دعسوقة وشموسة في القدس سامي قرة

"ما فائدة الكتاب دون صور أو حوار"؟ تسأل الطفلة أليس في كتاب "أليس في بلاد العجائب" للكاتب البريطاني لويس كارول. لا شك أن الأستاذ طارق المهلوس نجح إلى حد كبير في إنتاج كتاب صديق للطفل القارئ إذ يحتوي الكتاب على رسومات ملوّنة بألوان جذابة تستهوي الأطفال وتستقطب انتباههم، إضافة إلى بعض الصور الفوتوغرافية التي تُظهر بعض المعالم الهامة في مدينة القدس. وفيما تحفز الرسومات خيال الطفل، نجد أن الصور تُضفي صبغة من الواقعية على القصة. فالخيال والواقعية يندمجان بانسجام. علاوة على ذلك، يتميز الحوار بين دعسوقة وشموسة بالبساطة تعكس البراءة التي عادة نشاهدها في الأطفال.

بشكل عام يحاول الكاتب في قصته دمج الأطفال في ثقافتهم ومحيطهم وتعريفهم بإرثهم الحضاري وبالتحديد في مدينة القدس. ويتميز أسلوبه بالسهولة والصدق. يسعى الكاتب إلى بناء الجسور التي تربط المكان الجغرافي بالإنسان الطفل مما يساهم في ترسيخ انتماء الطفل إلى بيئته ومحيطه ومجتمعه. وما يتعلمه الطفل يبقى معه حتى نهاية العمر.

غير أن لأدب الأطفال خصائص هامة لا بد من الالتزام بها؛ كي يكون مؤهلا لأن يسمى بأدب الأطفال. وفيما يلي سأستعرض بعض هذه الخصائص، وتقديم مثال على كل واحدة منها من قصة "دعسوقة وشموسة في القدس". لكن من الضروري هنا أن أنبّه إلى أن الكاتب لا يلتزم بجميع الخصائص وهذا ما سأوضحه.

1. أدب الأطفال أدب تعليمي (ليس للترفيه فقط) نسعى من خلاله إلى إكساب الطفل قيمًا اجتماعية وسلوكيات حسنة، وتعليم الأطفال لا يقاس فقط بقدرتهم على القراءة بل أيضًا بمدى اكتسابهم للقيم والمبادئ الأخلاقية والفكرية، والصواب والخطأ والخير والشر. ولهذا السبب نرى أنه دائمًا يتم معاقبة الشخصية الشريرة في قصص الأطفال. أمّا ما يتعلمه الطفل في قصة "دعسوقة وشموسة في القدس" فهو بعض الحقائق البسيطة التي لا تؤثر في نموه العاطفي والأخلاقي وإنما نموه المعرفي لكن بشكل محدود جدا. يتعلم الطفل أنه يوجد في القدس باب اسمه باب العامود، ومسجد اسمه المسجد الأقصى، وكنيسة اسمها كنيسة القيامة، وأن للقدس سبعة أبواب لا أكثر ولا أقل. من وجهة نظري تخلو القصة من أية فائدة عملية نتوخاها عند الحديث عن الأدب وعلاقته بالنمو العقلي والعاطفي للطفل.

2. من سمات أدب الأطفال التكرار، وكما يقول المثل الشعبي "التكرار يعّلم الشطار". ولهذا السبب نجد أن مؤلفي قصص الأطفال يميلون إلى تكرار ذكر الأحداث الهامة والكلمات الرئيسية ؛كي ترسخ في ذهن الأطفال. لا تتسم قصة "دعسوقة وشموسة في القدس" بالتكرار إلا أن هناك كلمة واحدة وأعتقد أنها هامة جدا تتكرر ثلاث مرات في القصة وهي كلمة "تشبهنا". تنظر دعسوقة وشموسة إلى المسجد الأقصى وكنيسة القيامة وباب العامود، وفورا تجدان أن هناك وجه شبه بينهما وبين الأشكال الهندسية للمباني المذكورة، ألا وهو شكل القوس والقبب والدائرة. فالشمس دائرية كما أن ظهر دعسوقة يشبه القبة إلى حد كبير. هذا الشبه يزيد من اهتمام دعسوقة وشموسة بالمسجد الأقصى وكنيسة القيامة وباب العامود، إذ يجدان في تلك الأماكن سمة مشتركة. وهذا أيضا يقوّي انتماءهما إليها. وهناك أيضا تكرار في الأصوات التي تكاد تخلو منه القصة تماما. ينتج عن تكرار الأصوات (مثل الجناس والسجع والقافية) موسيقى في الكلام يثير فضول الطفل واهتمامه عند القراءة ويساعده على تذكر ما يقرأ.

3. تشكل الرسومات جزءا هاما من القصة، ولا شك أن الأستاذة أماني البابا قد أبدعت في ذلك. فالرسومات تساعد الأطفال على فهم القصة وتحفزهم على الاستمرار في القراءة. وتهدف الرسومات إلى تعزيز ما يسرده الراوي.

4. يتميز أدب الأطفال بأنه أدب خيالي، وفي أدب الأطفال نجد أن الحيوانات تتكلم والإنسان يطير والمواد تتحول من شكل إلى آخر وغير ذلك. هذه الأحداث تنشّط خيال الطفل. والأطفال يعيشون في عالم الخيال، وفي سن مبكرة لا يستطيعون أن يميزوا بين ما هو واقعي وما هو خيالي. لا أعتقد أن قصة "دعسوقة وشموسة في القدس" تحتوي على ما يحفز خيال الطفل سوى وجود الدعسوقة والشموسة اللتين تتبادلان الحديث وتدعو الواحدة الأخرى لزيارة القدس.

5. أدب الأطفال أدب متفائل وجميع الأحداث تنتهي بفرح وسعادة، أو على الأقل بالعدالة الشعرية (أي كل واحد بوخذ نصيبه). هذا يعلم الأطفال التفاؤل في الحياة، وأن ينظروا بإيجابية تجاه المحيط الذين يعيشون فيه. تنتهي قصة "دعسوقة وشموسة في القدس" بنبرة إيجابية متفائلة إذ ترى دعسوقة وشموسة أن القدس هي مدينة السلام، وأنهما يستطيعان أن يعودا إلى مأواهما بأمان وطمأنينة. نعم فالقدس هي الأمّ الحنون التي تحتضن أبناءها وبناتها.