شاعر القدس

، بقلم جورج سلوم

لا ألوم القارئ إذا لم يشترِ ديواناً للشعر في هذا الزمان..

فكفى بالديوان المطبوع قراءة الإهداء..أو قراءته لمجرّد النقد ونتف أرياش الكاتب..أو انتقاد دار النشر لتبنّيها شاعراً كهذا.

فكلما قرأت شعراً..أشعر أنني قرأته من قبل.

لا أدري أين..ومتى..وضاع المؤلف في زحمة الشعراء.

لماذا لم نعد نرى جديداً..إلا إذا خلط الشاعر الحابل بالنابل..فيخرج بجُملٍ أعيد تدويرها.؟

لا داعي للوقوف على الأطلال..فبلادنا كلها أطلالٌ خربة!

وكأنّ قرض الشعر أصبح مؤلماً كقرض المصرف التجاري...لماذا نشتري كلاماً وقد شبعنا قصائداً..وأتخمنا خُطباً..فليسقط التنديد..ولن يفلّ الحديدَ غيرُ الحديد.

لقد كان الغضب الساطع آتياً إليك يا قدس..ولكن تأخر قليلاً بسبب زحمة المرور.

قالوا فيك الكثير من الشعر..ولكنه سقط عندما سقطت ِ

لم تعد تطلب القدس منكم شيئاً..سوى الوقوف دقيقة صمت على أعتابها..وبصمتكم تسمعون أنينها..فالصمت في هذه المواقف أبلغ من الكلام.

الشِّعر (بكسر الشين)..أصبح مفتوحاً..حلقوه لنا على أعتابك..فأصبح شعرنا صفراً..ورأسنا أجرد..فلنغطيه بعمامة أو كوفية أو حطاطة..لنبقى عرباً..

هل سيحلقون ذقوننا؟..لا أظن..بل سيضعون لها الأسمدة لتنبت وتطول حتى تغطي عوراتنا.
وقال أحدهم منتفضاً:

حبيبتي ضجيجها صامتْ
وقلبها باهتْ
كتفاحةٍ معجونةٍ باللهيب
وقلعةٍ اشتاقت للنحيب
وخيمةٍ مشدودةُ الأوتاد..
إلى صدر الحبيب!
حمّالة صدرها برجٌ..ضاقَ بالنهود
حلماتُها ضرعٌ..وفاضَ بالحليب!!!

والله أنا لم أفهم شيئاً..ولا أنت..إنها خزعبلاتٌ تبحث عن قافية..وهرطقاتٌ سكرى اشتاقت لرصف الكلمات..والمعنى في قلب الشاعر.

فإذا كان الشاعر مغموراً..ضحكنا عليه وصحّحنا مفرداته.

وإن كان مشهوراً..اعتبرنا أنفسنا أقلَّ من أن نرقى إلى سموّ أفكاره.

ولكن لمن يوجه تلك الكلمات؟؟..ولماذا لا يعبر بوضوح عم يريد؟..

قل لنا يا أخي..أفصح عمّ تريد ولو بلغة الشوارع...وإلا فاقرأ أشعارك لوحدك.

شعرنا السابق (الذي اختلط فيه اللهيب بالحليب)..قاله صاحبنا عند حصار برلين..وقاله عندما تحطم جدارها..وبُعيد النكسة..وعند حصار غزة..وقاله مدافعاً عن المرأة..والآن يبكي به على القدس!..وسيقوله..ويرددونه من بعده..كشاعرٍ من شعراء النضال.

(ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون ,والشعراء يتبعهم الغاوون)..فبالله عليكم إلى أي منقلبٍ سينقلبون؟


جورج سلوم

شاعر سوري مقيم في المكسيك

من نفس المؤلف