اُكْتُبْ، تَكُنْ

، بقلم فوزية الشطي

التّصدير: «اِعْرِفْ نَفْسَكَ بِنَفْسِكَ»: الفيلسوف اليونانيّ ’سقراط’.

أَمْسِكْ قلما. لا تَـخْشَ على نفسِك منه. إنّه أَحْرصُ عَليْك مِنْك.

خُذْ ورقةً. لا تَسمحْ لِبَياضِ صَفحتِها أنْ يُفزِعَك. إنّه صفاءُ ذهنِك مُنعكِسا عليها مُعانِقا إيّاها.
اِفتحْ عينيْك عَليْك: سَترى ما لم تَـحسَبْ يومًا أنّه مَكْنونٌ فِيك.

قَلِّبْ ناظريْك في ما خفيَ مِنْ بَواطنِك: هنا يتربّعُ حاضرُك على عرشِ الزّمان باسِطا جناحيْه. هناك يتثاءبُ ماضِيك الكسولُ وهو يسيرُ القَهْقرَى نحوَ ملكُوتِ الغياب. بنصفِ عينٍ يُطلُّ هنالك مستقبلٌ غامضُ الملامحِ يُغرِي ولا يُبِينُ...

قَلِّبْ أرشيفَ الذّاكرة. غُصْ فيه عميقا: أمّا الأفراحُ فاشْرَبْ نَـخْبَها كلّما هاجَ الحنينُ إليها. وأمّا الأحزانُ والخيباتُ والنّكَساتُ فانفُضْ عنها غبارَ النِّسيانِ، وفتِّشْ عنِ العُذُوبةِ في عَذابِها كيْ تَنهلَ مِنْ خُصوبةِ مَعينِها. وأمّا جنونُ الغضبِ فلا تَكُفَّ عنْ إِحْماءِ لهيبِه. لَـهُوَ ’نارُ القِرَى’ الّتي بها تَهتدي الفِكرةُ الضّالّة والعِبارةُ التّائهة والصّورةُ الهائمة. وأمّا الحُبُّ فَجِدْهُ حيثُما كُنْتَ: في الحزنِ كما الفرحِ كما الغضبِ. أَنْشِئْه مِنْ عَدَمٍ، قُدَّهُ مِنْ عُيونِ الـمَـجاز، اِجْعَلْه عِلّةً مُزمِنة. الحُبُّ في شُعاعِ الشّمس كامِنٌ وفي بَسْمةِ النُّوّار دفِينٌ وفي الغيومِ الحُبْلَى مَكْنُون...

تَأمّلْ كِيانَك وقد تَطهّرَ مِنْ مَساحيقِ ’الجحيمِ الجَمْعِيّ’: في الرّكنِ الرّكينِ ترقدُ طفولةٌ مُعذَّبةٌ كسيرةٌ حالمة، هَدْهِدْها كيْ تفيضَ عليك بِسخيِّ فَيْئها. مِنْ وراءِ حجابٍ يَتراءَى خجِلا مُرتبِكا مُتعثِّرا طُموحٌ يُـجنِّح ولا يُحلّق، أَنصِتْ إلى حفيفِ جناحيْه حتّى يُبكيَك الشَّجا. وَسْطَ هذا وتلك تَصولُ فتوّةٌ لا تَرتوِي لا تَشبعُ لا يَهنأ لها بالٌ، تَعلّقْ بِتلابيبِها لِتنجُوَ بنفسِك. على التُّخومِ يُراوحُ الأملُ بين شروقٍ وغروبٍ مُصارِعا لعنةَ الفناء بقانونِ حُبِّ البقاء، اِقبِضْ عليه مُتلبِّسا، صَيِّرْه الملاذَ الآمنَ مِنْ آفاتِ العَفْسِ والبُؤْس واليَأس.

اُقتُلْ كُلَّ ذاك كتابةً: جَرّدْ له قلمَك الـمُهنَّدَ. نازِلْه في ساحة ’الوغَى الحِبْريّ’ بفُروسيّةٍ عَنْتريّة (عنترة بن شدّاد) ونُبْلٍ عَبْسيّ (عُروة بن الورْد العَبْسيّ) وسخاءٍ حاتميّ (حاتم الطّائيّ). جُدْ بدمِك: كُلّما نَزَفْت تَـجدّدتْ فِيك دماءُ الشّباب. دَعْ عنْك هَوَسَ النّتائجِ: النّصرُ يُطْربُك ويُغنِيك. والهزيمةُ تَشحذُ رُوحَك لِـجَوْلاتٍ أُخَر.

اُكتُبْ ثأرا مِن فاجعةِ الغُربَة في الوطن.

اُكتُبْ لِيصيرَ النّصُّ لك سَكَنا.

اُكتُبْ تَكُنْ.