الرؤية البيانية عند الجاحظ (٣)

، بقلم كريم مرشدي

(تتمة الفصل الثاني من القسم الأول)

كنا قد أنهينا الجزء السابق بتساؤل حول وجود علاقة بنيوية بين عناصر رؤية المعتزلة التي أوردناها ببعض الإختصار في نفس الجزء السابق، يجيبنا الأستاذ بلمليح بأن هناك علاقات متبادلة بين كل العناصر، علاقة تتمظهر كالتالي: فعلاقة الله بالعالم هي علاقة خالق بمخلوق، فالعالم محدَث، وهو بهذا يدلل على هذا المحدِث الذي أحدثه، وإذن فالعلاقة بين الله والعالم علاقة دال بمدلول، ويمكن أن نقتبس المخطط التالي من الكتاب المدروس لندلل على هذه العلاقة هكذا:
خلق ــــــــ

الله ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ العالم

ــــــــــــــــــ

برهان
وعلاقة الله بالإنسان هي علاقة خالق بمخلوق، لكنه يتميز عن باقي المخلوقات بالعقل والإستطاعة على الفعل ويتميز بالحرية في الإختيار، فالإنسان حر ومستطيع بعقله وقدرته النسبية على اكتساب الفعل، وهذه دليل على عدل الله، فعدل الله يتحدد بحرية الإنسان واستطاعته، ونوضح أيضا هذه العلاقة كالتالي:

عدل ــــــــــــــ الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإنسان

ــــــــــــــــــ

حرية

أما علاقة الإنسان بالعالم، فهي علاقة مخلوق عاقل بمخلوق غير عاقل، وواجب العاقل التأمل في العالم الذي يدلل على وجود الخالق: فالعالم بالنسبة للإنسان موضوع تفكر وتدبر وتأمل، وذلك حتى يتبين وجود الخالق، ويمكن أن نوضح هذه العلاقة اقتباسا من الكتاب المدروس كالتالي:
بيـــــان
ــــــــــــــــــــ

العالم ـــــــــــــــــــــــــــــــــ الإنسان

ـــــــــــــــــــــ

تعقل وتدبر

من خلال ما سبق، فنحن أمام بنية متكاملة البناء، وذات عناصر مستقلة الواحد منها عن الآخر، لكنها تدخل – دائما – في علاقات متبادلة ومنسجمة مع بعضها. إننا أمام بنية تتصعد إلى مستوى الرؤية للعالم، لأن ما يحدد الرؤية هو أنها بنية من العناصر المنسجمة تعبر عن نظرة مجموعة ما للعالم والواقع، تصوغها في إحدى القوالب التعبيرية. وعلى هذا سوف يكون الأستاذ بلمليح قد قام بمجهودين، وذلك بالبحث عن رؤيتين للعالم متداخلتين، لكنهما منفصلتان باعتبار الخصوصيات التي تربط كل رؤية بصاحبها، فرؤية الجاحظ بيانية – لسانية، ورؤية المعتزلة فلسفية – تأملية.

ج- الفصل الثالث من القسم الأول: (الأسس الإجتماعية والإقتصادية لفلسفة المعتزلة):

بعد هذه المتابعة، توصلت إلى أن الأستاذ بلمليح – فعلا – قد قام بمجهود يذكر، ذلك لأنه عند بحثه عن الرؤية للعالم عند الجاحظ، قد فطن إلى ضرورة البحث عن رؤية ثانية للعالم ترتبط بالمعتزلة، إنها عملية متشعبة: فالبحث عن رؤية للعالم عند الجاحظ هي محاولة فهم لهذه الرؤية كبنية، أما ربطها بفكر المعتزلة، فهي محاولتان: الأولى تفسيرية وتتوخى تفسير بنية فكر الجاحظ في ضوء المعتزلة، والثانية ترتبط بالفهم، وتتوخى البحث عن بنية فكر المعتزلة، وهي عملية ثانية في فهم رؤية ثانية للعالم، لكن يتبقى لنا أن ننظر في عملية تفسير ثانية، وتتوخى ربط بنية فكر المعتزلة وضمنها فكر الجاحظ ببنية أخرى، لكنها ليست بنية فكرية بقدر ما هي بنية موضوعية ترتبط بالواقع الموضوعي (الإقتصادي – السياسي – الإجتماعي)، وهو موضوع الفصل الثالث من القسم الأول، فلننظر في كيفية مباشرة الأستاذ له في محاولة تفسير ثانية من طرفه:

لقد قام المجتمع الأموي على أساس عرقي استبد فيه الجنس العربي بكل الموارد الإقتصادية والإمتيازات الإجتماعية دون باقي الأجناس، وكان لا بد لضمان سيرورة هذا الإستبداد وهذا التمايز، من وجود فكر مساير ومساند لهذا الإستبداد، جسدته بالخصوص فرقة المرجئة وفرقة أهل السنة والإجماع، وعدة شرائح أخرى كانت لها مصالح في مساندة الفرقة الحاكمة، يقول الأستاذ بلمليح: "إن الباحث لا يستطيع أن ينكر بأن جماعة كبيرة من المرجئة والسنة كانت تمثل شريحة اجتماعية مستفيدة من الوضع الإقتصادي الجديد... ولكن هذه الجماعة لم تكن وحدها تتزعم أو تشكل السنة والإرجاء، بل كانت جماعات أخرى... تؤْثر الخضوع لأولي الأمر" (الرؤية البيانية... ص 96)، وأغلبية هذه الجماعات هي جماعات اقتصادية كالتجار والفلاحين والمهنيين. وإلى جانب هذه الفرق المساندة للحكم الأموي، ظهرت فرق أخرى معارضة له، أهمها المعتزلة. فما هي الظروف التي نمت فيها هذه الفرقة؟

لقد تميز العصر الأموي بنمو سريع في المدن نظرا لحياة الإستقرار التي سادت في جزيرة العرب والعراق بعد الفتنة الكبرى، فاطمأن الناس لحياة الإستقرار والبدخ والترف، خصوصا وأن بعض المدن كالبصرة والكوفة كانت نقطة عبور تجارية مهمة جعلت من الحياة المعيشة حياة مترفة يطبعها الإستهلاك والإستيراد أكثر من التصنيع. وعلى هذا الأساس ظهرت طبقة من التجار اتسعت أرزاقها فكونت شريحة بورجوازية عريضة، مما جعل الطابع الإقتصادي العربي أيام الأمويين يتدرج من الإقطاع إلى طابع الرأسمالية التجارية (الرؤية البيانية... ص 97).. وإذن، فأين يمكننا وضع فرقة المعتزلة كفئة اجتماعية؟ سوف يحاول الأستاذ بلمليح اعتمادا على بعض الوثائق، تبرير زعمه في كون هذه الفرقة تنتمي إلى طبقة متوسطة الحال، جعلها أولا، ونظرا لموقعها الإجتماعي والإقتصادي، تعارض الحكم الأموي المستبد، ثم تؤيد الحكم العباسي نظرا لوصولها في عهد المأمون إلى الحكم، لأننا نلاحظ مع الماركسية بأن الفرد أو الجماعة يتلون بحسب انتقاله من طبقة إلى أخرى، أو بصفة أخرى، وكما يقول ماركس وإنجلز، فإن: "إنتاج الأفكار والمفاهيم والوعي، يتداخل تداخلا مباشرا مع العلاقات المادية للإنسان، أي مع لغة الحياة الفعلية، ولذلك يبدو إدراك البشر وتفكيرهم وتعاملهم الروحي بمثابة أثر مباشر لسلوكهم المادي ... إذ ليس الوعي هو الذي يحدد الحياة، بل الحياة هي التي تحدد الوعي" (تيري إيجلتون "الماركسية والنقد الأدبي". ص 13).

إن مفهوم رؤية العالم الذي طبقه الأستاذ بلمليح في هذا الكتاب، هو مفهوم في الحقيقة إيجابي، وما جعله أكثر إيجابية هو تطبيقه أو بالأحرى محاولة البحث عنه، وعن مدى تجسده في فكر الجاحظ، فقد تنبه الأستاذ بلمليح إلى كون فكر الجاحظ يحمل رؤية للعالم حاول البحث عنها، غير أن هذه المحاولة لن تتأتى إلا بعمليتين اثنتين: هما الفهم والتفسير. وهكذا، وتفطنا إلى الإرتباط الوثيق بين مفهوم الرؤية للعالم والفهم والتفسير، حاول الأستاذ فهم هذه الرؤية كبنية صغرى، ثم تفسيرها برؤية أخرى أوسع منها وأشمل، ثم انتهى في الأخير، إلى أن فرقة المعتزلة التي ينتمي إليها الجاحظ هي عبارة عن طبقة، تماما كما أكد كولدمان: "كل مرة تعلق فيها الأمر بالبحث عن البنية التحتية لفلسفة أو لتيار أدبي أو فني، وصَلْنا لا إلى جيل أو أمة أو كنلسة أو مهنة أو مجموعة اجتماعية أخرى، بل وصلنا إلى طبقة اجتماعية وإلى علاقتها بالمجتمع " (الطاهر لبيب: سوسيولوجيا الثقافة .. ص 46)

لم يتبق بعد هذا التحليل المتواضع للقسم الأول النظري من كتاب "الرؤية البيانية عند الجاحظ "، سوى القيام بتقييم عام لمدى نجاح الأستاذ بلمليح في تطبيق المفهوم الرئيسي للبنيوية التكوينية الذي هو الرؤية للعالم وما يستتبعه هذا المفهوم من مفاهيم أخرى لا يستقيم تطبيق البنيوية التكوينية إلا بها .. لقد أفادني كتاب الأستاذ بلمليح، في تفهم منهجي للبنيوية التكوينية، خصوصا كيفية تطبيق مفهوم الرؤية للعالم، انتبهت خلاله إلى أن هناك ارتباطا بين بعض مفاهيم هذا المنهج، ارتباط لا أدري كيف أصفه إلا بكونه ارتباط منهجي مثل الإرتباط بين الرؤية للعالم والفهم والتفسير والبنية الدالة .. فالبنية الدالةن بنية فكرية فلسفية أو فنية تحمل رؤية خاصة للعالم تعبر عن فئة اجتماعية عاشت ظروفا موضوعية معينة، وللبحث عن هذه الرؤية وهذه الفئة يجب اللجوء إلى عمليتي الفهم والتفسير، يقول كولدمان بأن: "الوقائع الإنسانية لها طابع بنيات دالة لا تسمح بفهمها وتفسيرها إلا دراسة تكوينية: فهم وتفسير (...) لا يفترقان في كل دراسة إيجابية لهذه الوقائع " (كولدمان: الإله المختفي (بالفرنسية) ..ص 97). إن هذا الكتاب (الرؤية البيانية عند الجاحظ)، بالفعل يطرح تساؤلات أجد لها أجوبة في الكتاب نفسه، غير أن هناك تساؤلات أو لنسمها ملاحظات أو مؤاخذات نقدية من جانبي على الكتاب (جزئيا) استرعت انتباهي، وسأوضحها كالتالي: (أ) – إذا كانت الرؤية للعالم عند الفرد ترتبط بالمجموعة، فإن البيان كرؤية يبقى من هذه الناحية رؤية فردية خالصة لا تعبر إلا عن اهتمام صاحبها، بحيث لا نجد رؤية بيانية عند أصحاب فرقة المعتزلة، ولا عند الجماعة العريضة التي عايشتها المعتزلة. إن فكر الجاحظ كان يجب أن يرتبط أكثر بعناصر الرؤية عند المعتزلة كفرقة كلامية وضعت أسسا فلسفية من أجل مقارعة رؤى إديولوجية أخرى، لا أن تكون الرؤية بيانية وفردية لا تعبر إلا عن رؤية صاحبها، وإضافة إلى ذلك، لا تعود إلى الواقع إلا بصورة ضيقة تنطلق من التعبير والكلام والدلالة لتعود إليها بالبحث. وسوف يتوضح الأمر أكثر عندما نعلم بأن كولدمان لم يربط الرؤية بالفرد بصورة وثيقة ومباشرة، بل جعل الفاعل في هذه الرؤية فاعلا جماعيا لكي لا تكون رؤية فردية، بل يمكن انطلاقا من هذا، غض النظر عن الفرد وربط الرؤية مباشرة بالجماعة، بل بالطبقة الإجتماعية (وللطبقة مفهومها عند كولدمان)، وإذن فإن الرؤية التي يعبر عنها الفرد، إنما هو يعبر من خلالها عن الجماعة، عن الطبقة المتضررة اقتصاديا واجتماعيا. ومن هنا فسوف يكون من المستبعد أن تكون الطبقة التي يعبر عنها الجاحظ ذات رؤية بيانية للعالم، طالما أن البيان لا يخص إلا صاحبه.. (ب) – إن ربط الأستا بلمليح بين فكر الجاحظ والمعتزلة من جهة، وبين الأسس الإجتماعية والإقتصادية من جهة أخرى، لم يكن ربطا كافيا، أي أنه لم يتوخ الربط الإديولوجي بين فكر المعتزلة والأسس الإقتصادية والإجتماعية، إذ إن هذه الأخيرة تعتبر بنية تحتية تؤثر في البنية الفوقية التي هي الفكر، وهي على هذا الأساس سوف تكون إديولوجية، ويؤكد كولدمان عند حديثه عن الطبقة، وكذا ماركس وإنجلز عند حديثهما عن أسبقية الوقائع المادية على الفكر. والرؤية للعالم هي أقرب للإديولوجيا – في نظري على الأقل -، ولهذا فمن الواجب أن تعكس الرؤية للعالم إديولوجية معينة، إديولوجية أصحابها كشريحة اجتماعية ضد شرائح أخرى، وربما قد توصل الأستاذ إلى هذا بصفة ضمنية عندما اعتبر أن المعتزلة فئة اجتماعية متوسطة عارضت الحكم الأموي نظرا لتضرر مصالحها وامتيازاتها الإجتماعية، وما صياغتهم للمبادئ الخمسة ذات الطابع التأملي الفلسفي إلا تعبير عن رفض الأوضاع الإجتماعية في عهد الحكم الأموي، ولا أظن إلى جانب هذا أن البيان يشكل رؤية للعالم ولا إديولوجيا معينة، بل أظن أن الرؤية للعالم عند الجاحظ كان يمكن أن تقترب من المفهوم الكولدماني لو تم الإهتمام بالكتابات الجاحظية ذات الطابع الإديولوجي.

خـــــــاتـــــــــمة:

إن البحث في الثرات، بحث مغري بالفعل، لأننا في حاجة إلى تحقيق تراثنا العربي وفهمه وتفسيره وغربلته، ثم مقارنته بالرؤى الحديثة لنقف على الجهد الجهيد الذي بذله العرب القدامى في ميدان المعرفة رغم ما يرافق الإهتمام بالتراث من مصاعب جمة وخطيرة، ظهرت لي أهميتها من خلال الكتاب المدروس الذي يجمع خصوصا، وهذا هو الأهم، بين منهج دقيق وموضوع خطير ومتشعب وتراثي فوق ذلك، يحمل هم الترث والحداثة في آن واحد. وتظهر صعوبة البحث في التراث خصوصا في انعدام الوثائق والمصادر التي تنفع الدارس والباحث في الخوض في موضوعه دون مجازفة، وقد عبر الأستاذ بلمليح عن ذلك قائلا: "أما الصعوبات التي تواجه دارس التاريخ العربي في مجاليه الإقتصادي والإجتماعي، فأهمها على الإطلاق، قلة المصادر " (الرؤية البيانية .. ص 92) . ويعتبر البحث في التراث مع قلة المصادر، ومزاوجته بالمنهج الحديث والعلوم النقدية الحديثة، ثم الخروج رغم ذلك بنتائج، لشيء مدهش إذا كان الربط في فكر الباحث بين الماضي والحاضر ربطا يستهدف الدمج بين القطبين الزمنيين، للخروج بنتيجة مفادها أن للقديم عظمته، وأن من الواجب معرفة هذا القديم، ومعرفة هذا الحديث لخلق مستقبل معرفي يرتكز على علوم الماضي وعلوم الحاضر، كما فعل ذلك الأستاذ بلمليح، الذي درس فكر الجاحظ البياني بطريقة حديثة مقارنا بينه وبين النظريات الحديثة من جهة، ومن جهة أخرى إخضاعه لبنية هذا الفكر لمنهج يظهر أنه متمكن من عناصره، كما أشار إلى ذلك المفكر أمجد الطرابلسي في تقديمه للكتاب.. وكم هو خطير وجليل في آن، أن يجمع المرء بين المعرفة بالتراث والمعرفة بالعلوم النقدية الحديثة وتطبيق هذه على تلك، وأن يجمع بين التنظير والتطبيق من حيث المنهج.

(انتهى)


كريم مرشدي

كاتب مغربي

من نفس المؤلف