الأخوان رحباني

، بقلم إبراهيم خليل إبراهيم

الأخوان رحبانى هما عاصي ومنصور ومنذ طفولتهما كانا أشبه بتوأمين.. ولد عاصي سنة 1923 م ومنصور سنة 1925م وبقيا دائماً في ظل والدهما حنا عاصي الرحباني أحد القبضايات.. كان محكوماً عليه بالإعدام من قبل العثمانيين نظرا لتبادل إطلاق النار على الجنود العثمانيين إلا أنه تمكن من الهرب والالتجاء في أنطلياس إلى الشمال من بيروت حيث فتح مقهى في منطقة تدعى الفوار على تخوم البلدة.

كان المكان معروفاً بجماله الطبيعي ومياهه النقية وطقسه اللطيف مما جعله شعبياً لأولئك الذين يبحثون عن جلسة هادئة وسعيدة.

كان يمضي عاصي مع منصور ستة أشهر في المدرسة كل سنة ثم كان يخرجهما والدهما لكي يساعداه في موسم الربيع قانعاً الأم بأن ما حصلا عليه من علم كافٍ لتلك السنة.
نشأ الصبيان في هذا الجو.. تشدد في الأخلاق والسلوك من جهة وموسيقى وفن من ناحية أخرى ومن ناحية ثالثة مناخ قروي بمياه جارية رقراقة خلال الصيف وفي الشتاء أمطار وعواصف ورعود يضاف إلى ذلك عامل مهم جداً لعب دوراً في نشأتهما وهو جدتهما لأمهما التي كانت أيضاً محافظة كالأب لكنها كانت تحفظ الكثير من الحكايات والخرافات عن الأبطال الخياليين وأخبار الحب كما كانت تنظم الزجل وعلى الرغم من كونها أمية كانت تشجعهما على حفظ ما ملكت أيمانهما من هذا الموروث الشعري.

كل هذه العوامل مجتمعة ساعدت في نشوء موهبة الصبيين مع مخيلة غنية ومزدهرة وكان يتضح ذلك عندما كان يحبسهما الأب في العلية لكي يبقيا بعيدين عن بقية الصبيان إذ كان عاصي يخترع حكايات عن الجن وعن ناس لا يكبرون ولا يهرمون لكي يتسلى أخوه الصغير والذي كان يصدق كل ما يقوله.

قال منصور: كانت علامات الذكاء واضحة عند عاصي منذ البداية وكانوا يتوقعون أن يصبح شاعراً أو فناناً في المستقبل أما أنا فكانوا يقولون أني سأصبح قاطع طريق في أحسن الأحوال.
لم تكن مرحلة الدراسة الأولى منتظمة بالنسبة للأخوين رحباني ومع هذا كان عاصي مواظباً أكثر من منصور الذي كان يخترع الحيل والمناورات حتى لا يذهب إلى المدرسة.

كان منصور يحب الشعر منذ طفولته وبدأ أولى محاولاته في كتابة الشعر في سن الثامنة وفي الثانية عشرة من عمره اشترك في مجلة المكشوف ثم في مجلات أدبية أخرى وكان عاصي يشاطره قراءتها بشغف كبير ثم انكبّا على قراءة كتب الفلسفة وكتب طاغور وديستويفسكي ومسرحيات شكسبير.

في عمر الرابعة عشر أسس عاصي مجلة اسمها الحرشاية حيث كتب بخط يده أولى محاولاته الشعرية والقصص المسلسلة باللغة العربية الفصحى والعامية اللبنانية وكان يوقعها بأسماء مستعارة ويذهب ليقرأها من بيت لبيت في نهاية كل أسبوع.
غيرة منصور من أخيه الأكبر دفعته لأن يؤسس مجلة أخرى مشابهه بعنوان الأغاني.. وبدأت المنافسة بينهما وما أجملها من منافسة.

لم تكن أمور المطعم في الفوار على ما يرام فاضطر والدهما إلى بيعه ثم اشترى مقهى صغيراً في منطقة المنيبيع وأفتتح مطعماً في أنطلياس حيث كان يعمل فيه في الشتاء لذا أمضت العائلة سبع سنوات متنقلة بين المنيبيع في الصيف وأنطلياس في الشتاء ثم تدهور وضع الأسرة الاقتصادي فاضطر عاصي ومنصور للمساعدة فعملا في قطف وجمع الليمون ثم انصرفا لمساعدة والدهما في المطعم.

ساعدت بيئة المنطقة الطبيعة على اختزان الكثير من الذكريات والتي استعملاها فيما بعد في أعمالهما.

بعد عام عادا إلى أنطلياس حيث التقيا الأب بولس الأشقر وقد شكل هذا اللقاء تحولاً أساسياً في حياتهما وقتئذ حيث طلبا منه الانضمام إلى جوقة الصلاة والتراتيل التي كان يعلمها فوافق على انضمام منصور فقط ولم يأخذ عاصي لأن صوته كان قد بدأ يجمع بين الخشونة والنعومة لكنه سمح له بتعلم الألحان.

ذات مرة كان الأب بولس يشرح نظرية التيتراكورد لطلابه فاكتشف أنه لم يتمكن أحد من استيعابها لكن عاصي الذي كان يقف فى الخارج عند الباب قال أنه يستطيع شرحها فدعاه الأب بولس وقال له: إذا أعدت شرح النظرية سأعلمك الموسيقى.. وبالفعل تمكن عاصي من شرح النظرية وبدأت مرحلة تعلم الموسيقى.

تعلّما العزف على البزق تعليما ذاتيا وذات يوم وجد عاصي عشر ليرات على أرض المقهى فأخذها واشترى كماناً وعزف عليه بالإضافة إلى متابعة دراسته الموسيقية على يد الأب بولس الأشقر.

درسا علم الهارموني وتاريخ الموسيقى الشرقية من كتب نادرة كانت بحوزة الأب بولس وسرعان ما جاءت مرحلة التأليف وكان أول عمل نشيداً بمناسبة عيد الأب بولس الأشقر ثم كانت الألحان الدينية خاصة المزامير بالاشتراك مع الجوقة.

مع هذا لم تقتصر موهبتهما على الموسيقى فقط حيث كان شغفهما بالمسرح كبيراً.. تعرفا إلى المسرح في مدرسة فريد أبو فاضل والمدرسة اليسوعية في بكفيّا وبرغم عدم وجود حركة مسرحية نشيطة في لبنان في ذلك الوقت إلا أن ذلك لم يمنعهما من تقديم أعمالاً مسرحية هنا وهناك عندما تسمح الظروف ثم أصبح المسرح هاجساً لديهما إلى أن كتب يوسف لويس أبو جودة مسرحيات لهما خصيصاً بالعامية اللبنانية.

قبل أن يبلغا سن الرشد أسسا نادي أنطلياس الثقافي حيث حاولا من خلاله تقديم بعض النشاطات الثقافية والاجتماعية بمساعدة شبان البلدة.

قدما حفلات غنائية ثم وضعا ألحاناً لإدخالها في المسرحيات وكانت باكورة أعمالهما مسرحية وفاء العرب التي ألّفاها ولحناها ومثّلا فيها وجسد عاصي فيها دور النعمان الثالث وجسد منصور دور حنظلة ثم جاءت مسرحيات أخرى كانت إما من تأليفهما أو بالمشاركة مع آخرين.

في عام 1944م بدأت مرحلة جديدة في حياتهما الفنية وذلك بتقديم مسرحيات غنائية طويلة وذات قصة كما نظما ولحنا أغنيات قصيرة لا تتجاوز مدتها دقيقتين أو ثلاث دقائق والتي كان لها حضوراً إيجابياً في إذاعة دمشق وإذاعة الشرق الأدنى حيث تجاوب معهما قيادات تلك الإذاعات ووجدوا فيها نمطاً جديداً للأغنية التي كانت سائدة فى ذلك و لكن التدهور المالي للعائلة لم يسمح باستمرار النشاط الفني ففي سن السادسة عشر انضم عاصي إلى سلك البوليس بعد أن اضطر إلى تكبير سنه كي يحق له التقدم إلى الوظيفة ثم فعل منصور نفس الشيء.

كان عمل عاصي في البوليس في أنطلياس وكان البوليس الوحيد فيها وكان رئيس البلدية وقتها وديع الشمالي محباً للفن وعازفاً على الكمان مما شجع عاصي على الهروب من وظيفته ليمارس هوايته ويعود في آخر الشهر ليقبض المعاش.. أما منصور فقد كان عمله كبوليس في قسم الأمن العام في بيروت وكان يهرب أيضا من وظيفته ليحضر الحفلات الفنية.
كان العمل الفني ممنوعاً عليهما باعتبار أنهما يعملان في سلك البوليس لكن هذا لم يكن ليمنع سعيهما نحو الفن.. كانا يتنكران بثياب مختلفة وأحياناً يضعان شوارب مستعارة لكن لم يوفقا في إخفاء شخصيتهما الحقيقية كل الوقت وكاد أن يقبض عليهما في أكثر من مرة لكن في كل مرة كانا يستطيعان التملص بطريقة أو بأخرى وبشكل أساسي لأنهما كانا أولاد حنا الرحباني المعروف والمحترم.

بعد الحرب العالمية الثانية قرر عاصي مع منصور الانتقال من الهواية إلى عالم الاحتراف وكانت الإذاعة الطريق الوحيد للانطلاق في المجال الاحترافي.

تعرفا في البداية على إيليا أبو الروس وكان عليهما الخضوع لامتحان فقدما في الامتحان بعضاً من أعمالهما الخاصة إلا أنها لم تلق ترحيباً من قبل اللجنة الفاحصة باستثناء ميشيل خياط .. ومن إدعاءات أعضاء اللجنة أن تلك الأغاني تتضمن كلمات غريبة وغير مألوفة في الأغنية العربية عموماً واللبنانية بشكل خاص مثل ليش وهيك وجرد.. هكذا رفض كورس الإذاعة ومطربوها أن يغنوا للرحبانيين فأحضرا أختهما سلوى وأسمياها نجوى لتؤدي أغانيهما في الإذاعة.

حول هذا قال منصور: جئنا بتفكير شعري وبموسيقى مغايرة.. غيرنا كل شيء.. لماذا ؟ لا أعرف.. تأثرنا بمحمد عبد الوهاب وسيد درويش والعديد من الفنانين.. لكن عندما جئنا لنكتب كتبنا بلغتنا الخاصة فعلى الفنان أن يقول جديداً وإلاّ فليصمت.. كانت الأغاني في الإذاعة تقدم بشكل حي دون تسجيل مسبق ومع استمرار تقديم أعمالهما بدأ يؤمن بهما بعض الأشخاص مثل فؤاد قاسم رئيس الإذاعة الذي تبنى أعمالهما.

استقال عاصى من سلك الشرطة وكان يذهب إلى عمله في الإذاعة على الدرّاجة وكان من نتائج اقتناع فؤاد قاسم بالأسلوب الرحباني أن أصدر قراراً يمنع فيه بث أية أغنية تتجاوز مدتها الخمس دقائق مما أدى إلى انحسار تيار الأغنية الطويلة.

منذ ذلك الحين صار المعجبون بأغاني الرحبانيين يزدادون ومن بين هؤلاء المخرج صبري الشريف و محمد الغصيني اللذين كانا مديرين في إذاعة الشرق الأدنى في قبرص.
استقال منصور أيضاً من وظيفته في البوليس وتابع دراسة الموسيقى مع عاصي وتوفيق الباشا على يد برتران روبيّار الذي علمهما قواعد الموسيقى الغربية لمدة تسع سنوات والموسيقى الشرقية لمدة خمس سنوات وأصبح الأخوان رحباني من بين أكثر الموسيقيين اللبنانيين تعلماً للموسيقى.

من بين الأشخاص الذين تعرفوا على عاصي ومنصور في تلك الفترة خليل مكنية عازف الكمان المعروف وابن أخته توفيق الباشا وزكي ناصيف معلم الموسيقى وعازف البيانو وصاحب الصوت الجميل لحاج نقولا المني وحليم الرومي وفليمون وهبة وأحمد عسّة الذي كان مديراً للإذاعة السورية والذي فتح لهما بابها على مصراعيه.

بانتقال إذاعة الشرق الأدنى من قبرص إلى بيروت حصل تغيير كبير في مجال عمل الرحبانيين وأخذت أغانيهما تصل بسرعة إلى آذان المستمعين ومن بين تلك الأغاني القديمة نذكر زورق الحب ويا ساحر العينين وسمراء وهل ترى يولا وكانت تؤديها أختهما سلوى أو نجوى كما أسمياها وهكذا حتى جاءت فيروز.

عندما التقى عاصي بفيروز للمرة الأولى كان موظفاً في الإذاعة وكانت فيروز مغنية في الكورس في نفس الإذاعة وقد قدمها حليم الرومي لبعض المتخصصين.. في البداية اعتقد عاصي أن صوت فيروز غير مناسب لأداء الأغاني الغربية لكنه كان مقنعاً بالنسبة لحليم الرومي .
بدأ عاصي فى كتابة الأغاني لفيروز وظل لمدّة ثلاث سنوات يقنع المسئولين في الإذاعة بموهبتها وقدراتها الفنية ... إذ أن الأصوات الرائجة في تلك الفترة كانت أصوات نجوى وحنان وأخريات.

هيّأ الرحبانيان لفيروز انطلاقة رحبانية محضة وخضع صوتها للكثير من التجارب فقد غنت الألوان الأوروبية ثم الألوان الشرقية الصعبة مع مختلف الأوركسترات وكانت دائماً تثبت جدارتها وتكونت لديها خبرة لم تحصل عليها أية مطربة أخرى.. كان هم الرحبانيان هو خلق موسيقى لبنانية ذات هوية واضحة.. عادا إلى الفولكلور والماضي وأخذا بعض الأغنيات وأعادا توزيعها دون تغيير فى الكلام.

في مرحلة لاحقة صارا يخلطان الألحان الفولكلورية ببعضها البعض مثل أبو الزلف والدلعونا مع عالماني الماني في أغنية واحدة مع كلام من تأليفهما مما أوقع البعض في الالتباس حيث ظنوا أن الكلام هو في الأساس قديم بينما هو رحباني صرف.

تبع ذلك تأليف أغانٍ شعبية مثل عتاب وراجعة وغيرها من الطرب الشعبي اللبناني حيث تشكّلت هويتهما الفنية كموسيقيين لبنانيين بشكل واضح .. فيما بعد أحسا بضرورة أن يكون للبنان موسيقاه الراقصة الخاصة به وكانت الموسيقى الدارجة وقتها التانجو والجاز والبوليرو والسلو وغيرها من الألحان الغربية فصارا يأخذان مقاطع من هذه الموسيقى ويضعان لها كلاماً لبنانياً وتوزيعاً موسيقياً جديداً دون ادعاء بأنها لهما بل كانا يقولان أنها مقتبسة ومعرّبة إلى جانب ذلك وضعا لوناً لبنانياً راقصاً مثل نحن والقمر جيران ووضعوا إيقاعات راقصة لأغانٍ فولكلورية مثل يا مايلة عالغصون والبنت الشلبية.

بالنسبة للشعر كانت البداية بالقصيدة القصيرة المختصرة التي لا تتجاوز مدة غنائها بضعة دقائق أما بالنسبة للموشحات التي كادت أن تنقرض فقد جمعا وأعادا إحياء الموشحات من جديد وعملا لها توزيعاً موسيقياً جديداً وزادا على كلماتها وكان استقبال الناس لها عظيماً ثم صارا يؤلفان موشحات خاصة بهما.

فى صيف عام 1954 م تم زواج عاصي وفيروز وأنجبا زياد وهلي وليال وريما وفي عام 1955م حضروا جميعاً إلى مصر لأجل الإطلاع على شئون الفن فالتقوا بالإذاعى أحمد سعيد مدير إذاعة صوت العرب وعرضوا عليه تقديم عمل للقضية الفلسطينية.

أقترح الإذاعى أحمد سعيد أن يسافر الرحبانيان إلى غزة ليستمعا إلى الموسيقى والشعر هناك فاعتذرا لخوفهما من ركوب الطائرة وعندما استمع إلى بعض الأغاني المسجلة وجدا أنها مفعمة بالبكاء والنواح ولذا طلب الإذاعى أحمد سعيد تقديم شيئاً بطريقتهما الخاصة وبالفعل كانت أغنية (راجعون) وبعد ذلك وضع الأخوان رحباني مجموعة من الأغنيات عن القضية الفلسطينية مثل سنرجع يوماً وزهرة المدائن.

في عام 1956م اضطرت إذاعة الشرق الأدنى إلى التوقف عن البث بعد أن قاطعها الكثير من الموسيقيين ومنهم الأخوين رحباني استنكاراً لمواقفها السياسية.

عندما بدأت مهرجانات بعلبك في لبنان كان منظموها يستعينون بفرق أجنبية من مختلف أنحاء العالم ولكن بداية من عام 1957م ولدت الحاجة إلى تقديم فن لبناني في هذه المهرجانات فكان الرحبانية أول من استدعوا وأوكلت إليهم مهمة التلحين فقط في البداية لكن عاصي أصر على استلام المهرجان كله وكانت اللجنة المنظمة ضد أن تكون فيروز هى المطربة لكن عاصي أصر على موقفه وقال للجنة (أنهم لا يعرفون فيروز وأنها ستغني شيئاً مختلفاً عن المتوقع كما عرض أن تتقاضى فيروز ليرة لبنانية واحدة فقط) وقد كان.

في ليلة الافتتاح عمد المخرج صبري الشريف إلى وضع فيروز على قاعدة عمود وسلّط عليها الأضواء من أسفل ومن زوايا مختلفة فظهرت وكأنها تسبح في الفضاء عندما بدأت تغني لبنان يا أخضر وكان هذا المشهد مبهرا للجمهور الذي اشتعل له تصفيقاً في موجة بين التأثر والبكاء والغبطة.

قدمت الحفلة لليلتين فقط كما كان مقرراً وفي كل ليلة كان هناك حوالي خمسة آلف مشاهد وكان بينهم الرئيس كميل شمعون.

لكن المهرجانات ألغيت في السنة التالية بسبب الأحداث التي جرت فى لبنان وفي عام 1959م عاد المهرجان وقدم الرحبانيان المحاكمة بطولة فيروز ووديع الصافي.

حمل عام 1960م بشرى ولادة عصر جديد في مسيرة الرحبانيان وذلك بتقديم المسرحيات في بعلبك ومناطق أخرى بالاشتراك مع صباح ووديع الصافي ونصري شمس الدين ثم لبعلبكية عام 1961م.

بعد عرض مسرحية جسر القمر في بعلبك ودمشق فى عام 1962م تم عرض مسرحية عودة العسكر على مسرح سينما كابيتول وبعدها بعام شهد مسرح كازينو لبنان مسرحية الليل والقنديل.

في عام 1964م اتصل بهم منظمو مهرجانات الأرز وطلبوا منهم تقديم برنامجاً شبيهاً لبرامج بعلبك.. قدم الرحبانيان وقتها مسرحية بياع الخواتم والتي تعد تجربة مختلفة كلياً لكونها مسرحية مغناة من البداية إلى النهاية وحضرها عشرة آلاف شخص فى الليلة الأولى وأحد عشر ألفاً فى الليلة الثانية وكانت تلك ظاهرة فريدة.

وفى عام 1965 م عرضت مسرحية دواليب الهوا مع صباح ونصري شمس الدين على مسرح بعلبك وبعدها مباشرة قدموا مع فيروز حفلة غنائية في قصر بيت الدين و لقيت نجاحاً كبيراً ولحق بهم الناس من بعلبك إلى بيت الدين.

كان النجاح حليفهم أينما ذهبوا وباتت الدعوات تأتيهم من كل حدب وصوب ففي عام 1967 م عرض عليهم الأخوة عيتاني تقديم عمل على مسرح البيكاديللي كل سنة وبدأ الرحبانيان بتحضير برنامجاً لمهرجانات بعلبك أو الأرز في الصيف وبرنامجاً آخر لدمشق وواحد ثالث لمسرح البيكاديللي في الشتاء كل هذا بالإضافة إلى الحفلات الغنائية خارج لبنان وسوريا.

كانا يعملان في المكتب والبيت.. يكتبان.. يلحنان.. يدرّبان ويخططان ليل نهار وكانت غزارة إبداعهما فريدة من نوعها وغير مسبوقة على الإطلاق.

كانا يعملان كل لوحده ومع بعضهما.. أحدهما يكتب والثاني يلحن والعكس حسب انشغالهما بالعمل .. امتزجت أعمالهما بعضها ببعض.. لم يقوما بفصل عمل أحدهما عن الآخر مطلقاً وكانت الأعمال تصدر وتوقع باسم الأخوين رحباني.

عندما كان يحدث اختلاف في الرأي كانا يلجأن إلى استشارة الأصدقاء ليبتّوا فى الأمر وكم من مرة تدخلت جدتهما لتحسم الأمر لصالح عاصي صارخة في وجه منصور: اسكت.. أخوك أكبر منك وهو دائماً على حق.

عندما تأسست محطة تليفزيونية جديدة في لبنان وطلب من الرحابنة إعداد برنامجاً موسيقياً ليوم الافتتاح وبعد الإصرار على شروط إعداد البرنامج ليتناسب ومستوى أعمالهما قدما أول عرض تليفزيوني لهما ( حكاية الإسوارة ) وكان النجاح باهرا وبعدها استمرت المحطة في طلب المزيد من البرامج لكن الأخوين رحباني كانا يعتذران عن تلبيتها لئلا يحترقا من كثرة الظهور على الشاشة الصغيرة فضلا على حرصهم فى بقاء الأعمال المسرحية التي يقصدها الناس إلى المسرح بدلاً من أن تذهب هى إلى بيوتهم بالسهولة التي تقتل الفن عادة لكنهما لم يقطعا الصلة بالتليفزيون كلياً فمن فترة لأخرى كانا يقدمان برنامجاً ذات أصداء كبيرة .. كتبت عنه الصحافة وطلبوا الناس إعادة بثه مراراً ومن بين تلك البرامج: دفاتر الليل وليالي السعد وضيعة الأغاني والقدس في البال وبرنامج لعيد الميلاد وآخر لعيد الفصح وكانت النجمة دوما فيروز.

بعد ذلك أوقف الرحابنة العمل للتليفزيون خاصة بعدما أدركا أن محطات التليفزيون لن تدفع بسخاء من أجل أعمالهما.

صارت فيروز قضية وطنية عامة تغني هموم الإنسان ومع استمرار النجاحات المتوالية وصل الرحبانيان إلى قمة فنية جديرة بكل التقدير.

في يوم من أيام شهر سبتمبر عام 1972م وبعد تقديم مسرحية ناطورة المفاتيح في بعلبك وأثناء العمل فى الحلقة الرابعة عشرة من مسلسل (من يوم ليوم ) بدأ عاصي يعاني من آلام مبرحة في رأسه وفقد القدرة على التركيز وأسعف بسرعة إلى المستشفى وكان التشخيص نزيف حاد في الدماغ.

قرأ الناس الخبر في صحف اليوم التالي فهرعوا إلى المستشفى خائفين قلقين ضارعين لله أن ينجي عاصي.. بعد مداولات سريعة بين الأطباء استدعي جراح أعصاب من فرنسا وأدخل عاصي غرفة العمليات ونجحت العملية في إيقاف النزف وتمكن عاصي من إعادة تأهيل نفسه ليعود إلى حياته الطبيعية.

كانت (المحطة) أول عمل قدم بعد شفاء عاصي حيث لحن فيها أغنية (ليالي الشمال الحزينة) وكانت أول أغنية لحنها بعد مرضه واستمر فى التلحين بعد ذلك وطلب منصور من زياد أن يعملا معا فى أغنية تقدم كتحية من منصور وزياد وفيروز إلى عاصي وأخبره زياد أن لديه لحناً بدون كلمات.. سمع منصور اللحن وأعجب به وكتب كلمات أغنية سألوني الناس له.

في الليلة الأولى للمسرحية قوبل عاصي بعاصفة من التصفيق عندما دخل مسرح البيكاديللي.

عاد عاصي إلى عمله واستعاد جميع صلاحياته في المكتب لكنه كان إنساناً آخر.. كان يضحك بدون ضوابط لكنه استمر بالتلحين وكان غالباً ما يستدعي منصور ليقوم بكتابة النوت الموسيقية لأنه لم يعد يطيق صبراً على الكتابة.

فى نهاية السبعينات بدأت المشاكل في المسيرة الرحبانية وأفضت في النهاية إلى الانفصال التام بين فيروز وزوجها وأخيه عام 1979 م لتبدأ مسيرتها المستقلة.

استمر الرحبانية فقدما مسرحيتي المؤامرة عام 1980 والربيع السابع عام 1984م لكن صحة عاصي بدأت فى التدهور سريعاً ودخل في حالة غيبوبة إلى أن جاء صباح يوم الحادي والعشرين من شهر يونيو عام 1986م معلنا رحيل عاصى إلى الدار الآخرة.

هكذا كانت المسيرة الفنية التى جمعت ثلاثة عمالقة ومع عاصي ومنصور وفيروز وصل الفن اللبناني إلى القمم جمالاً ورقياً وكانت له في ذاكرة الناس ووجدانهم الآثار التى يصعب قياسها.