلة والبحث عن حلول تريحنا من هذه الحرب التي ما زلنا ندفع ثمنا ونشارك فيها.

ونجد الكاتب يتجاهل دور "عبد الرحمن الكواكبي" عندما تحدث عن أثر التجديد في الفكر الديني وتجاوز التقليد، وهناك خطأ وقع فيه الكاتب عندما سمى "الحزب القومي السوري الاجتماعي" والصحيح "الحزب السوري القومي الاجتماعي"

وكتب محمّد صبيح:

كتاب متميّز ولافت شكلا ومضمونا. فقد أطلّ الكاتب في بانورامية غير مسبوقة على جلّ مناحي الحياة الاجتماعية والدينية والاقتصادية والسياسية، للمجتعات العربية بشكل عام وللمجتمع الفلسطيني بشكل خاص.

وكان واضحا بشكل جليّ أن السلحوت بذل جهدا كبيرا في تقديم هذه المادّة من خلال خبرته وثقافته الواسعتين، إضافة إلى تنقيبه وبحثه في أمّهات الكتب، واستخدامه عشرات المراجع؛ لتعزيز نصّه وطرحه الجريء لعشرات الظواهر الاجتماعية المتكلسة، والتى يتعامل معها البعض وكأنها مقدّسة لا يجوز الخوض فيها، مع تأكيده أن لا مقدّس في ثقافتنا غير القرآن الكريم والسّنّة النبويّة الشّريفة، ونجح السلحوت بأسلوبه السهل الممتنع في طرح تلك القضايا الموجودة أصلا في ثنايا حياتنا الاجتماعية والسياسية، وغيرها من مناحي الحياة، واقترب منها ولامسها وتعمق في جوهرها، وفنّدها وعلّل سببها ومسبباتها بالدّليل القاطع والبرهان السّاطع.

ولعل الكاتب كان يهدف إلى اطلاق صيحة غضب وتحذير لكلّ من يهمه الأمر، بأنّه قد آن الأوان للبدء في اعادة تفكيرنا بأمور تسيطر على حياتنا، وهي بالأساس أمور خاطئة ومعيبة وسبب رئيس في تخلفنا وهزائمنا.

الحامل والمحمول

عادة ما يسأل الناس التى تصطدم بحالات الهبل المجتمعي هو أين يسكن الهبل؟ ويكون الجواب: يسكن في رؤوس البشر. وهذه إجابة تخفّف من وطأة الخيبات.

الحامل للهبل هو انسان، والمحمول وأقصد الهبل هو غالبا ما يكون مكتسبا من المحيط كنتاج لتراكمات ومفاهيم وعادات موروثة أبا عن جدّ.

وهنا لم يغفل الكاتب هذا الجانب ولم يكتفِ بذكره فقط، بل طالب بشكل واضح إلى التسريع في التخلص من هذا الموروث كيفما اتفق.

عنزة ولو طارت؟

ويقدّم السلحوت في كتابه هذا عشرات الأمثلة على تصرّفات خاطئة وسائدة ويبيّن عدم جدواها وتفنيدها، إلا أن جمهور هذه الثقافة لا يرعوون، ويصرّون أن هذا جزء من عقيدتهم .
عودة على بدء.

مرّة أخرى نحن أمام كاتب مثقّف وجريء، طرح في كتابه هذا الكثير من "ثقافة الهبل" السّائدة في مجتمعاتنا العربيّة، وعالجها بمنطق ودراية، ليبيّن بطلانها ونتائجها الكارثيّة، وهو بهذا يعلّق الجرس في ساحات الوطن الكبير والوطن الصغير. فهل يقوم أولو الأمر منا بقرعه والبدء في إعادة تأهيل لقناعات ومفاهيم بالية، كانت وما زالت السبب في تخلفنا وجهلنا وهزيمتنا، وذلك من خلال المناهج الدّراسيّة ووسائل الاعلام، أم أنّنا استطيبنا المسير في صحاري التّيه؟
يبقى أن نقول بأنّ كتاب "ثقافة الهبل وتقديس الجهل" كتاب غير مسبوق، ولتحقيق الفائدة المرجوّة منه، فإنّني أقترح على مؤسساتنا الثّقافيّة تبنّي هذا الكتاب، وعقد ندوات حوله لتعمّ الفائدة.

وواصل الأستاذ صبيح كتابة رأيه في مقالة ثانية فكتب:

في المقالة السّابقة لم أتطرق إلى الجانب الفلسفي الذى ورد بين السّطور بالتلميح تارة والتّصريح تارة أخرى، وربما لا اختلاف بين معشر النقاد والمثقفين على التّكثيف في تقديم المعلومات واسقاطها الموضوعي لمختلف جوانب الحياة للمجتمع العربيّ عامّة والفلسطينيّ خاصّة. وفي قراءة ثانية متأنية للكتاب وجدت أنّ هناك مفاهيم تسيطر على عقولنا ودأبنا التّعامل معها كمسلّمات بديهية لا نقاش فيها.

يقول السلحوت أنّ هذا الواقع ليس وليد السّاعة بل هو تراكمات من السّلبيّات التى توارثناها عبر العصور، ويستشهد السلحوت بابن خلدون عن هذا الواقع الذى لم يتغيّر على مرّ العصور، وهنا تستوقفني العلاقة ما بين فلسفة ابن خلدون عن هذا الواقع، وما رصده الكاتب عن نفس الواقع دون أن يستنبط أيّ نظريّة أو ما شابه، ولكن إذا ما أمعنا النّظر في مجمل ظواهر الهبل والجهل التى مرّ عليها الكاتب، أرى أنّه أراد أن يقول دون أن يقول أن منسوب الهبل والجهل الذى يستوطن عقول البعض...والبعض هنا نسبة لا يستهان بها من شرائح المجتمع كافّة، هو نتاج لخطة ممنهجة تمّ العمل عليها في أروقة ومطابخ الأعداء على اختلاف مشاربهم، وعملوا على ترويج كثير من المفاهيم والعادات بطرق سلسة لتصبح جزءا من ثقافتنا وواقعنا الذى نحياه.

وما لم يذكره الكاتب بشكل صريح بل أشار إليه بالتّلميح أنّ أجهزة مخابرات الأعداء وبالتّعاون مع علماء علم الاجتماع، وظفوا برامج عديدة للتّغلغل في مكونات مجتمعنا ونسيجه، وأكثر من ذلك قاموا بتوظيف علماء دين اشتغلوا بحرفية على اشهارهم وتبواهم مراكز دينيه حسّاسه، ليستثمروهم فيما بعد لخدمة أهدافهم وسياساتهم وكذلك رؤساء وقادة كبار ينسحب عليهم هذا الفهم.

وليس سرّا عندما نذكر أنه إبّان حرب الخليج كان الهدف تدمير العراق أوّلا وانهاك كلّ الدّول العربيّة، واجبارها على المشاركة في هذه الحرب القذرة، وقد كانت الخطة نفخ قدرة العراق وابرازها كقوة عالمية قادرة على مواجهة العالم، حيث وجّهوا رجال دين ليصرحوا أنّ تحرير فلسطين سيأتي من الشّرق على يد شخص اسمه صادم....وكثير من مثل هذه الحكايات المدروسة، إضافة إلى توظيف مراكز دراسات ووسائل إعلامية ليؤكدّوا أنّ الجيش العراقي رابع أقوى جيش في العالم والتّرويج لأسلحة الدّمار الشّامل و.....إلخ

لدرجة أنّ بغداد كانت تحترق ونحن نصفّق لنصر منتظر حتى رأينا الدّبابات الأمريكية وسط بغداد.
وعودة على بدء فالهبل والجهل الذى أراد الكاتب أن ينبه منه ويحذر من مخاطره لا يمكن أن نتخلص منه بالتمنى والدعاء والابتهال.

بل علينا أن نعمل للخلاص منه، نبدأ بالعمل الجاد والممنهج وإعادة النّظر في كثير من المسلّمات التى أوصلتنا إلى هذا الواقع المزري كما أسلف الكاتب.

إنّ الجانب الفلسفيّ في كتاب ثقافة الهبل وتقديس الجهل أعمق بكثير ممّا هو موجود في النّص المكتوب الذى لا يختلف عليه أحد. وللحديث تكملة.

وكتبت رندة شرف:

وقفات مع كتاب "ثقافة الهبل وتقديس الجهل

يشكّل هذا الكتاب قنبلة الموسم الثّقافيّة لما يحمله من جرأة في نقد ثقافة الهزيمة السّائدة، ومعالجة القضايا بالعلم والمنطق.

يستهل الكاتب كتابة بتعريف معجمي لكلمة الثقافة، وأطال في هذا لفصل، وعرّف الثقافة الشعبية بأنّها كل أشكال التعبيرية المنطوقة التي تختزنها الذاكرة الشعبية.

يأتي لتعريف الهبل: استهبل فلان فلانا أي اعتبره أحمق غافلا

يتدرّج إلى منابع الثقافة، ولابد هنا من قراءة الكتاب؛ لأن المؤلف وثّق كلامة بالاحصائيّات والأرقام.

وان جهلنا هو سبب كل المصائب. وفي الحديث عن القومية يقدم تعريفا معجميا لمفهوم القومية، ويقف عند سؤال مهم هو: هل هناك تناقض بين القومية والدين؟ والجواب في فصل القومية والدولة الاسلامية فيقول: علينا أن نعي أن بناء الامبراطورية الاسلامية التي تجمع كل الشّعوب الاسلاميّة هوخيال أكثر منه واقعا، لسبب بسيط هو أنّ الدّولة الدّينيّة لا تعترف بالقوميّات.

تحدّث عن ثقافة الهبل في التّعامل مع نصف المجتمع، وفي هذا المجال حدث بلا حرج عن أنواع ثقافات الهبل المتعددة بيننا، والمستشرية بجسد المجتمع، ثقافة الطائفيّة الدّينيّة "مسلم ومسيحي" التي كانت سببا في حرب أهلية ضروس في لبنان استمرت 12 سنة، اكتوى بنارها الشعب الفلسطيني بمجزرتي صبرا وشاتيلا، قاد هذه المجازر سمير جعجع وإيلي حبيقة بمباركة من بشير الجميل، الذي راح ضحيتها. أيضا تحدّث عن عدة ظواهر انتشر ت في المجتمع بسبب الجهل والانصياع كالقطيع بدون تفكير.

تحدّث عن مؤسساتنا الثقافية بين الوهم والحقيقة، والمبالغ التي تصرف في هذا المجال، والدّول المموّلة التي تسيّر هذه المؤسسات حسب رغبتها، ومؤسّساتنا مسلوبة الارادة تنفد التعليمات التي ترد لها من الخارج بما يناسب المموّل، ولا يخدم مصالح الشعب، والأموال التي تراق ليس في قنواتها الضرورية بل تذهب إلى جيوب من هم ليسوا بحاجة لها، إنّهم يسرقون الطعام من فم الجائعين، وتحدث عن باقي الثقافات مثل: ثقافات الهبل، ثقافة القبيلة، ثقافة التكفير والتخوين، ثقافة تدمير الذّات ثقافة الاشاعات أو ممارسات خاطئة في الأفراح والأتراح،ثقافة المباهاة، القتل والثأر، ثقافة الهبل والكسل، ثقافة الهجرة من الريف إلى المدن، كلها عناوين جانبية لأمراض متعدّدة موجودة بيننا، يتحدث بالتفصيل عن كلّ واحدة منها.
تلخيص سريع في عجالة لبعض من ثقافات الهبل لا تغني عن قراءة الكتاب قراءة فاحصة متمعنّة. احتوى الكتاب على احصائيات وتحليل واستعانة بعدة مراجع، جهد كبير أخذ من الكاتب وقتا وجهدا، أرجو أن نستفيد من هذا المنجز الذي يعتبر بمثابة قرع لجدران الخزّان، والتنبيه من الغفلة، فإذا ما أردنا تغيير الواقع المرير فإنّه يجب أن نستفيد من أخطاء الأمس. يجب أن نحارب الجهل عدوّنا الأوّل.

محاولة بسيطة منّي لتقديم عمل كبير أرجو المعذرة لو قصرت، لكن هذه الاطلالة الصغيرة لم تعط الكتاب حقه، ولن تغني عن قراءته. أرجو أن تكون حافزا لقراءته.

وكتبت رائدة أبو الصوي:

كتاب توعوي تثقيفي تنويري .ما أحوجنا في هذه المرحلة من تاريخنا لمثل هذه النوعية من الكتب التي تكشف الستار عن واقع مظلم .خبرة وثقافة واطلاع على الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية .مخزون ثري بالاطلاع والمطالعة بالقراءة والانتقاء، هذا المخزون وضعه الكاتب المقدسي جميل السلحوت بين دفتي كتاب ثقافة الهبل وتقديس الجهل.

الكتاب هام للجميع، جميع شرائح الشعب بلا استثناء ،الشباب والشيوخ، الرجال والنساء، المتدينين والعلمانيين، الكتاب يستفز العقول السليمة ويثيرها،يوقظ فيها الحس القومي.

الكتاب يدعو الى تجفيف المستنقعات الفكرية الراكدة الآسنة، الكتاب يدعو إلى
ثورة علمية تشمل مراحل التعليم جميعها.

ثورة ثقافية تقضي على العادات والتقاليد البالية وتقديس الجهل، الذي يروج له مثقفون ورجال دين وسياسيون باعوا أنفسهم للشيطان.

تحدث الكاتب في الكتاب عن الهبل ومفهوم الهبل وقال: الهبل هو فقدان العقل والتمييز.
تحدث في الكتاب عن مكونات الثقافة ومن أبرزها :الأفكار، العادات والتقاليد،اللغة، القانون،
الأعراف.

وتحدث عن منابع الثقافة العربية ومنها:

الثابت من العقيدة الأسلامية التي مصدرها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

- التزاوج بين ثقافات الشعوب الأخرى كالأغريقية والفارسية والبابلية والهندية والفرعونية، ومعروف أن التزاوج الثقافي يثري أيّ ثقافة، ومن نماذج تزاوج الثقافات الولايات المتحدة الأمريكية.

تحدث الكاتب عن عظمة الدولة الاسلامية قديما، وعزّز هذه الفكرة .
بقول الرسول صل الله عليه وسلم (لا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى) و"لا إكراه في الدين"

سؤال في منتهى الأهمية سأله الكاتب صفحة 17

هل انتبه العرب والمسلمون أنهم لم ينتجوا ثقافة بعد ابن خلدون 1332 ----1406

باستثناء المفكر ادوارد سعيد 1935-2003 الذي أمضى حياته في أمريكا.

ومن أشكال الاستهبال التي طرحها الكاتب: الاستهبال الطائفي، الاستهبال القومي،
ثقافة الهبل في التعامل مع نصف المجتمع،ثقافة الطائفية الدينية "مسلم مسيحي"،
الدعاء في الخطابات الدينية، فضائيات الهبل العربي، هبل الفيسبوك، الهبل والاستهبال باسم الدين، الاستهبال والاستغلال الجنس، الاستهبال وتعطيل العقل والاستهبال الديني والحروب.

وكتبت سعاد شواهنة:

حمل العام 2017 منذ مطلعه أزوف نهايات عدد من دكتاتوريات الحكم الديني السياسي التعسفي، التي بدأت في الوطن العربي منذ قرابة القرنين من الزمن، ورغم أن هذه النهايات لا زالت عاجزة عن تسجيل حضور قوي لها، واثبات ذاتها في ظل حالة التغير والتهتك المستشرية في المجتمع العربي، إلا أن الوقت بات سانحا لأقلام الأدباء والكتاب والمفكرين والباحثين لكتابة وتسجيل رأيهم دون أن يخشوا على أنفسهم هول وعواصف التيارات المتشددة، هكذا جاء كتاب "ثقافة الهبل وتقديس الجهل" على هذا النحو المباشر من الوضوح،بما يحمله العنوان من السخرية السوداء المؤلمة.

"ثقافة الهبل وتقديس الجهل" هو كتاب فكري مرحلي سياسي، ذاتي ثقافي قومي فلسطيني عربي، صادر في طبعته الأولى عن مكتبة كل شيء / حيفا للعام 2017، بلوحة غلاف مباشرة تحمل روح العنوان و أثره في ذات الفرد، إذ كانت اللوحة بعنوان " بقايا عربي" للفنان جمال بدوان، وقد وقع الكتاب في 184 صفحة من القطع المتوسط، وتقديم الأستاذ خضر محجر لصفحاته قبل الولوج لموضوع الكتاب بمدخل استهل به الكاتب حديثه.

نحت العنوان:

إن فكرة الكتابة حول الإسلام السياسي والمجموعات السلفية الأصولية التي قادت عددا من البلاد العربية إلى التغيير بشكل جذري مخيف موضوع شائك، ويظل النص فيه مرتبكا وعرضة للالتباس في واقع متغير متجدد، إذ لا يمكنك أن تتكهن بين إغفائتين عن قادم قد يحصل تحت ظل نافذتك. هكذا يغامر جميل السلحوت في نحت عنوان "ثقافة الهبل وتقديس الجهل" جاهدا في وصف حالة الفوضى العربية السائدة التي لا زالت تراوح ذاتها، ومفتشا في سفر التاريخ عن جذور ومرجعيات تفسر الإرباك والفوضى الحالية. "جاء هذا واضحا في حديثه عن حركة الإخوان المسلمين في مصر خلال حكم جمال عبد الناصر، والعشرية السوداء في الجزائر 1992-2002، فشل مشروع الوحدة العربي مصر – سوريا 1958،أزمة العراق – الكويت والمواقف العربية آن ذاك."

تتوافق خطوات السلحوت والإستراتيجية التي استخدمها في بعض الزوايا مع كتاب "حيونة الإنسان" للكاتب السوري ممدوح عدوان ،الصادر بعد وفاته عام 2007،حيث ناقش عدوان استشراء الرغبة الاستعمارية لدى الدول الغربية وانتهاجها سياسة التطهير العرقي الإثني في جنوب أفريقيا، أمريكا، الهنود الحمر، وغيرها من الشعوب، حيث عملت القوى الاستعمارية على تحييد وقتل وإقصاء الآخر" المواطنين الأصليين" لإثبات وجودها وفرض هيمنتها، حيث أبادت مجموعات وثقافات، وقتلت عادات وتقاليد من أجل فرض السيطرة السياسية والاقتصادية، وتحقيق الهيمنة الاقتصادية من خلال السيطرة والإحلال الثقافي والفكري . عدوان نحت مصطلح الحيونة كما نحت السلحوت مصطلح ثقافة الهبل.

شرق أوسط جديد:

وإن ما يحدث اليوم لا يختلف كثيرا عما تحدث به عدوان، وإن اختلفت أدواته حيث تسيطر الدول الغربية - بدعم حلفائها في الوطن العربي - بوسائل أكثر جدوى من خلال مواطني هذه الدول المسيطر عليها من المتزمتين و المتشددين والمنضوين تحت إطارات سلفية وهابية متشددة، حيث أطبقت الدول الغربية الخناق على الشرق الأوسط بأيدي أبنائه الذين تشددوا فكّروا، وقتلوا، واستباحوا، ودموا، هدموا حضارات شعوبهم و ثقافات ومستقبل أرضهم، ليكون اقتصاد البلاد ومقدراته الثمينة رهينة بأيدي الدول الغربية. "يذكر الكاتب تدمير جماعات مثل القاعدة لآثار عديدة مثل تمثال بوذا، وتدمير داعش لمدينة تدمر وعدد من الأماكن الأثرية التاريخية، ويقارن هذا بما فعله التتار في العراق ومكتباتها."

بلادي قاب قوسين أو أدني من الخطر:

يدقّ السلحوت نذير خطر إذ يعنون كتابه ب " ثقافة" وهي نمط وأسلوب الحياة السائد في مجتمع ما، ويصف الحالة الرّاهنة بالهبل، وكأنّه يقرع بذلك جدران الخزّان في كلّ قارئ ومتتبّع للأحوال الرّاهنة، قائلا أن استمرار حالة الخضوع والصّمت حيال الخطاب الدّيني المستحدث السائد من شأنه أن يخلق مجتمعات تتبع هذا النّهج كثقافة غير واعية، أقل ما توصف به "الهبل" إذ لا مرجعية حقيقية لها.

يظلّ الكاتب الفلسطيني محموما بالهمّ الفلسطيني، قلقا عمّا قد تحمله التغيرات المحيطة للبلاد، إذ يفرد الكاتب الجزء الأخير من كتابه ليعرض صورا واضحة من التغيرات في المجتمع الفلسطيني وثقافته الأصيلة، تبعا للتغيرات المحيطة والمؤثرة وارتفاع الخطاب الديني التكفيري، وقد عرض الكاتب ذلك من خلال ملاحظاته الشخصية المباشرة، ومن خلال تجربته الذاتية في عدد من المواقع الثقافية والعلمية، إضافة إلى مشاهدات مجتمعية يلاحظها بشكل يومي، وربما تكون الكتابة عنها في وقت مبكر أمرا جيدا حتى لا يستشري الأمر في المجتمع، ويصبح ظاهرة يصعب الحد منها.

البحث العلمي والذّاتية:

راوح الكاتب بين مسلكين في كتابه إذ راعى في المراحل الأولى المنهج العلمي، فشرح وفصل بعض المفردات وردها إلى جذورها اللغوية وفصلها تفصيلا، كما بوّب وعدّد عددا من السّمات والخصال المتصلة بهذه المفردات كالثقافة والقومية، وعرف بعض المفردات كالثقافة والقومية، كما أشار معرّفا بعدد من الأصول والعرقيات والإثنيات والطوائف، واعتمد في مراحل أخرى من كتابه على ذكر عدد من الإحصائيات الدقيقة تارة لعدد القراء ونسبة القراءة في المجتمع، وتارة أخرى لقياس نسبة التدمير والخراب وعدد القتلى والجرحى واللاجئين، وقياس نسبة التدمير الملموس ماديا على الأرض.

وفي أبواب أخرى من الكتاب فضل الكاتب أن يكون ذاتيا وربما قاصّا وروائيا في سرده بعض الأحداث التاريخية، والوقائع والحوارات والقصص الشعبية والحكايات المحلية، وقد جاء سرد الكاتب ذاتيا خلال حديثه عن الانقلابات العربية المتتالية، وسقوط أنظمة الحكم العربي وتغيرها، إذ يمكن للقارئ التكهن ومعرفة توجه الكاتب ورأيه بما يحدث حاليا، وبما حدث تاريخيا وصولا إلى التغيرات الأخيرة في تونس، مصر، العراق، اليمن، البحرين، ليبيا، سوريا) ويمكن تفسير الذاتية ردها إلى حداثة الموضوع الذي يتمّ تناوله، إذ لم تمض عشر سنوات على التغيّرات الحالية بداية من ثورة الياسمين في تونس 2011 حتى اليوم.

آليات عرض شائكة:

قدم الكاتب موضوعا شائكا حديثا، واستجمع أفكارا بين دفتي كتاب سيطر العنوان فيه على الكاتب، فكرّر استخدامه مرارا في عناوينه الجزئية - رغم أن عددها كان قليلا قياسا بحجم الكتاب- وساعدت المراوحة بين الذاتية وأسلوب البحث العلمي على ذلك، وكنت أجد أن الكتاب يمكن أن يكون أكثر سلاسة في العرض لو قسم كتابه إلى فصول عدة، وحمل كل فصل منها عنوانا ما، وناقش التراكمات السياسية في كل دولة عربية بشكل منفصل، وردّها إلى جذورها التاريخية، حيث أنني أرى أن هذا الأسلوب سيسمح أكثر للكاتب في تسليط الضوء على بعض المفردات والمسميات والأحداث، التي مر الكاتب عنها مرورا سريعا، ولم يشرحها، ولم يشر إليها في هوامش الكتاب، مثل انقلاب حماس، العشرية السوداء،القاعدة، حرب أمريكا على أفغانستان،أسماء بعض القادة السياسيين والعسكريين والجماعات الإسلامية،إضافة إلى الإعلاميين والبرامج التلفزيونية. كما أجد أن إضافة فهارس للأعلام والأماكن والمحتويات يمكن أن يكون إضافة جزلة لهذا النوع من الكتب الفكرية.

ملاحظة تقنية:

خلال الطباعة هناك بعض الأخطاء البسيطة مثل اتصال كلمتين معا بين صفحة 25،26، 27.

وكتب فراس حج محمد:

وقفة مع كتاب "ثقافة الهبل وتقديس الجهل"*

جرأة في المناقشة وخلخلة المستقر

ما بين "ثقافة الهبل وتقديس الجهل" علاقة أرادها الكاتب جميل السّلحوت أن تكون واضحة صادمة، ومستفزّة، فقد كشف الأسلاك المعطوبة وأبان عوارات العقل قبل عورات الجسد المتهالك، هنا يكون للكتابة معنى التّحدّي ومعنى الاشتباك ومعنى الاختلاف والمعنى المفتوح على سؤال "لماذا يحدث كلّ ما يحدث"؟

يفتح هذا الكتاب شهية الأسئلة التي قد تبدو معضلات في عالم الفكر والثقافة والسياسية، وتقترب وتتماس مع حقول فلسفية متنوعة، فهناك سؤال النهضة، وسؤال العلم، وسؤال الدين والتدين، وسؤال العقل، وسؤال الثقافة وجدوى دور المثقفين وسؤال الإعلام والسياسة والحياة المعاصرة وصولا لسؤال الوجود برمته عبر سؤال التغيير، وكيفية الخروج من هذا المأزق السوداوي الذي وُضِعنا أو وضعنا أنفسنا فيه.

بنى الكاتب بعض مقولاته وخاصّة السّيوثقافيّة على مقولة ابن خلدون في وصفه العرب بصفة الوحشيّة والبعد عن الحضارة والتّحضّر والمدنيّة، فلم ير ابن خلدون في العرب سوى "أمّة وحشيّة أهل نهب وعبث وإذا تغلّبوا على أوطان أسرع إليها الخراب". واستعار الكاتب مقولات ابن خلدون في مواضع متعدّدة من الكتاب، مؤسّسا مقولاته ووجهة نظره على تلك المقولات مسوّغا ذلك بقوله في المدخل "ومن يقرأ مقدّمة ابن خلدون مؤسّس علم الاجتماع، سيجد أنّ ما كتبه عن حال العربان قبل 800 عام، ينطبق على عربان القرن الحادي والعشرين"/ ص 9.
وأوّل تلك المقولات ما ورد في الكتاب ص17، واصفا الأعراف والقيم والعقلية بأنها "وحشية عقلية الصحراء"، ثم عاد وأشار إلى ذلك ص 73، مبينا أن "الهبل والاستهبال باسم الدين" سببه "ثقافة القبيلة الصحراوية الوحشية"، ثم ما يلبث إلى العودة والتذكير بابن خلدون وبمقدمته ص 89-90، فاستهبال الشعوب دينيا "حذر منه المفكر الإسلامي ابن خلدون في المقدمة".

لقد تمدّدت وجهة نظر ابن خلدون في الكتاب كله، بحيث يجد القارئ أن كل ما ورد من مظاهر الهبل والاستهبال وتقديس الجهل يعود إلى تلك العقلية التي وصفها ابن خلدون، وعلى الرغم ممّا قيل أو يقال عن وجهة نظر ابن خلدون واتهامه في تحيزه ضد العرب كأمة، فابن خلدون، وإن وصف أنه مؤسس علم الاجتماع والعمران إلا أن مقولاته تلك في حق العرب لم تكن موضع تسليم، وتم مناقشتها والرد عليها، وتسليم الكاتب السلحوت فيها يضع علامة سؤال كبيرة، عدا أنه بنى كتابه في المجمل على هذه المقولة.

وتتجلى مقولة ابن خلدون في الكتاب عند مناقشة دور ما أطلق عليه السلحوت "الإسلاميون الجدد"، وقد وظف هذا المصطلح في كثير من مظاهر الهبل الديني عند إمام الجامع الأمّيّ، وعند الأحزاب الإسلامية في فلسطين وبعض الدول العربية (داعش، وجبهة النصرة، والجبهة الإسلامية للإنقاذ، والإخوان المسلمون) وفلسطينيا حماس، وحزب التحرير وجماعة الدعوة، مستبعدا أحزابا إسلامية أخرى في فلسطين مثلا كالجهاد الإسلامي، هذه الجماعة المعروفة مثلا بولائها لإيران على سبيل المثال، ولم يتعرض كذلك للحركات الصوفية وما لبعضها من تأثير على أتباعها، يصل أحيانا إلى حد الهبل وتقديس الجهل.

وفي الجانب الثقافي، ناقش الكتاب كثيرا من أمراض الثقافة من تهميش لدور المثقفين ولبعض المؤسسات الثقافية، وتدجين بعض المثقفين وكذلك سيطرة "المنظمات غير الحكومية" على بعض تلك المؤسسات عن طريق الدعم "المشبوه" والموجهة لخدمة التطبيع مع دولة الاحتلال (إسرائيل)، وتفشي الأمية بين خريجي الجامعات الفلسطينية، مركزا الكاتب على أهمية دور المثقف في التغيير، ومسؤوليته الأخلاقية والإنسانية في محاربة الهبل ومظاهره.

بين السلحوت ومالك بن نبي وعلي شريعتي:

لم يكن ابن خلدون هو الحاضر الوحيد في هذا الكتاب، بل إن الدارس ليجد تلاقيا فكريا مع طروحات كثيرة ومتعددة منذ بدايات عصر النهضة العربية، فلا بد وأنت تقرأ في الكتاب من أن تستحضر ما كتبه شكيب أرسلان وطرحه سؤال: "لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم"؟ ومقولات الجامعة الإسلامية أو العربية التي شغل بها جمال الدين الأفغاني، ومقولات علي عبد الرازق في نظام الخلافة الإسلامية.

وحضر أيضا المفكر الجزائري مالك بن نبي وتحديدا في كتابيه "شروط النهضة" و"مشكلة الثقافة"، حيث وردت في الكتابين الأفكار ذاتها التي يتبناها السلحوت في كتابه، وخاصة فيما يتعلق بانتهاء الحضارة العربية ووقوفها عند "ابن خلدون" بوصفه يمثل أقصى درجات مرحلة "العقل" في الحضارة قبل أن تتردى إلى الغريزية، وتسليم بن نبي بأن هناك ثلاثة فلاسفة ساهموا في بناء الحضارة العربية واتصالها مع الغرب، وهم الفارابي وابن رشد، وآخرهم ابن خلدون، وبعد ابن خلدون لا إضافة جديدة على الحضارة العربية والفكر العربي، يقول ابن نبي: "إن المجتمع الإسلامي في عصر الفارابي كان يخلق أفكارا، وأنه كان على عهد ابن رشد يبلغها إلى أوروبا، وأنه بعد ابن خلدون لم يعد قادرا لا على الخلق ولا على التبليغ" "مشكلة الثقافة، ص49-50."

عدا ذلك فإن هناك حضورا بصورة أو بأخرى لأفكار المفكر الإيراني د. علي شريعتي في كتابه "النباهة والاستحمار"، وخاصة فيما يتعلق بالشأن الديني والشأن الثقافي؛ فما أسماه السلحوت "ثقافة الهبل وتقديس الجهل"تجده عند "شريعتي" بمصطلح الاستحمار، فهناك الاستحمار باسم الدين واستحمار باسم الثقافة أيضا.

تناقضات في المسألتين السياسية والثقافية:

لا شك في أنّ الكتاب يثير مجموعة من الأسئلة التي لا بد من التوقف عندها ومساءلة الفرد لذاته في كل موقع، ولكنه أيضا يظهر في باب آخر تناقضات الكاتب في بعض طروحاته في مسائل متعددة، منها:

- الامتناع عن مناقشة الحالة السياسية الفلسطينية عدا ما أشار إليه من الانقسام السياسي الذي حدث عام 2007.

- الامتناع عن مناقشة دور الأحزاب السياسية غير الإسلامية العلمانية والشيوعية أو ذات التوجه الماركسي، حيث اكتفت بالصمت أو المعارضة الخجولة غير الفاعلة، كان لها بالغ الأثر في الحالة السياسية الفلسطينية المعاصرة، بحيث لم تشكل هذه الأحزاب نقيضا أو معارضة حقيقية تمنح النظام الفلسطيني قوة ما داخليا وخارجيا، وخاصة فيما يتعلق بالمفاوضات مع إسرائيل، إذ ترك المفاوض وحيدا مجردا من كل ما يدعم موقفه، فكانت النتيجة تدني المنجز وقلق الحالة السياسية وانفتاحها على المجهول.

- تناقض مقولات الكتاب فيما يتعلق بالوحدة على أساس قومي مستبعدا الوحدة على أساس ديني، وعلى الرغم من استشهاده بابن خلدون في مقولته ص 76 "أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم على الجملة"، يعود ويفصل في أحوال العرب واختلافهم العرقي واللغوي، والديني كذلك والمذهبي والطائفي، ومع كل ذلك يرى إمكانية الوحدة على أساس قومي مع أن العرب في حقيقتهم (البلاد العربية) ذوو قوميات شتى، ويضرب أمثلة على الدول الموحدة والقوية بأمريكا والصين واليابان والهند، يقول ص 41: "في الهند والصين واليابان مثلا مئات القوميات واللغات ومئات الديانات وهم يعيشون في وئام وتآخ"، فالعبرة ليس بهذا التنوع من وجهة نظري، ولكنها بالنظام الذي يطبق عليها، وقد عاشت الأمة الإسلامية حقبة طويلة تحت النظام الإسلامي بشعوبها المتعددة وقومياتها وحتى دياناتها المختلفة ومذاهبها بوئام وتآخ أيضا.

- الحالة الثقافية أيضا، فيها العديد من التناقضات، ففي حين يسوق الأمثلة على نسبة القراءة واقتناء الكتب وحصة الفرد العربي من القراءة سنويا ومقارنة ذلك بالفرد الغربي، (مراجعة ص 18)، يعود في ص 113 ليشكك في إحصائيات اليونسكو قائلا: "ولديّ ما يثبت عدم دقة إحصائية اليونسكو، وليس عدم مصداقيتها، فاليونسكو تعتمد في إحصائياتها تلك على الكتب المطبوعة والصادرة عن دور نشر في دول فيها مكتبات وطنية، تعطي رقم إيداع لكل كتاب يصدر، ونحن في فلسطين لا مكتبة وطنية عندنا، وبالتالي فإن اليونسكو وغيرها من المنظمات الدولية لا تعرف شيئا عن الكتب التي تصدر عندنا، ولا حتى عن الكتّاب بمن فيهم من صدر لهم عشرات الكتب".

عدا ذلك فإن هناك مؤشرات حقيقية على الاهتمام بالقراءة بنسب معقولة، وما معارض الكتب الدولية التي تقام في الدول العربية والإصرار على تنظيمها كل عام والإقبال عليها وشراء الكتب واقتنائها، ومشاركة دور النشر العربية والأجنبية فيها دليل على رواج الكتاب بين العرب مثقفين وكتابا وقراء عاديين. من جهة ثانية فإن هناك جانبا مهما في رصد هذه الحالة وهو تحول كثير من القراء إلى القراءة الإلكترونية أو التوجه إلى المكتبات العامة، وباعتقادي أن التعميم بهذا الشكل لا يقدم عشر الحقيقة.

وفي تقرير أعدته صحيفة العرب اللندنية فقد كشفت فيه عن اهتمام الشباب العربي بالقراءة موظفين موقع توتير للتفاعل مع الكتب، فقد عنونت الصحيفة تقريرها بـ "رحلة المغردين في عالم الكتاب تكشف أن العرب يقرأون"، وكشف هاشتاغ "كتاب_قرأته_أعجبك" اهتمام الشباب العرب بالقراءة والكتب على اختلاف أنواعها، وأثبت أن المواضيع الجادة والرصينة تحظى باهتمام واسع لدى الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين يبحثون عن المعلومة القيمة. ويعرض التقرير أسماء للكتب التي قرأها هؤلاء الشباب أو روجوا لها عبر حساباتهم.

ومهما يكن من أمر الاختلاف أو الاتفاق مع الكاتب في بعض الجزئيات والمقولات إلا أن كتاب "ثقافة الهبل وتقديس الجهل" كتاب يحمل رؤى صاحبه ووجهة نظره وآرائه الجريئة في قضايا السياسة والدين والثقافة المجتمعية والموروث الشعبي، ولا شك في أنه أيضا إضافة للمكتبة العربية والفلسطينية، التي تفتقر إلى مثل هذه الكتب، وهنا تبرز مقولة المفكر مالك بن نبي حيث يقرر في كتابه شروط النهضة (ترجمة عبد الصبور شاهين وعمر كامل مسقاوي): "ومن سنن الله في خلقه أنه عندما تغرب الفكرة يبزغ الصنم والعكس صحيح أحيانا"/ص 28.

* ورقة مقدمة في أمسية إطلاق الكتاب في متحف محمود درويش بتاريخ 11/9/2017. وصدر الكتاب عن مكتبة كل شيء في حيفا، وقدم له الدّكتور خضر محجز، يقع الكتاب في 180 صفحة من الحجم المتوسّط. وسبق للكاتب أن نشر معظم مقالات الكتاب مسبقا في المواقع والصحف تحت عنوان "بدون مؤاخذة".

وكتبت وفاء بياري:

بداية...أرى أنّ من يقرأ هذا الكتاب النيّر سيجد بين سطوره حقائق تفسيرات عديدة متنوعة، في كل ما يدور في فلك عالمنا العربي من اقتتال ونزاع وتدمير وهزائم متلاحقة في مختلف مجالات الحياة .

والكاتب في كتابه هذا..يسلّط الضوء على الكثير من ظواهر ( ثقافة الهبل و تقديس الجهل ) المنتشرة في عالمنا العربي: والذي تناولها من نواحي عديدة ثقافية وسياسية، تاريخية، اجتماعية، فنّية، دينية، حزبية، فكرية، معرفية وغيرها .. بأسلوب مشوق وبلغة سهلة معتمدا في ذلك على العديد من المصادر الغنية القيّمة مثل: القرآن الكريم، الأحاديث النبويّة، موسوعات ومعاجم عربية، إحصاءات معاصرة، وكتب لكتّاب وفلاسفة ومؤرخين مثل: ابن خلدون، ساطع الحصري، ادوارد سعيد وغيرهم .. هذا بالإضافة إلى تجارب الكاتب ومعرفته الشخصية ...

- ففي بداية صفحات الكتاب بيّن الكاتب العديد من المفاهيم المعتمدة على المصادر والموسوعات والمعاجم العربية مثل: مفهوم الثقافة، معنى الهبل، مفهوم القومية ... إلخ.
- في الصفحات 38 – 40 تحدّث الكاتب عن علاقة الاسلام السياسي بأمريكا ... موضّحا بأنها علاقة ذات مصالح مشتركة وإن اختلفت في منطلقاتها وأهدافها، فالغرب مثلا بقيادة أمريكا كان يرى في الشعوب الإسلامية (الدرع الواقي من خطر الشيوعية) قبل انهيار الاتحاد السوفيتي و مجموعة الدول الاشتراكية 1991.

- سلّط الكاتب الضوء على موضوع (الأقلّيات القومية) المتنوعة في العالم العربي من أكراد، أمازيغ، تركمان، أرمن، شركس وغيرها، موضّحا بأن الأنظمة العربية لم تستغل هذا التنوع العرقي والديني لمصلحة الشعب والوطن، مدّعما ذلك بنماذج عديدة عن التآخي بين القوميات والديانات المختلفة خارج الوطن العربي مثل: الهند، الصين، اليابان، الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها .. في حين أنّ غالبية الشعوب العربية من عرق وديانة واحدة إلا انهم يعيشون في حالة نزاع واقتتال داخلي شبه دائم .. ولا تزال هذه الأقليات في العالم العربي تتعرّض لاعتداءات غير مبررة من الأنظمة القومية ومن أتباع الديانة الإسلامية المتشددة موضّحا أن في ذلك (استهبال للشعوب) .. وعواقبه ستكون وخيمة على الوطن والشعب.

-  تطّرّق الكاتب في كتابه إلى (التفجيرات) التي تعرّضت لها الكنائس في أكثر من دولة عربية على أيدي مسلمين متشددين كمصر، العراق، سوريا، وغيرها .. موضّحا أنّ المسيحيين المواطنين في الدول العربية (هم جزء من النسيج الاجتماعي) ولهم ما لإخوانهم المسلمين .. وأن الدول القومية لم تستطع السيطرة على هذه الفتن الطائفية بل عزّزتها، مؤكدا أن في ذلك "استهبال للشعوب ."
- تحدّث الكاتب عن استهبال الشعوب في الفكر القومي مدعّما ذلك بالعديد من النماذج والأمثلة، فلم يحصل حتى الآن وأن اتّحدت الدول العربية على أساس ديني أو قومي، إلا تلك الوحدة القومية بين مصر وسوريا التي استمرت من 1958-1962 حيث أن حزب البعث العربي الاشتراكي – كما وضّح الكاتب – هو من وقّع على انفصال هذه الوحدة .. وبدلا من الوحدة بين الدول العربية (جرت حروب) . كما أن العديد من الدول العربية وقفت مع دول أجنبية معادية؛ لتدمير وقتل شعوب العراق، سوريا، اليمن، ليبيا وغيرها من خلال تمويل وتسليح وتدريب تلك الجماعات التكفيرية التي تمارس الإرهاب ضد شعوبها، و أن السبب الرئيسي لتراجع العالم العربي هو (الجهل السائد)، حيث دعّم الكاتب ذلك بالعديد من أمثلة من واقع الحياة وإحصائيات حديثة.

- في صفحة 47 – 48 تحدث الكاتب عن ثقافة (الهبل في التعامل مع نصف المجتمع) موضّحا في هذا المجال أن المجتمعات الذكورية والعربية تنكر على المرأة حقوقها التي شرّعها الله لها في الديانات السماوية .. و دعّم الكاتب ذلك بالكثير من الأمثلة و الحكايات والأمثال الشعبية مثل (الأنثى ناقصة عقل و دين) فلا تحصل المرأة هنا حسب هذه المقولة على حقّها في التعليم والميراث واختيار الزوج.

- ومن بين الثقافات التي تطرّق إليها الكاتب (ثقافة القتل) دفاعا عن الشرف، حيث توقع العقوبة هنا على المرأة، و يتم التستّر على الرجال، و أن هذه الثقافة هي (إرث جاهلي) وأن "الدين الإسلامي لم يفرّق بين المرأة والرجل في العقوبة في مجال هذه القضية"

-  في صفحة 59 – 60 تحدث عن الاستهبال في (الخطابات الدينية) في صلاة الجمعة والأعياد، حيث الدّعاء على النصارى واليهود و العلمانيين والحداثيّين، علما بأننا كعرب وكمسلمين لا نعادي الأديان السماوية بل نعادي على سبيل المثال (الصهاينة كونهم حركة كولونيالية استيطانية) وكذلك الأمر للمسيحيين فلا خلاف معهم وإنما مع "القوى الامبريالية الطامعة في خيرات بلادنا "

- كما تحدث الكاتب عن (فضائيات الهبل العربي) والمتخصصة ببث ثقافة الهبل وتكريس الجهل، وما أكثر هذه المواقع التي تتخذ من الدين عباءة لها؛ لخداع واستهبال العامة مدعّما ذلك بالعديد من الأمثلة.

- في الصفحات 69 – 71 تحدث عن قصص (المشعوذين والعرّافين والفتّاحين ومدعي العلم بالغيب) وفهمهم الخاطئ للدين .. والامثلة على ذلك كثيرة كما و ضّحها الكاتب.

- سلّط الكاتب الضوء على (ظوهر الهبل من نوع جديد) غير ظواهر الهبل القديمة في وطننا الذي (كان عربيا). و منها على سبيل المثال "هبل الفيس بوك" حيث أصبحت معظم صفحات التواصل الاجتماعي مرتعا خصبا لدروب الهبل والجهل.

- في كثير من صفحات الكتاب تحدث الكاتب عن (الدواعش) وبشاعة ارهابهم ضد شعوبهم وعن (استهبال المشايخ) للعامة (باسم الدين) والذين مؤهلاتهم عبارة عن اطلاق اللحى وارتداء الدشاديش، وأن هذا الاستهبال ليس حكرا على المسلمين بل عند أتباع ديانات اخرى... و الأمثلة كثيرة موضّحة في الصفحات 77 -88 ..

- تحدّث عن عجائب ثقافتنا العربية في (تقديس الحكام) وعدم ترسيخ مفهوم للوطن، وعن استهبال هؤلاء الحكام لشعوبهم ،يضا باسم الدين..صفحة 90 – 91

- تطرّق الكاتب في حديثه عن المؤسسات الثقافية غير الحكومية التي يسيطر عليها أشخاص متقدمون بالعمر وربما غير مؤهلين لهكذا منصب ... وكأنها سيطرة عائلية، عشائرية وربما سياسية.. وأن هذه المنظمات معظمها تخدم أجندة مموليها .. كما تحدث عن ثقافة (الخوف من النجاح) مشيرا بذلك إلى بعض المثقفين الذين باعوا أنفسهم لمصالح شخصية، حيث لا يتردّدون في احباط الناجحين ومحاربتهم كونهم يرون في نجاح الآخرين سقوطا لهم.

- أمّا عن واقع المبدعين من أدباء وفنانين في عالمنا العربي فقد وضّح الكاتب بالأمثلة عن كيفية معاقبة معظمهم على الابداع بدلا من المكافأة.

- كما تحدث عن (الانغلاق الثقافي) المتمثل بعدم مواكبة ثقافات الشعوب الأخرى والاطلاع عليها، وعلى ما وصلت إليه من تقدّم وتطور مذهل في العديد من المجالات.

- و هناك العديد من ظواهر (ثقافة الهبل و تقديس الجهل) التي ذكرها الكاتب، والتي ما هي إلا امتداد وترسيخ لثقافة الهبل في عالمنا العربي، منها على سبيل المثال ثقافة المفرقعات (الطخطخة) وثقافة مكبّرات الصوت، وما ينجم عنها من نتائج سلبية كثيرة وخطيرة .. والهبل في ثقافة (الطبيخ)، ثقافة الموت، ثقافة المطالعة، الطوشة،الانبهار بالاجنبي، تدمير الذات، ثقافة الكسل.. و غيرها.

الكتاب بشكل عام يستحق القراءة .. كونه يلقي الضوء على هذه الثقافة التي تعشعش في رؤوس الكثيرين ممن أساؤوا فهمهم للدين والدنيا، فعالمنا العربي في الوقت الحاضر في أمس الحاجة للقيام بثورة علمية ثقافية حقيقية تتمكن من القضاء على العادات، والتقاليد البالية والتخلّف، والانغلاق الفكري والجهل المتفشّي في الوطن العربي، فمن حق شعوبنا أن تعيش حياة هادئة آمنة بعيدة كل البعد عن الفوضى والفساد، والاقتتال والجهل إلخ.. كباقي شعوب العالم.

وقالت سوسن عابدين الحشيم:

يعرض الكاتب سلسلة من النصوص النثرية تلخص العادات والتقاليد التي توراثتها الأمة العربية من مئات السنين. وحسب رأي الكاتب أن مثل هذه العادات والتي اصبحت ثقافة تعد هبلا وجهل، ا قام الناس بالايمان بقوة وصدق بهذه الثقافة حتى اعتبروها مقدسة وغير قابلة للتغيير. استخدم الكاتب اللغة البسيطة محللا لجميع العادات المتبعة من قبل الشعب العربي.

لقد قام الكاتب بتجميع جميع هذه العادات في كتاب واحد، ويرجع فيه سبب هزائم العرب الى هذه الثقافة التي تتسم بالجهل. ومن هذه الأمور ثقافة الطائفية والحزبية والقومية والدينية، ثقافة المجتمع الذكوري وتمييز الذكور على الإناث، وثقافة القتل والثأر وما يخلفه من دمار وهلاك، كما تطرق الكاتب الى التكنولوجيا وتأثيرها على العامة، كثقافة الفيس بوك والفضائيات يستهبلون بها كثيرا من الناس في بعض الأمور، كالعلاج والشفاء عن طريق المشايخ والفتاحين الدجالين. فيصدقونها ويقدسونها، يستشهد الكاتب ليبرر صدق كلامه بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. لم ينس الكاتب موضوع الثقافة العربية وتكريم المبدعين، والظلم اللاحق ببعض المثقفين، وهذا يؤثر سلبيا على المستوى الثقافي ويؤدي الى الانهيار والانحطاط الثقافي.

ذكر الكاتب المؤسسات والمنظمات غير الحكومية، وجميع منظمات حقوق الانسان مع أنها لم يكن لها إيّ دور فعال في تحقيق العدل والانسانية. شعور الكاتب بالأسى واليأس من اصلاح الأمّة والتخلص من الجهل السائد، ففي احدى نصوصه لا يصلح العطار، يبين الكاتب مدى ايمان الناس وتعلقهم بهذه العادات البالية، والتي تحول دون مجاراة التقدم والتطور العلمي الحديث.