رُؤى ثقافيّة «٢٧٨»

خَطَراتٌ مِن وَساوِس (مَن الشَّاعر؟)

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

- 1-

لقد أفسد التيارُ الغالي في تكلُّف الشِّعر الغامض- عن عِيٍّ أو عن اصطناع- الشِّعرَ العربيَّ والبيانَ العربيَّ إفسادًا عظيمًا في العصر الحديث. حتى إن شاعرًا كبيرًا كـ(عبدالله البَرَدُّوني)، لمَّا جَرَفَه هذا التيَّارُ آخرَ حياته، مسخَ شِعره مسخًا عجيبًا، كما في ديوانه «ترجمة رمليَّة لأعراس الغبار»، أو «رواغ المصابيح». وزاد طينه بلَّة أنه أراد محاكاة تلك الخيوط الهذيانيَّة عند غيره مع حشوها حشوًا في أبيات موزونة مقفَّاة. فلو أخذ القارئ من قصيدته «ذات الجرَّتين» (1) نموذجًا، فسيجد شاعرنا يبني قصيدة من 38 بيتًا، لا موضوع لها. تبدأ بضمير الغائبة:

هنا وهنا مرآتها أين مرآها؟
أهذا تجلِّيها على شوق مجلاها؟

لكن مَن هي؟ لن تقف لا على مرآتها ولا على مرآها إلى آخر بيت. من الواضح «أنها» كانت ذات جرَّتين خطيرتين، لكنك لن تجد في أيٍّ منهما ماءً. وإذا كان استعمال ضمير الغائب للإحالة على غير مذكورٍ سابقٍ ليس بأسلوبٍ عربيٍّ مقبول، فإن البَرَدُّوني في مثل هذا النصِّ يُحيل على غير مذكور لا سابق ولا لاحق. ومن ثَمَّ يُفضي إلى عبثٍ نظمي. صحيح أنه موزون مقفًّى، لكنه غير منظوم المعنى ولا موزونه ولا مقفَّاه. يمكن، طبعًا، لأيِّ قارئٍ أن يُخمِّن أن كلَّ ضمير غيبةٍ لدَى البَرَدُّوني يحيل إلى (اليَمَن)! لكن الأمر لم يكن يستدعي ذلك الالتواء المفتعل، بلا غايةٍ فنِّيـَّةٍ أو موضوعيَّة. كمَن يرسم لوحةً سورياليَّةً للشمس ليقول لنا في الأخير: إنها الشمس! وتفسير ذلك، فيما يبدو، أن الرجل، بتجربته التقليديَّة العتيقة، خُيِّل إليه أن النِّقلة إلى الحداثة أو السورياليَّة لا تعدو أن يركب الشاعرُ الأسئلةَ المتواليةَ، وأن يكثِّف من استخدام ضمائر الغيبة التي لا تحيل إلى شيء، وأن الرمزيَّة إنَّما غاية أمرها أن يُحال النصُّ إلى ضربٍ من «الفوازير»، وإنْ لم يكن لها حلٌّ أو مغزًى في النهاية، وأن ذلك هو التحديث الأرقَى للشِّعر العربي. فأفسد بذلك شِعره أيَّما إفساد. والأدلجة مفسدةٌ للطبائع دائمًا وللأعمال في كلِّ شأن.

وتبدو مزاعم الحداثة في العالم العربي شاملة، في تمظهراتٍ من التهافت الحضاري. فإذا كان ذلك يظهر في الحقل الأدبي في تتويج خاطرةٍ بنيشان «قصيدة»، وحدُّوثة بتاج «رواية»، فإنه في الحقل المعرفي يظهر كذلك في القفز بفكرةٍ سانحةٍ أو بارحةٍ إلى نعتها بـ«نظريَّة»! فإذا أنت تسمع هذا لديه «نظريَّة» وذاك لديه «نظريَّات»، وهي لا تعدو أفكارًا ساذجةً يمكن أن تعنَّ في أيِّ دماغ! غير أنه استسهال الثرثرة، والاستخفاف بالمفاهيم.

- 2-

على أن الشاعر- إلى التحرُّر من الأدلجة أو الاصطفاف القطيعي- هو ذلك الذي يؤمن بأن رسالة الشِّعر رسالةٌ سامية، ينبغي أن توازن بين الحريَّة والمسؤوليَّة الاجتماعيَّة، فلا تلوِّث الشِّعرَ بالنزوات الحيوانيَّة، ولا بنشر الرذائل بين الناس، وتطبيع النفوس على استساغتها، أو قُلْ تحبيب الناس فيها، وتشجيعهم عليها، وإلباسها لبوس البطولات، ونمذجتها لتكون مُثُلًا عُليا لأجيال من القُرَّاء، بحُجَّة تصوير النفس البشريَّة بخيرها وشرها، كي يتحوَّل النصُّ بذلك إلى معرضٍ دعائيٍّ حيٍّ للغرائز، يُفسِد ولا يُصلِح، فتَصْدُق عليه حينئذٍ توجُّسات (أفلاطون)، لا نظرية (أرسطو) في التطهير Catharsis، ويُؤبَّد ذلك كلُّه باسم الأدب، مِن مرضَى نفوسٍ وعقولٍ وتربيةٍ، الأدبُ لديهم ليس إلَّا صورة عن ذواتهم المريضة؛ فهو رديف «قلَّة الأدب». والأدب- كما يرى (جيمس فريزر Games George Frazer)(2)- بإمكانه أن يُغيِّر- عبر جيلَين أو ثلاثة- ما لا تُغيِّره ثقافة الحياة التقليديَّة عبر ألفَي سنة أو ثلاثة آلاف سنة.

- 3-

الشاعر هو الذي ينبو ذوقه، ويربأ بحرفه عن نشر القبح باسم حريَّة التعبير والتصوير، وترتفع قيمُه الحضاريَّةُ عن إذاعة العُنف اللغويِّ أو الفكري أو الخيالي. وليس العُنف اللغوي إلَّا مقدِّمة العُنف الدموي. وهو ما ينحرف عن العمليَّة الأدبيَّة إلى الأغراض النفسيَّة والذهنيَّة السقيمة؛ للضرب بيدٍ من حديدٍ على خصوم التيَّار! واستطرادًا، فإن هذا التعبير نفسه الذي كنَّا نسمعه، أي «الضرب بيدٍ من حديد»، هو- بدوره- عُنفٌ لُغويٌّ يُنذر بممارسة القمع أو حتى القتل للمخالف. على أنه حتى في المجال القانوني ليست هذه بلُغةٍ قانونيَّةٍ ولا شرعيَّة؛ لأنه لا يَضرب بالحديد إلَّا القاتل، ولا يُضرب بها إلَّا من ارتكب جريمةَ الضرب بها عمدًا، ثمَّ لم يكن من سبيل لإصلاحه والاكتفاء منه بالدِّية. وهكذا يتبدَّى كيف أن العُنف اللُّغوي يستشري على الألسنة نثرًا قبل أن يستشري شِعرًا.

- 4-

الشاعر هو الذي لا يوظِّف موهبته لبثِّ فكرٍ إديولوجيٍّ، تنبو عنه الفِطَر الإنسانيَّة السليمة، والطبائع النفسيَّة النبيلة، وإنما يوظِّف موهبته لبثِّ الجمال والخير والحق، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

- 5-

الشاعر هو الذي لا تُغويه هرطقات الشكلانيِّين، ولا تعيقه أصفادُ المدارس التي لا تفرِّق بين قصيدة شِعرٍ ومنشورٍ سياسيٍّ؛ فتُحاكم الشاعر على كلِّ مجازٍ اقترفه، على أنه حقيقة، وعلى كلِّ استعارة ابتكرها، على أنها واقع، وعلى كلِّ شِعريَّة راودها، على أنها نثريَّةٌ صريحة، لا تحتمل التأويل إلَّا على أسوأ الوجوه.

- 6-

الشاعر هو الذي لا تراه في سوق توقيع الكُتب، وقد تحوَّلت علاقةُ المبدع بالقُرَّاء إلى علاقة تسويقيَّة تجاريَّة بلهاء، ضِدَّ الصِّدْق والشِّعر والكتابة، تمامًا كعلاقة صاحب «بَسْطة» على رصيف الشارع بزبائن الشراء:

فَلَيسَ يَشْعُـرُ إِشفاقًا على أَحَدٍ
ولا يَجُوْدُ بشِعْرٍ منهُ مُغتَنَما
لَكِنَّها خَطَراتٌ مِنْ وَساوِسِهِ
يَهذي ويَسْكُتُ لا بُخْلًا ولا كَرَما!
مع الاعتذار لـ(دعبل الخزاعي)!

(1) (2002)، الأعمال الشِّعريَّة، (صنعاء: الهيئة العامَّة للكتاب)، 2: 1388- 1392.

(2) (1894), The Golden Bough: a study in comparative religion, (London: Macmillan and Co.), v1, viii.