كل اللّغاتِ على مَصارِعِنا التَقت

، بقلم صالح أحمد كناعنة

عَطَشُ الجُنونِ إلى الجُنونِ حِكايَتي
واللّيلُ يغرَقُ والسّوادُ جَديلَتي
لا يَضحَكُ الأفقُ الذي فينا انتهى
لا يهتَدي الشّجَنُ الشّرودُ لوُجهَتي
عِشقي التِحاقُ الوَهمِ بالوَهمِ الذي
عَرّى الجِهاتِ، نَبا، وغرَّبَ قِبلَتي
لاذَت ليالي الطُّهرِ من فَزَعٍ إلى
فَزَعي، يُراوِدُني السُّدى عن حِكمَتي
ناحَت عيونٌ كانَ يعشَقُها الصَّبا
هل لي بروحٍ تَستَجيبُ لدَمعَتي؟
إنّي أذوبُ هُناكَ في وَجَعِ النّوى
من لي بِدَربٍ لا يُضَيِّعُ بَصمَتي
ليتَ المَزاميرَ التي احتَفَلَت بنا
سَكَبَت رُؤاها في سُكونِ حِجارَتي
كلُّ اللُّغاتِ على مَصارِعِنا التَقَت
رَجَمَت فَواصِلُها ملامِحَ يَقضَتي
دَمُنا بكُلِّ خرائِطِ الأرضِ انتَفى
تيهي جراحَ الأرضِ صرتِ شَبيهَتي
دربَ البِدايَةِ من جِراحي أنبَتَت
عينُ الشُّروقِ لدى مَراقي غايَتي
كم عِشتُ نِدَّ النّورِ في صَدرِ الفَضا
أرعى الوفاءَ على حدودِ وِصايَتي
إنّي التِحامُ الفجرِ في شَمسِ الصَّفا
شَوقي الفِدا والتَّضحِياتُ إرادَتي
زَحفي امتِثالُ الرّوحِ آياتِ النّهى
رَسَمَت تَضاريسَ الطَّهارَةِ نَهضَتي
أمَنَحتُ قلبَ البيدِ صَرخَةَ مَولِدي
لتَظَلَّ قابِعَةً بِظِلِّ خُرافَةِ
قلبانِ في جَسَدِ الغَرابَةِ ينبِضانِ
شَهادَتانِ على هَباءِ الخُطوَةِ
لا البيدُ تَحفَظُ بصمَتي كُثبانُها
وحنينُ قلبي ملَّ فيها غُربَتي
ليلٌ على صَمتِ المَواجِعِ زَحفُها
يأبى صَداها أن يُضارِعَ زَحفَتي
فزَرَعتُ في قَلبِ البِحارِ سَفينَتي
فتمَخَّضَت، وتَوَلَّدت أسطورَتي
أنا شارِعٌ لا يَستَقيمُ لعاثِرٍ
ولَدَتهُ ريحٌ في مَخاضِ الهِجرَةِ
أنا بيدَرُ الفَصلِ الذي سيُعيدُني
روحًا ستَجتاحُ المَواسِمَ غَلَّتي
واصِل شُرودَكَ يا غُبارَ العُذرِ ضَلَّ
السَّعيُ لم يألَفهُ موجُ هِدايَتي
سَهلٌ صَفيرُ الرّيحِ في جَسَدٍ قَضى
صَحراءُ ذودي الرّيحَ دونَ مَرارَتي
هانَت صَواهِلُكم على نَزفِ السّدى
وهَوى الشُّروقُ يُحِلُّكُم مِن بَيعَتي
البيتُ يجهَلُكُم وكلُّ البيدِ تُنكِرُ أنّكم
أهلُ الرّجا والنّجدَةِ
بَطَرٌ مَعيشَتُكُم، نزوعٌ للخَنا
قادَ الفراغُ جميعَكُم للغَفلَةِ
فذَهَلتمو لاهينَ عَن هَولٍ مضى
يَجتَثُّ شِريانَ الحَياةِ لِأُمّتي
كَيدُ الأعادي يستَبِدُّ بِشَرقِنا
وخُنوعُكُم يزدادُ، رَغمَ الفِتنَةِ
أعدَدتُمو لهوًا وبَذخًا صارِخًا
أغفَلتمو وَهنًا شؤونَ القُوَّةِ
ظَنًّا بأنَّ المالَ سُلطانَ الدّنى
قَدّستُمو الدّولارَ فوقَ الخِبرَةِ
أجَهِلتُمو ما نالَ أندَلُسًا هَوى
لما ارتَضى عيشًا بظِلِّ الفُرقَةِ
ظَنًّا بأنَّ المُلكَ يَعصِمُ أهلَهُ
هانوا، أضاعوا مُلكَهُم وحَضارَتي
ياللجَهالَةِ هل سيَصمُدُ مالُكُم
عمرانُكُم في وَجهِ عاتي الهَجمَةِ
أم هل تَظنّونَ العَدُوَّ يرى بكُم
وَلَقد أعَدَّ لكُم شديدَ القَبضَةِ
إلا شُعوبًا يَستبيحُ بلادَها
حتى إذا هانَت فخيرُ فَريسَةِ
فلتَسألوا التّاريخَ يُنبيكُم بما
حَمَلَ الشُّعوبَ إلى سنامِ القِمَّةِ
ما عَزَّ شَعبٌ بالقُصورِ ولا بما
كَنَزَ الطُّغاةُ، وإنَّما بالفِطنَةِ
لوذوا بأبراجٍ وأموالٍ لكُم =
لوذوا بظِلٍّ قَبيلَةٍ أو عُصبَةِ
أنا لن ألوذَ سوى بشِرعَةِ خالِقي
وسطوعِ تجرِبَتي بأفقِ العِزّةِ
أنا لن أسَلِّمَ للأعادي ما عَتَوا
وجَعَلتُ حِصني للخُطوبِ إرادَتي
سأواجِهُ الدُّنيا بما مَلَكَت يَدي
وأعيشُ مُعتَصِمًا بروحِ كَرامَتي
لا يَملِكُ العادي لنا إلا أذى
بالصَّبرِ نسمو في مَراقي الغايَةِ
نُؤذى ويألَمُ خصمُنا وعَدُوُّنا
والله يُؤتي نَصرَهُ للثّابِتِ
نُؤذى فلا نُعطي الدّنِيَّةَ إنّما
سَنَظَّلُّ نَذخَرُ صَبرَنا للوَثبَةِ
روحوا لأبراجٍ بَنَيتُم وانعَموا
يا مَن أطَعتُم رومَكُم بِجَهالَةِ
بغدادُ تُنبيكُم بما فَعَلت يدٌ
للغَربِ ناصَرَها المَجوسُ بِخِسَّةِ
والشّامُ تهديكُم بواطِنَ كَيدِهم
حِلفِ المَسونِ مع المجوسِ لفِتنَتي
رومٌ وفُرسٌ يجمَعونَ لحَربِكُم
ثأرًا لما نالوا ببأسِ صَحابَةِ
يا سادِرين كفى هَوانًا وانفِضوا
عَنكُم غُبارَ الجَهلِ لونَ الذِّلّةِ
هاهُم أعدّوا فاستَعدّوا مثلهم
عِلمًا بأنَّ الوَعيَ خيرُ العُدَّةِ