عن الضِّـعَـة وقلة القيمة

، بقلم فاروق مواسي

من الأبيات التي أرددها بألم قول معن بن أوس المُزني (ت. 683 م):

ورثنا المجدَ عن آباء صدق
أسأنا في ديارهم الصنيعا
إذا الحسب الرفيع تواكلته
بُناة السوء أوشك أن يضيعا

(ابن قتيبة: عيون الأخبار ج4، ص 110، وذكر أن الذي أنشد البيتين ابن رَوح بن حاتِم المهلَّبي، والشعرهو لمعن با أوس – الأغاني، ج12، ص 75)..

أتألم لأننا عشنا عصورًا ذهبية في تاريخنا من علم وأدب وفكر وفنون في التوريق وفي الخط وغيره، فإذا بنا نسيء لهذا المجد بقُصورنا وجهلنا وتواكلنا، وهواننا حتى بلغ بكاتب أن يسأل وبأسى:

ماذا سيخسر العالم لو فقد اليوم كل المسلمين والعرب معًا؟

ربما كان سؤال صاحبنا مسوَّغًا بسبب ما يجري في العالم العربي، حيث تفاوضت وتتفاوض الأمم حوله وعن مصيره ويتخاصمون في حروب باردة وغير باردة، بينما العرب والمسلمون ليسوا في حساب استشارة أو سؤال، أو أدنى اعتبار.

يذكرني ذلك بقول جرير:

ويُقضى الأمرُ حين تغيب تَيمٌ
ولا يُستأذنون وهم شهود

فقد هنّا وسهل الهوان علينا، لأننا اعتدناه، وها نحن نسمع قولتك يا أبا الطيب:

من يَهُن يسهلِ الهوانُ عليه
ما لجرحٍ بميّت إيلام

فالتشبيه الضمني في البيت يؤكد لنا أننا أصبحنا كالميت لا يؤلمه أي جرح مستجدّ، فقد تعودنا، وقبلنا الهوان ثم الهوان الذي أكبر منه، فأكبر، حتى قيل فينا إننا ننسى ونغفر، ونفتح صفحة جديدة.

أفاد إبراهيم اليازجي (ت. 1906 م) من معنى المتنبي، فقال:

ألِفتمُ الهُونَ حتى صار عندكم
طبعًا، وبعض طباع المرء مكتسبُ
وفارقتْكم لطول الذل نَخوتُكم
فليس يؤلمكم خَسْفٌ ولا عطبُ

والبيتان من قصيدة طويلة أولها:

تَنَبَّهُـوا وَاسْتَفِيقُـوا أيُّهَا العَـرَبُ
فقد طَمَى الخَطْبُ حَتَّى غَاصَتِ الرُّكَبُ
فِيمَ التَّعَلُّـلُ بِالآمَـال تَخْدَعُـكُم
وَأَنْتُـمُ بَيْنَ رَاحَاتِ القََنَـا سُلـبُ
اللهُ أَكْبَـرُ مَا هَـذَا المَنَـامُ فَقَـدْ
شَكَاكُمُ المَهْدُ وَاشْتَاقَتْـكُمُ التُّـرَبُ
كَمْ تُظْلَمُونَ وَلَسْتُمْ تَشْتَكُونَ وَكَمْ
تُسْتَغْضَبُونَ فَلا يَبْدُو لَكُمْ غَضَـبُ

وفقًا لذلك، لا أدري كم ينطبق علينا وصف الأخطل في هجاء قبيلة:

قبيلة كشراك النعل دارجةٌ
إن يهبطوا العفوّ لا يوجد لهم أثر

(دارجة= بالية، العفو: السهل الذي ليس به آثار).

في تصفحي حول هذا المعنى وكيف ضُربت (علينا نحن) هنا وهناك ذلة ومسكنة
قرأت لمعروف الرصافي وصفًا ينطبق على الكثيرين:

كلاب للأجانب هم ولكن
على أبناء جلدتهم أسود

لهؤلاء يقول المتنبي:

ذلّ من يغبط الذليلَ بعيش
رب عيش أخفُّ منه الحِمامُ

أعود إلى بيتَيْ معن بن أوس فأجد هناك من عزف على هذا الوتر في صورة وصفية لا اتهامية، فيقول الحُصين بن المُنذر الرَّقاشي:

إن المروءة ليس يدركها امرؤ
ورث المكارم عن أب فأضاعها
أمرتْه نفسٌ بالدناءة والخَنا
ونهته عن سبل العلا فأطاعها
فإذا أصاب من المكارم خَلّةً
يبني الكريمُ بها المكارم باعها

(الماوردي: أدب الدنيا والدين، باب المُروءة- ص 384)

فهل بعنا المكارم؟ وهل نحن اليوم في ضِعة؟

وقبل ذلك، أين نحن مما ورد في قول الشعراء أعلاه؟