الرؤية البيانية عند الجاحظ (٢)

، بقلم كريم مرشدي

1-الرؤية البيانية والرؤية للعالم (تطبيق المفهوم):

إن رؤية العالم عبارة عن جُمَّاع من العناصر الداخلية ملتحمة لا تنفصل عن بعضها، وهي بهذا تعتبر كلية ومجموعا مكونا من عدة أفكار تعبر بشكل أو بآخر عن أوضاع مختلفة وعن مواقف معينة من الواقع.. يقول الأستاذ بلمليح في كتابه "الرؤية البيانية عند الجاحظ": "والمصطلح (الرؤية) يعني في دلالته عند هذين الناقدين (لوكاتش وكولدمان) رؤية للعالم، أي تصورا معينا للإنسان والطبيعة والوجود، يستطيع أن يحققه ويعبر عنه في أعماله مفكر أو أديب أو شاعر أو فيلسوف " (ص 11)، فمصطلح الرؤية عبارة عن تصور معين لعدة موضوعات تقع في الكون يبثها المفكر أو الشاعر في عمله، بإيحاء من المجموعة التي يعيش داخلها هذا المفكر، وهي عبارة عن بنية متلاحمة الأجزاء، أو بتعبير ليفي ستراوس عبارة عن منظومة تتألف من عناصر يستتبع تغير أحدها تغير العناصر الأخرى كلها. ونعلم أن المنظومة أو النظام عبارة عن كل متناسق الأجزاء ومنسجمها، ولا يمكن أن يدرك الخلل أيا من عناصرها إلا وانتفت عن ذلك المجموع من العناصر صفة النظام أو البنية، وإذن فإن رؤية العالم بما هي بنية أو منظومة يفترض فيها الإنسجام والتناسق، فإنه سيكون مفترضا أيضا بالنسبة للعمل الفني أو الفكري الذي يعكس تلك الرؤية.

بعد هذا التحديد الوجيز، يمكن أن ننظر في مدى تطبيق هذا المفهوم في الكتاب المدروس "الرؤية البيانية عند الجاحظ"، اعتبارا لكون تطبيق المفهوم لا ينفصل البتة عن تطبيق مفهوم الفهم والتفسير. من خلال عنوان الكتاب، يلاحظ أن الباحث قد حاول إيجاد رؤية للعالم عند الجاحظ من خلال كتاباته، خصوصا بحوثه البيانية.. فكيف حاول الاستاذ بلمليح مباشرة هذا التحديد في فكر متشعب أولا وتراثي ثانيا كفكر الجاحظ ؟.. يقول الاستاذ بلمليح: "فرؤية العالم بجميع عناصرها المترابطة، إجابة عن مختلف القضايا الجوهرية التي تطرحها العلاقات الإنسانية والعلاقات بين الإنسان والطبيعة، لذلك فإن هذه البنية يجب أن تدمج في إطار آخر، هو بنية العلاقات الإجتماعية الخاصة بعصر من العصور" الرؤية البيانية – ص 16).. إنها رؤية جماعية من ناحية وفردية من ناحية ثانية، يقول بلمليح:"... ويصح أن نقول إن رؤية العالم ذات طابعين: طابع فردي وهو إدراك الرؤية والتعبير عنها، وطابع جماعي، وهو أنها ليست رؤية شخصية... دون أن تكون في نفس الوقت جملة مواقف يدركها أو يحسها أفراد ينتمون إلى نفس الفئة الإجتماعية التي ينتمي إليها المفكر" (ص 16)، وإذن فإن البحث عن الرؤية للعالم يتم من ناحيتين: من خلال الفرد الذي يُحَمِّلُها كتاباته أولا، ثم من خلال ربط رؤية الفرد برؤية الجماعة التي عايشها ذاك الفرد، يقول الأستاذ بلمليح مبينا خطته في مباشرة البحث عن هذه الرؤية: "الجاحظ صاحب رؤية بيانية للعالم، نحدد أولا عناصر هذه الرؤية ونوضح تلاحمها، وهنا نقف عند مرحلة فهم فكر الجاحظ وآثاره، وندمج هذه البنية في فلسفة المعتزلة لنفسر رؤية الجاحظ ونفهم فلسفة الفرقة الكلامية التي ينتمي إليها هذا المفكر، لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد طبعا، بل علينا أن نفسر آراء المعتزلة الكلامية، وهذا لا يأتي إلا بدمج فلسفة هذه الفرقة في بنية أكثر اتساعا، هي الفئة الإجتماعية التي آمنت بهذا الإتجاه الفكري، وعلاقة هذه الفئة الإجتماعية بفئات اجتماعية أخرى " (ص 16).. لنتتبع مع الأستاذ بلمليح هذا التقسيم المنهجي وهذا البحث.

أ- الفصل الأول من القسم الأول (رؤية العالم عند الجاحظ):

إذا باشرنا هذا الفصل، فسوف نجد أن الأستاذ بلمليح قد وجد بأن النظرة للعالم لدى الجاحظ تتركز في ثلاث عناصر كالتالي: العالم – الحيوان – الإنسان، هذه العناصر تشكل أجزاء البنية الدالة أي الرؤية للعالم، وبما أن البنيوية التكوينية كمبحث سوسيولوجي يركز على الإنسان بالخصوص في علاقاته المختلفة بالعالم، وكذا في علاقاته بالوسط الذي يعايشه، فسوف نركز على النظر في أجزاء هذا العنصر لدى الجاحظ كما بين ذلك الأستاذ بلمليح (نريده هنا تحديدا أوليا على أن نعود إليه فيما بعد ):

الإنسان: فالإنسان في نظر الجاحظ: " حيوان (مستطيع ) عاقل، لكنه إلى جانب ذلك متأثر في حياته بعاملين اثنين (... ): الأول عامل البيئة، والثاني عامل الإجتماع " (ن.م – ص 38 )، فالبيئة لها تأثير كبير في الإنسان، وكما يرى الجاحظ، فهي: " لا تقف (... ) عند حد تأثيرها في الصورة والطبيعة، بل تغير من ذلك.... إذ باستطاعة عامل البيئة أن يكون أقوى وأكثر فعالية في تغير الإنسان... إن هو انتقل فاستقر في بلاد غير بلاده " (ص 41 ). أما عن تأثير الإجتماع في الإنسان، فإن الجاحظ يؤكد بأنه حيوان اجتماعي بطبعه، لا يستطيع القيام بأمره لوحده دون احتياج للآخر، يقول الجاحظ:"... إن حاجة بعض الناس إلى بعض، صفة لازمة في طبائعهم، وخلقة قائمة في جواهرهم" (ص 42 )، فاحتياجه لغيره في استمرار عيشه، كاحتياجه له في ضمان سيرورة ذاكرته المعرفية. إنها سيرورة متصلة من الإحتياجات، واتصال زمني يكون الإنسان فيه هو الفاعل الإيجابي عكس الحيوان: "إن الحياة سيرورة وتطور متصل: الماضي مرتبط بالحاضر، ومرتبط بالمستقبل، وهو ما عبر عنه الجاحظ بالأسباب المتصلة والحبال المنعقدة، مدركا بذلك طابعا أساسيا للحياة البشرية، مميزا بينها وبين حياة الحيوان" (ص 43).

سوف نحاول الآن أن ننظر في الرؤية وهي كاملة أي مُبَنْيَنَة، فكيف يجمع الأستاذ بلمليح هذه العناصر، وكيف يحاول ربط العلاقة بينها، إذ من المعلوم أن البنية لا بد أن تكون عناصرها الداخلية في علاقات متكاملة فيما بينها رغم استقلالها، ولا بد كذلك، في هذا الإرتباط، من أن تتصل بفكر صاحبها، أي أن تكون منسجمة من ناحيتين: الأولى انسجامها مع ذاتها، والثانية انسجامها مع فكر صاحبها. إن ما يجمع بين أجزاء هذه البنية – الرؤية هو كونها عناصر إشارية، أي تعبيرية – بيانية، فالإنسان والحيوان وحتى الجماد، يعبرون من جهة خلقهم بالدلالة والإشارة، يقول بلمليح: " أما فيما يتعلق بالعنصر الأساسي الذي يجمع عناصر هذه الرؤية فيجعلها منظومة ونسقا، فإن العالم في نظر الجاحظ، رغم اختلاف مظاهره، يعتبر نظاما إشاريا، إنه ناطق بأجرامه ونباته وحيوانه، أي أن ضابط الرؤية أو عاملها المشترك...هو البيان " (ص 44- 45)، وينتهي الأستاذ بلمليح إلى أن الرؤية للعالم عند الجاحظ رؤية بيانية ترتكز على كون كل ما في العالم من مخلوقات حية أو جامدة هي موجودات معبرة دالة عن شيء، أي عن حكمة مودعة داخلها لا يستطيع تمييزها وفهمها إلا الإنسان، نظرا لما منحه الله له من عقل مميز له عن سائر الموجودات، يقول بلمليح: "ونستخلص أن ما يوحد مظاهر الخلق الإلهي عند الجاحظ أي ما يعتبر عاملا مشتركا بينها يضبطها فتنتظم، متخذة شكل بنية ونسق فكري، هو البيان، وربما أمكن القول بأن جميع ما قاله الجاحظ عن البيان يرجع في أصله إلى تصوره العام للعالم تصورا بيانيا " (ص 47 ).

ب – الفصل الثاني من القسم الأول:

في القسم الأول حاول الاستاذ بلمليح القيام بعملية فهم شامل لبنية فكر الجاحظ، وذلك باعتبارها جزءا من كل، حيث فصل عناصر تلك البنية وحاول فهمها في علاقتها ببعضها من ناحية، وفي علاقتها بفكر صاحبها، فانتهى إلى كونها تعبر مجتمعة عن رؤية للعالم خاصة بصاحبها، أسماها بالرؤية البيانية، غير أن الفهم سيبقى غير مكتمل إذا لم يُرْدَف بتفسير شامل لهذه البنية، وذلك بإدماجها من ناحية في بنية الفرقة الكلامية التي صدرت عنها، ومن ناحية أخرى في البنية الإقتصادية والإجتماعية التي نشأت عنها تلك الفرقة وتلك البنية.. فلنحاول الآن النظر في كيفية إدماج بنية فكر الجاحظ في بنية فكر المعتزلة أولا، وهو موضوع الفصل الثاني من القسم الأول، وذلك دائما بحثا عن رؤية للعالم بكل عناصرها: يبدأ الأستاذ هذا الفصل بعد طرح طريقة البحث المتبعة، بالنظر في مسألة نشأة المعتزلة، معتبرا إياها مسألة مختلفا فيها، سواء من حيث التسمية أو من حيث النشأة الأولى...فانتهى إلى أن هذه الفرقة، فرقة المعتزلة: " (أ ) ليست متعلقة بفرد من الأفراد، بل هي حركة فكرية عبرت عن نفسها في إطار صراع وتصادم بينها وبين حركات فكرية مخالفة لها على المستوى العقائدي.. (ب ) أن رائد هذا الإتجاه ليس واصل بن عطاء وإنما هو أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية.. (ج ) أن اشتقاق اسم الإعتزال ليس منشؤه اعتزال واصل لحلقة الحسن البصري.

(ص 60 )، ومعنى هذا أن فرقة المعتزلة أولا لم تكن لتضع أسسها الفلسفية والكلامية من أجل الترف، بل أن هناك ظروفا موضوعية جعلتها تصوغ بنياتها الفكرية في إطار لا يخرج عن الواقع وصداماته، وثانيا أن التسمية نفسها لم تكن نظرا لاعتزال واصل لحلقة الحسن البصري، وإنما هي نظرا لخروج بنيوي حاصل في بنية أفكار المعتزلة جعلتها تختلف عن باقي الفرق الكلامية التي عاصرتها أو سبقتها، لكن الاستاذ بلمليح لم يكتف بالنشأة فقط، بل حاول التساؤل عن ظروف هذه النشأة وكيف تشكلت هذه الفرقة حتى اكتمل تكونها، وهو ما عبر عنه بـ"من عملية الإنبناء إلى البنينة "، وقد رأى أن هناك أسبابا داخلية وأخرى خارجية ساعدت على نشوء هذه الفرقة، وأيضا على اكتمال نشأتها حتى صارت تعبر عن بنية كاملة ومكتملة، هي بنية فكر المعتزلة، لكن من حقنا وحفاظا على سيرورة البحث أن نتساءل عن عناصر هذه البنية، وهل تشكل بدورها رؤية للعالم... ينتبه الاستاذ بلمليح إلى هذا منذ البداية فيقول: "بعد التوضيح الذي مر بنا للتطور العام...نستطيع أن نتحدث الآن عن هذه الفلسفة باعتبارها بنية، أي نظاما فكريا ذا عناصر مستقل بعضها عن بعض، وذات علاقات متبادلة فيما بينها، وعلى الباحث أن يحدد عناصر البنية أولا، ثم العلاقات المتبادلة بينها ثانيا" (ص 66 )، إنها نفس العملية التي ارتأى الأستاذ إجراءها مع فكر الجاحظ كبنية وكرؤية مستقلة من بعض النواحي، فهل نحن أمام تحديد ثان لرؤية ثانية أعمق من الأولى وأشمل منها ؟ فلنتتبع معه تحديد عناصر البنية، قبل الإقرار بكونها رؤية أم لا:

يحدد الأستاذ بلمليح عناصر بنية فكر المعتزلة في ثلاثة عناصر هي: الله – الإنسان – العالم، ودائما وباعتبار الإنسان هو المقصود والأهم في كل الدراسات، فسوف نركز على كيفية نظرة المعتزلة إليه:

- الإنسان: إن الإنسان، كما عند الجاحظ، يعتبره المعتزلة مخلوقا حيوانيا، لكن ما يميزه عن سائر الحيوان هو عقله، ذلك الحارس الذي يحرس شهواته ونفسه، ولا يتركها تتغلب على الإنسان فتضيعه، فالعقل عقال، يعقل الإنسان عن المهالك والمآزق الشهوانية، غير أنه في نظرهم، غير كاف (أي العقل) لتوجيه الإنسان نحو الصلاح دون توجيه من الله تعالى (من ص 71 إلى 73)، ثم يطرحون مسألة الحرية المرتبطة بالإنسان، فيعتبرون الإنسان غير مجبر، وإلا فإن الله ستلحق به كل المعاصي التي يرتكبها البشر، ولهذا فالإنسان حر مخير في أفعاله طالما أنه مميز عن سائر المخلوقات بالعقل (من ص 73 إلى 75)، وإذن، فهل هناك علاقة بين عناصر هذه البنية ؟

التتمة في المقال اللاحق بإذن الله