في علم اجتماع الفرد

عن دار شمس للنشر والاعلام في القاهرة صدر كتاب جديد للأديب والباحث العراقي وديع العبيدي بعنوان: [في علم اجتماع الفرد- خمسون حديثا عن الواقع واللامعقول واللغة]، ويضم جانبا من اشتغالات الكاتب الاجتماعية التي تعود بداياتها الاولى في اطار مجلة ضفاف الثقافية التي اصدرها في النمسا خلال [1999- 2005م] وعاد لاستكمال مرحلتها الثانية في جريدة العرب الاسبوعي اللندنية للأعوام [2006- 2008م]. وتشكل النقلة الألفينية: العولمة وما بعد الحداثة، محور تلك الاشتغالات وانعكاساتها على منطقة العرابيا وشرق المتوسط، على مستوى الفرد والمجمع.

"عندما أنظر الان حواليّ وأستذكر ما مرّ، اعترف أنها حياة سيئة، ولكني لا ألوم نفسي لآني لم أنتهزها، ولم احول هزائمها الى انتصارات في جعبتي. ان كل تعامل مع السيء هو سيء. وكل ما يخرج من السئ فهو سيء.. ربما يخالف هذا ارادة الحياة وارادة البقاء. ولكن ما قيمة الوجود في منظومة سيئة، او زمن سيء؟"/ ص159

هكذا يسجل المؤلف لحظة الراهن الاخيرة، ليخرج منها بسؤال مؤداه: اذا كان الواقع سيئا فلماذا نعيشه؟.. لماذا نعيش في واقع سيء؟../ ص253

يرى الباحث في هذا الكتاب ان الفرد بالمعنى العام - اولا، والفرد الانسان بالمنظور القيمي- ثانيا، هو الهدف/ العدو والضحية الأول والأخير لعملياتية العولمة وجوهرها الفكري والفلسفي المتمثل بما بعد الحداثة/ [postmodernism].

فمنهج الكتاب يربط بين الانسان والواقع. ويرفض ان يكون الانسان جزء/ تابعا من صيرورة الواقع. فالانسان لديه هو مركز/ دينمو الوجود، ومبدع لحظته الآنية/ التاريخية. ومنذ طفولة الانسان، نجح بعقله ومجهوده الفردي في الخروج من البرية الى القرية، ومن الغابة الى المدينة، وهو ما يتعارف عليه بالحضارة التي هي منتوج بشري.

ان كل ما يمت للواقع بصلة هو منتوج بشري، بدء من السكن والثياب والطعام ووسائل المواصلات والاتصال واللغة واساليب التعبير والتوصيل والتلقي. الانسان هو الصانع والمبدع والمنتج والمستهلك والمجدد والساعي للجديد والافضل دائما.

وبحسب مستوى منتوج الانسان وسعيه العقلي، يكون مستوى الواقع وطبيعته. الواقع الغربي غير الواقع العربي، ومجتمعات الشمال غير مجتمعات الجنوب. العقل الخامل ينتج واقعا خاملا متخلفا ورجعيا. والعقل المبدع ينتج واقعا متقدما وخلاقا.

الانتاج يساعد في تحقيق الاكتفاء الذاتي والسيادة والتصدير وتحقيق التراكم والسيطرة، بينما الخمول والكسل التاريخي ينتج حالة الطفيلية والتبعية وثقافة الاستهلاك والحاجة الانتهازية والعبودية.

وقد عاش العرب في العصر الحديث عالة على منتجات الغرب، ولم يصلوا مستوى وعي النهضة والاتكال على الذات، وبناء منظومة تكامل ذاتية، للخروج من دائرة الوصاية الاجنبية.

ومن الملاحظات التي يتوقف لديها الكتاب بجرأة ودقة عملية، انه بينما كان الغرب يتّجه لحماية نفسه وتدعيم كيانه بإنشاء اتحادات ومنظمات إقليمية وأممية ذات صفة سيادية، كانت بلدان العالمين العربي والإسلامي تستغرق نفسها وإمكانياتها في أزمات محلية وخارجية، من باب الاستعداء والمنافسة التدميرية.

ومع تطور رؤى ستراتيجية المركزية الغربية التي تنظر لمستقبلها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعسكري ككل متماسك ومتعاون، على صعد المحلية والدولية، بقيت الرؤية الستراتيجية غائبة إطلاقا في العقل السياسي العربي والمسلم، وبقيت ظاهرة التشوه القطاعي وأمراض النظام السياسي وعقدة الحكم والفردية، هي الطابع العام للشرق.
وبسقوط الأنظمة الوطنية مع بداية الألفية، فقد المواطن غطاء المواطنة والنظام والقانون الذي كان يحمي حقوقه وينظم واجباته، ويحفظ كيانه الفردي في مواجهة القوى التقليدية والمافيات والغزو الخارجي.

إلغاء الدولة الوطنية، عنى إلغاء الحدود الجغرافية السياسية التي تمثل الهوية الوطنية والهوية الفردية للمواطن، ليجد الفرد نفسه، بذلك الغياب عاريا ومباشرة في مواجهة العالم/ الفك المفترس/ التمساح، في صورة المنتجات السلعية للشركات الاجنبية عابرة للقارات من جهة، وفريسة للغزو الالكتروني المتمثل بشبكة النت والهاتف الفضائي وشبكات التواصل الاجتماعي، ومن غير أي حماية وطنية او قانونية او غطاء أخلاقي.

ثمة اصطلاحان قامت عليهما عقلية الاستشراق الاوربي: [destrection] و [re-construction]، وذلك في خضم روح المغامرة الغربية لمفارقة الواقع والبحث عن الجديد، غير الممألوف وغير المعروف. ظهرت تطبيقات الاصطلاحين في مجال البحث في اللغة والنقد الادبي والفني والمعماري، تمهيدا لتفكيك اللغة والدلالة والمعنى والمصطلح، قبل انتقالها الى جال التكنولوجيا والاتصالات والعلاقات العامة والدولية.

فبعد تفتيت كيان الدولة وتفكيك مؤسساتها الوظيفية والخدمية، أصبح الفرد هدفا للتفتيت والتفكيك والتعرية وتجريده من أية مقومات مادية اجتماعية او قيمية أخلاقية، وبشكل يقوده الى شبكة التمساح الرأسمالية، لما يسمى تأمين مكان في خيمة العولمة/ الشبكة. ومن يبقى خارجها، يكون وحيدا مغتربا متوحدا ولا يجد دعما او غطاء او تعزية، وسوف يتخلّى عنه الجميع بدءاً من العائلة والأصدقاء، الى مؤسسة العمل والفكر والدين، المنصرفة لتأمين مصالحها ضمن المنظومة الجديدة.

ويشكل علم الاجتماع، الاطار الذي تدور هاته الأبحاث والرؤى في إطاره، فهو الرابط المشترك بين القيمية الإنسانية من جهة والوجودية الإنسانية من جهة مقابلة. فاذا كانت رؤى الاستشراق الجديد وما بعد الحداثة، تشكل انقلابا ونفيا للمنظور الإنساني لفلسفات الحداثة والتنوير. يستخدم العبيدي نفس الأدوات لنفي أفكار الـ"بوست مودرن" وإثبات خوائها الأخلاقي والروحي والإنساني، بوصفه نتاج نزعة تدميرية، تعكس تفاقم أزمة الرأسمالية الإمبريالية وبحثها عن متنفَّس لتصدير أزماتها خارج المنظومة الغربية.

كتاب [علم اجتماع الفرد] يعيد صياغة المنظومة الاجتماعية وبلورتها في حالة الانسان/ الفرد، مفترضا فيه تكامل بناء الذات وفاعليتها الابداعية. ان مركز علة الشرق هو ثقافته القطيعية المعرقلة لخروج الفرد على منظومتها، او الانفراد بذاتها خارج السرب/ بيت الطاعة. وفي مواجهة كل من الارث التقليدي وتشظيات العولمة، يدعو المؤلف للاهتمام ببناء الذات الفردية وتحصينها لتكون كفئا لوظيفتها الاجتماعية التاريخية، بعيدا عن نظم الوصاية والتأثير عن بعد.
و في إزاء التحولات العولمية والإمبريالية، يدعو المؤلف الرأي العام الإنساني والثالثي الى تشكيل موقف إنساني ستراتيجي لحماية كيانه وقيمه من الذوبان والانسحاق في ماكنة الإمبريالية الرأسمالية، للعبور الى مرحلة الاستقلالية الذاتية والمحصّنة داخليا في إطار العائلة الإنسانية.

ولما كانت فلسفة العولمة والزمن الجديد تقوم على ترويج وتدويل المفردة الإعلامية والمصطلح وتسخيرها لإيقاع التاثير والمنفعة السريعة، يستخدم الباحث في الخمسين حديثا من كتابه مراجعة تلك المصطلحات في منظور علم اجتماع المصطلح وتطبيقاته العولمية المنافية لمعانيها الحداثية الأصلية، فاصطلاحات الثقافة والحداثة والدمقراطية والدين والعنف والإرهاب والأكاديما والعمل والأخلاق، لا تعني اليوم نفس المعاني التي عرفها جيل الآباء، قبل نصف قرن مثلا. ويعاني جيل المخضرمين وكبار السنّ اغترابا فكريا اجتماعيا من جرّاء ذلك.

هذا وقد جاء الكتاب في سبعة أبواب تضمّ خمسين فصلا ومقدمة. ويمكن الاطلاع عليه واقتناؤه على الصفحة الالكترونية لدار شمس للنشر والإعلام.