وديع فلسطين وكرامة الإنسان

، بقلم إبراهيم خليل إبراهيم

الكاتب منذ فجر التاريخ له مكانته السامية ومن مقاييس تقدم الأفراد والأمم والشعوب والدول احترامها وتقدير لمبدعيها ومفكريها ورموزها وقد نجد بعض التجاوزات من الموظفين في بعض جهات العمل تجاه الكتاب والرموز ولكن يجب ألا يمر ذلك بدون عقاب رادع وقد حزنت كثيرا وبكيت عندما ذهب الكاتب الكبير وديع فلسطين بصحبة أم محمد التي تساعده لصرف معاشه بالفيزا كارت لم يجد شيئا فذهب الكاتب الكبير وديع فلسطين بصحبة أم محمد إلي مكتب التأمينات الاجتماعية الكائن في سانت فاطيما بمصر الجديدة وعندما سألت عن أسباب عدم وجود معاش الكاتب الكبير أخبروها بأن المعاش موقوف بسبب قرار وزيرة التضامن الاجتماعي بوقف معاش كل من تجاوز عمره التسعين عاما للتأكد من أنه لا يزال حيا وطلبوا منها أن تحضر وديع فلسطين.

بالفعل ذهبت أم محمد إلى مكتب التأمينات ومعها الكاتب الكبير وديع فلسطين البالغ من العمر 94 سنة فأخبروها بضرورة ذهابه إلى مكتب تأمينات عين شمس التابع لمكتب تأمينات منشية الصدر وهناك تركت الكاتب فى الدور الأرضى وصعدت إلى الدور الثالث وقابلت الموظفة المختصة فطلبت منها أن تصعد بالكاتب إلى الدور الثالث فقالت أم محمد للموظفة: لايوجد أسانسير والرجل كبير في السن وأرجو أن ينزل معى موظف ليراه ويتأكد أنه على قيد الحياة ثم أنه كاتب كبير ومعروف فصرخت الموظفة في وجه أم محمد: فيها كاتب أو بواب مش مشكلتى .. أنزلى هاتيه ومعنديش موظفين ينزلوا يقابلوا حد!!

انصرفت أم محمد من أمام الموظفة وقلبها يعتصر ألما وحزنا والدموع تنهمر من عينيها وأخذت الكاتب الكبير وديع فلسطين وصعدت به السلم بصعوبة شديدة ولما رأته الموظفة وتأكدت أنه هو قالت لهما : سوف يصدر له شيك بالمعاش بعد 15 يوما وعليه أن يحضر بنفسه مرة أخرى ليستلمه وأن ذلك سيكون بشكل شهرى.

حزن وتحسر الكاتب الكبير وديع فلسطين ولم ينم على مدار 3 أيام وتعجب كيف كرمه وزير الثقافة وتعاملت موظفة التأمينات بكل هذه القسوة؟!

علمت وسائل الإعلام بتلك الواقعة وتحدثت عنها حفاظا على كرامة الكتاب والإنسان وقيمة وقدر الكاتب الكبير وديع فلسطين وجاءت مداخلة هاتفية من سامي عبد الهادي مدير صندوق المعاشات بوزارة التضامن الاجتماعي مع الإعلامية لميس الحديدي في برنامجها هنا العاصمة المٌذاع عبر قناة سي بي سي التليفزيونية الفضائية وقال: إن الإساءة للكاتب والأديب وديع فلسطين لم تكن مقصودة وأن مراقب الجهاز المركزي للمحاسبات طلب التحقق من 10 حالات من المعاشات وكان منهم الكاتب وديع فلسطين وفور وصول الخبر إلى وزيرة التضامن الاجتماعي اتصلت به هاتفيًا وطلبت منه حل المشكلة وزيارة الكاتب الكبير في بيته كما أنه اتصل به وقدم له الاعتذار وعرض له أن يصرف له المعاش بنفسه وقبل الكاتب الاعتذار وأهداه كتابا من إصداراته وتم حل المشكلة بالكامل.

لمن لايعلم نقول أن الكاتب الكبير وديع فلسطين من مواليد عام 1923 في مركز أخميم بمحافظة سوهاج لأسرة قبطية من نقادة بمحافظة قنا وفي عام 1942 حصل على البكالوريوس (صحافة) من الجامعة الأمريكية بالقاهرة ومارس الصحافة السياسية والاقتصادية والأدبية على مدى 67 سنة وتألق نجمه في صحيفتي المقتطف والمقطم خلال الفترة من عام 1945 حتى 1952 وترأس القسم الخارجي وعمل في جميع الأقسام الأخرى وأسندت إليه كتابة المقالات الافتتاحية اليومية التي كانت تنقلها الصحف الأجنبية والعربية كما اختير عضوا في مجلس الإدارة والتحرير وألف وترجم أكثر من 40 كتابا في الأدب والاقتصاد والسياسة والتي قام بتدريسها في الجامعة الأمريكية بالقاهرة في الفترة من عام 1948 حتى 1957 وهو أول من تنبأ بأن نجيب محفوظ سوف يصبح ذا شهرة عالمية وبالفعل فقد حاز على جائزة نوبل للأدب عام 1988 م.

الكاتب الكبير وديع فلسطين شارك في إخراج عدد من الموسوعات منها الموسوعة العربية الميسرة وموسوعة الأقباط باللغة الإنجليزية في 8 أجزاء وموسوعة أعلام مصر والعالم وموسوعة من تراث القبط إلى جانب مئات المقالات التي كتبها ونشرها في مختلف أنحاء العالم العربي وشغل منصب مدير مكتب شركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو) في القاهرة وأشرف على نشر مجلة قافلة الزيت"التي كانت تصدرها الشركة إلى جانب مجلة أرامكو وورلد ماجازين الشهيرة والمتخصصة في البلدان العربية والإسلامية وحضاراتها والتي تعتبر مثيلة لمجلة ناشيونال جيوجرافيك ذات الشهرة العالمية وقد كتب عنه وعن إنتاجه الفكري العديد من الكتاب في مصر والعديد من الدول وهو أحد الأدباء المصريين القلائل الذين لهم شهرتهم في أنحاء العالم العربي وليس في مصر فقط.

أنشأ مع الشاعر الدكتور إبراهيم ناجي رابطة الأدباء عام 1935 وانتخب نائباً لرئيسها وهو أيضا عضو مؤسس في رابطة الأدب الحديث ونقابة الصحفيين المصريين منذ عام 1951 واتحاد كتّاب مصر منذ عام 1981 وعضو مجمع اللغة العربية الأردني منذ عام 1988 وعضو لجنة تنسيق الترجمات التابعة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الملحقة في الجامعة العربية.

قبل أن نفترق أتمنى أن تصدر الدولة قانونا يعاقب كل من يسيىء إلى كتاب ومفكري ومبدعي ورموز مصر.